غِياث
غِياث

@Mme_3455

11 تغريدة 40 قراءة Apr 18, 2021
إني أكتب اليوم عن أمي، ولكن كل واحد منكم سيقرأ فيه الحديث عن أمه، ألم يقل (سبنسر) إن الجميع يبكون في المآتم، ولكن كلّاً يبكي على ميته؟ فمن قعد يقرأ هذه الحلقة وله أم، فليتدارك ما بقي من أيامها،
لئلاّ يصبح يومًا فلا يجدها ولا يجد ما يعوّضه عنها ...
وإن كانت عجوزًا أو كانت مريضة، أو كانت مزعجة بكثرة طلباتها، فاذكر أنها إن احتاجت إليك اليوم فلقد كنت يوما أحوج إليها، وإن طالبنكَ أن تقدم لها من مالك فقد قدمت لك من نفسها ومن جسدها، وأنها حملتك في بطنها فكنتَ عضوًا من أعضائها يتغذى من دمها،
ثم وضعتك كُرهًا عنها انتُزِعتَ منها انتزاع
روحها، أما أبصرت يومًا حاملًا في شهرها التاسع، بطنها إلى حلقها، لا تستطيع أن تمشي من ثقل حملها، ولا تستطيع أن تنام؟ وإن لم ترَ بعينك امرأة تلد، أفما سمعت صراخها من المها، ألم يبلغك ما تقاسي وما
تتعذب؟
لو سبب لك إنسان عشر هذا العذاب لأعرضت عنه ولهجرته، هذا إن أنت رفقت به فما انتقمت منه ولا آذيته، ولكن الأم تنسی بعد لحظات من خروج الولد ألمها، ثم تضمه إلى صدرها، فتحس كأن روحها التي كادت تفارقها قد رُدّت إليها، وتلقمه ثديها ليمتص حياتها فيقوى بضعفها، ویسمن بهزالها
أو يمدها الله بقوة من عنده فلا تضعف ولا تهزل ويقوي هو ويسمن، وإن ضِقت بطول حياة أمك تخفي ذلك في أعماق نفسك وتنكره بلسانك فقد كانت ترى فيك حياتها، إن تبسمتَ أحست أن الدنيا تبسم لها، والأماني قد واتتها، وإن بکیت بکی قلبها واسود نهارها، وإن مرضت هجرت منامها ونسيت طعامها،
ترعاك ساهرة حتى تصبح، فإن أصبحت ظلت ترعاك حتى تمسي، إنك لو أحببتها بقلبك كله لم توئها إلا المائة مما أَوْلَتْكَ هي من حبها، وإن كان لك أب شیخ کبیر محتاج إليك، فاذكر أنه طالما تعب لتستريح انت،
وشقي لتسعد، ما جمع المال إلا لك، وما خسر ماضيه إلا ليضمن مستقبلك،
وأنه كان يعود من عمله محطمًا مكدوداً فتثب إلى حِجره وتقول له : بابا، وتمد يديك
الصغيرتين لتعانقه، فینسی بك التعب والنصب، ويرى المسرات كلها قد جمعت له، والمتاعب كلها قد نأت عنه، واذكر أنه ما زاد من عمرك حتى نقص من عمريهما مثله، ولا بلغت شبابك حتى ذهب شبابهما،
ولا نلت هذه القوة حتى نالهما الضعف، أفئن بلغت مبلغ الرجال كان جزاءهما منك الصدود والنكران؟! إن الإنسان يربي كلبة فيفي له، وحمارة فلا يرفسه، ويطعم القط فلا يعضه، بل إن من الناس من يتألف صغار الأسود والنمور وأنواع الوحش فتأنس به وتأوي إليه وتلحس (علامة الشكر) يده ..
ويفني الوالدان نفسيهما في الولد، فينسى فضلهما ويجحد يدهما؟ یا عجبا!، أيكون الكلب والحمار والقط والنمر أوفي من الإنسان؟! وقد تجد في الناس من يظهر لك من حبه أكثر مما تظهر الأم، ويظهر الأب، ولكن منهم من يحبك لمالك، أو لجمالك، أو لجاهك وصلاح حالك، فإن ساءت الحال أو ذهب الجمال،
أو قل المال أعرض عنك ولم يعد يعرفك، أما الذي يحبك لذاتك، ويبقى على حبك مهما تبدلت الحال بك فهو أمك وأبوك لا تجد مثلهما حتى في الزوجات، ومن الزوجات
الوفيات الصالحات، الصابرات الراضيات، لا يتخلين عن الرجل ولو مرض وذهبت صحته، ولو افتقر وضاع ماله، ولو سقطت منزلته في الناس فهجروه،
ولكن هذا في بعض الزوجات، أما الأمهات فهو فيهنّ جميعا بلا استثناء
-علي الطنطاوي

جاري تحميل الاقتراحات...