أحمد الحقيل
أحمد الحقيل

@ahmedalhokail

11 تغريدة 14 قراءة Mar 21, 2021
إنني مفتون بلحظات ومواقف البشرية الهامشية في حياة الرسل.
الضغط، والشك، والعجز، بل والضعف والوهن.
يستدعي أبو طالب ابن اخيه ليواجهه بعدما ضيق عليه سادة قريش.
أتخيل الوقت صباحا، فور إشراقة الشمس بما يناسب حساسية الموقف العاجل.
يدخل الرسول فيخبره عمه: لا تحمّلني في الأمر ما لا أطيق!
يمثّل أبو طالب للرسول ما يمثله الأب، والنصير، والذرا. فضلة النفس، وربقة الأصل. سمع مقالته تلك، وظن أنه خاذله ومسلمه، وأن ما يتذرى به سينكسر، وربما عز عليه انكساره أكثر من انكشافه لشر مناوئيه. فقال: يا عماه، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته.
الشمس تسطع ناعمة في المكان، مثل الذهب المذاب، تومض في أسطح الأشياء. استعبر الرسول، ولمعت عيناه، ثم بكى وقام.
ولكن أبا طالب رق له، فأوقفه، وناداه: أقبل يا بن اخي. فعاد. وأكمل الشيخ: اذهب يا بن أخي، فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا.
يحاجج قوم نوح بعضهم، فيقولون: "ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة"، ويزيد الثموديون قوم صالح في الحجة: "ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما يشربون".
لقد بدا مستعصيا على الإنسان فهم أن الله اختار إنسانا مثله، ليكون رسوله إليه.
ويشدد الله على حجتهم بدل إنكارها: "وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين"، "وجعلنا لهم أزواجا وذرية"، "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل".
ولكنه يبرر لهم: "لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا".
يجب إذن أن يكون مثلكم، بشر!
يقرر الرسول الهجرة أخيرا إلى المدينة.
هرب، في إحدى الروايات، من حصار قريش وقد خلّف وراءه عليا، وأخبره أن يبلغ أبا بكر إذا جاء أنه قد ذهب إلى الغار في جبل ثور.
فجاء أبو بكر ولحق به.
الظلمة داكنة، والساعون فيها قطعٌ من الليل في غور السواد، لا تستبين حضورهم إلا بخشخشة أقدامهم.
"سمع رسول الله جرْس أبي بكر في ظلمة الليل، فحسبه من المشركين، فأسرع الرسول المشي، فانقطع قبال نعله ففلق إبهامه حجرٌ فكثر دمها، وأسرع السعي".
رجل من البشر، رعى الغنم مثل أكثر الرسل، وعمل بالتجارة، ثم وقف أمام قومه يعدهم بملك الدنيا والآخرة، وهو ما سيتحقق حينما تتسع رقعة رسالته لتغطي الأرض، ولكنه يسير الآن قطعةَ ظلام حالكة، يتخفى في السواد، حافيا، يلون دمُ قدمه أثره، يهرب من قومه الذين سيملكون الأرض باسمه بعد موته.
"فخاف أبو بكر أن يشق على رسول الله، فرفع صوته، وتكلم، فعرفه رسول الله فقام حتى أتاه، فانطلقا ورجْل رسول الله تستن دما، حتى انتهى إلى الغار مع الصبح، فدخلاه".
اختبآ فيه عدة أيام، وحينما وصلا المدينة في الظهيرة، لم يعرفه الناس من أبي بكر الذي كان في مثل سنه، حتى أظله بردائه فعرفوه.
للعادي في حياة الناس (ونسميه البشري في حياة الرسل توقيرا) فتنة بارعة في تمهيد وتصدير ما هو جليل. يمنحها قربا ومصداقية عميقة في نفوس متلقيها. يحيلها شبيهة بهم، بأجسادهم ووجدانهم وتجاربهم ومخاوفهم وشكوكهم. يستقون من تناقض تعاليها وضعفها توازن ثقتهم.
الحياة تكمن في العادي، وأكثر العظيم - شخصا كان أم حدثا - هو نتيجة لسياق رتيب، متراكم، وبطيء غالبا. أما التجارب التي تلخص تلك النتائج الهائلة الحاسمة، والشخصيات التي تمثلها لتصل بنا إلى استنتاجات تضاهي الكون ضخامة؛ ليست سوى ذروة مختزلة، معرضة للهشاشة، وربكة التأويل، وفتنة التعليب.

جاري تحميل الاقتراحات...