في الصدر خاطرات تعتلج وأقوال تختلج، أود دون ترتيب بثّها فخذوا سمينها واتركوا غثّها. وليعلم القارئ الكريم أني لا أُشير إلى أحدٍ بعينه، وإنما هي صور مرصودة عامَّة، ومشاهد ملفوظة سامَّة، فإليكم ما يجول، وأسأل مولاي القبول.
من طلبة العِلم مَن يعيش في حالة انفعالٍ دائمة؛ متوجِّس، يترصَّد، منقبض، لا يرى في العلم رسالة تسمو بالنفسِ والخلق، بل سوط أو سيف وظيفته الضرب والفلق. تجده دائمًا يخوض غمار الخصومات، ويُسر بقسطل المناكفات، الهدوء يضجره، لا ينفك يبحث في كل لحظة عن معركةٍ جديدة.
والمؤسف أنه لا يستخدم سوطه مع البعيد المخالِف له في الأصولِ فقط، بل مع القريب المخالف له في الفروع. لا يعرف التدرج في المواقف، ولا الحوار المهذَّب، ولا النصح المنفرد؛ بل يعرِف الهجوم المباغت، والتشكيك في النوايا، والنفاذ إلى شخص الخصم.. وهذه والله حال مؤذنة بخطرٍ مفكِّك داهم.
على طالبِ العلم السوي ألا يأخذ غيره بالظن، ولا يتعجل في الحكم، ولا يفرح بالزلة، ولا ينبز أخ له في الملة. العِلم الشرعي رسالة حقيق بحاملها أن يتخلَّق بأخلاق من جاء بها. لابد من القضاء على الانفعال السيئ؛ فإنه وقود الشر، ومانع الفهم، ومائل بسلامة القصد، وصادّ عن الرأي السديد.
وقمينٌ بالشاب أن يبدأ طلب العلم بتهذيب روحه، والتشبع من الرقائق المعينة على الصفاء الداخلي ودفع الشهوات المهلكة. ويحزنني مرأى طالب متحمس يقرع باب العِلم لا لشيءٍ سوى التصدر للرد على الشبهات، فهو يبدأ مشواره المعرفي بردَّة فعلٍ انفعالية تدفعه إلى الحنق المذموم. وهذا منهج المتجانف.
وأرنو إلى بعضِ البرامج القائمة على تكوين طلبة العلم، أقول أرنو لحسن منظرهم في زماننا جزاهم الله خيرا. سأجاوز الثناء على جهودهم لأنه في نظري أمر بدهي لا يحتاج إلى تَكرار في كل حين. لدي فقط مَلَحظ يسير وهو أنَّ بعض هذه البرامج تُنتج طلبة للعلم يقدِّسون شيوخهم إلى درجةٍ مريبة!
فأنتَ ترى بعضهم لا يقبل ردّاً على شيخه، ويعجز عن مخالفته، ويعظِّم أقواله وإن كانت خلو من أي قيمةٍ حقيقية.. وغير ذلك من الأمور الناتجة عن تقديس معطِّل للتفرُّد الضروري في نفس الطالب. أصبح واحدهم ينظر إلى الحقِّ بعين الشيخ، لا إلى الشيخ بعين الحق! وفي هذا خلل ظاهر.
فأرجو أن يُنتبه إلى هذا؛ ولا يُغذَّى الطالب على تعظيم البرنامج الذي ينتمي إليه، أو الشيوخ الذين يدرس عليهم، حتى لا ينشأ لنا جيل لا يقدر واحدهم على قطع الطريق الوعرة وحده، ويعجز عن الفصل بين مكانة الرأي ومكانة قائله. هذه نفثة، ولابد للمصدور أن ينفث. غفر الله خَطانا وسدَّد خُطانا.
جاري تحميل الاقتراحات...