فالفيديو كليب لا يقدم مجرد أنثى تغنى وترقص وتتعرى وتتلوى بل إنه يعبر عن رؤية كاملة للحياة، نقطة انطلاقها -كما أسلفنا- هو الفرد الذي يبحث عن متعته مهما كان الثمن. والمتعة في حالة الفيديو كليب متعة أساسا جنسية
ولذا فهي متعة بسيطة أحادية تستبعد عالم الموسيقى والطرب وجمال الطبيعة وكل العلاقات الإنسانية الأخرى. والفيديو كليب بتركيزه على هذا الجانب وحده يسهم في تصعيد السعار الجنسي (في مجتمع فيه أزمة زواج). ولكن من المعروف أن تصعيد السعار الجنسي مرتبط تماما بتصعيد الشهوات الاستهلاكية،
وهذا ما أدركته تماما صناعة الإعلانات التليفزيونية، فمعظم الإعلانات تلجأ إلى الجنس لبيع السلع، فالسعار الجنسي يفصل الفرد عن مجتمعه وأسرته، وعن أي منظومة قيمية اجتماعية، فيحاول تحقيق ذاته من خلال منظومة المتعة الفردية والمنفعة الشخصية،
والتي تترجم نفسها عادة إلى استهلاك السلع والمزيد من السلع (في مجتمع تعيش غالبيته إما تحت خط الفقر أو فوقه ببضعة سنتيمترات وجنيهات خاصة بعد ارتفاع سعر الدولار).
إن الفيديو كليب يختزل الأنثى (والإنسان ككل) إلى بعد واحد هو جسده، فيصبح الجسد هو المصدر الوحيد لهويته،
إن الفيديو كليب يختزل الأنثى (والإنسان ككل) إلى بعد واحد هو جسده، فيصبح الجسد هو المصدر الوحيد لهويته،
وهى هوية ذات بعد واحد لا أبعاد لها ولا تنوع فيها (ومن هنا التكرار المميت في الفيديو كليبس، ولنقارن "كدهه" التى تقولها سعاد حسنى بـ"كده" التي تقولها روبي بجسدها فكدهه التي قالتها سعاد حسنى كانت عبارة عن إعلان استقلال الفتاة المصرية
ورفضها أن تكون كائنًا سلبيًا فى علاقتها بالرجل الذي تحبه، فزوزو لا تبكى ولا تنهزم حينما تقع في غرام البطل وإنما تهز رأسها بطريقة غزلة لعوب وتقول: "يا واد يا تقيل"، ثم تقرر اصطياده، وتنط كما الزمبلك من كنبة لكرسي لترابيزة وتغني أغنية الأنثى الجديدة -
فتصف صاحبنا بأنه بارد كجراح بريطاني، هادئ "وراسي" وكأنه أمين شرطة أو دبلوماسي (وكلاهما صاحب سلطة ومكر ودهاء)، وهو متحفظ للغاية يرد بالقطارة فكأنه الرجل الغامض (الشخصية الروائية الأفرنكية غير الحقيقية)، ويسير كأنه تمثال رمسيس الثاني (الفرعون المغرم بالتماثيل الضخمة).
والإشارات هنا تدل كلها على الذكورة والفحولة والضخامة والسيطرة، ولكن السياق والنبرة العامة للأغنية يدلان على أن الغرض من التضخيم ليس التفخيم وإنما فضح ادعاءات الرجل المصري عن نفسه، ولذلك فكل صور الفخامة تسبقها عبارات مثل "ما تقولشى" و"بسلامته" و"اسم الله"،
وهى عبارات تشككنا فى جدية هذه الصور وتحول الذكر الضخم إلى طفل صغير تتلاعب به هذه الأنثى الحقيقية. وحينما يقف أبو شوارب ويعلن أن "الكون مش قد مقامه" وأنه "أطول واحد فى الحارة" نعرف أنه ضحية مؤامرة تشهير ضخمة وأن الفتاة الزمبلك قد نصبت له فخًا،
وأوهمته أنه الصياد المفترس التقيل،وهو في واقع الأمر ليس سوى صيدة سهلة ولقمة سائغة،إنها تعلم أنه لا داعي للمقاومة فهو لن يغلبها رغم ضخامته الأسطورية ورغم ثقله التاريخي.
كل هذا يقف على طرف النقيض من"كده"في أغنيةروبي فهي إعلان أن الفتاة إن هي إلا جسد متحرك لذيذ، واللي ما يشترى يتفرج
كل هذا يقف على طرف النقيض من"كده"في أغنيةروبي فهي إعلان أن الفتاة إن هي إلا جسد متحرك لذيذ، واللي ما يشترى يتفرج
إنها في نهاية الأمر مفعول به، رغم جاذبيتها الجنسية التي لا يمكن إنكارها! (لماذا لم تتحرك حركات تحرير المرأة لامتهان الأنثى بهذه الطريقة؟).
والإنسان الجسماني الاستهلاكي المنشغل بتحقيق متعته الشخصية يدور في دائرة ضيقة للغاية خارج أي منظومات قيمية اجتماعية أو أخلاقية،
والإنسان الجسماني الاستهلاكي المنشغل بتحقيق متعته الشخصية يدور في دائرة ضيقة للغاية خارج أي منظومات قيمية اجتماعية أو أخلاقية،
ولذا نجد أن ولاءاته للمجتمع وللأسرة تتآكل بالتدريج، كما أن انتماء مثل هذا الشخص لوطنه ضعيف للغاية إن لم يكن منعدمًا. والآن انظر لخلفية الفيديو كليب ستجد أنها لا أرض لها ولا وطن، فأحيانًا الخلفية هندية، وأحيانًا أخرى أمريكية، وثالثة أوربية، والبنات فى معظم الأحيان شقراوات،
وحتى لو كن من بنات البلد فما يرتدينه (أو لا يرتدينه) من ملابس لا علاقة له بما نعرفه في حياتنا. كما أن أبطال الفيديو كليب عادة يركبون سيارات فارهة وأحيانا يظهرون في قصور، وكل هذا بطبيعة الحال يصعد الشهوة الاستهلاكية ويضعف الانتماء.
بعد كل هذه المقدمات يمكننا أن نضع الفيديو كليب في سياق أوسع، وهو سياق العولمة. فجوهر العولمة هو عملية تنميط العالم بحيث يصبح العالم بأسره وحدات متشابهة، هي في جوهرها وحدات اقتصادية تم ترشيدها، أي إخضاعها لقوانين مادية عامة؛ مثل قوانين العرض والطلب،
والإنسان الذي يتحرك في هذه الوحدات هو إنسان اقتصادي جسماني لا يتسم بأي خصوصية، ليس له انتماء واضح، ذاكرته التاريخية قد تم محوها، وإلا لما أمكن فتح الحدود بحيث تتحرك السلع ورأس المال بلا حدود أو سدود أو قيود. فالخصوصيات الثقافية والأخلاقية تعوق مثل هذا الانفتاح العالمي.
وفى غياب الانتماء والهوية والمنظومات القيمية والمرجعيات الأخلاقية والدينية تتساوى الأمور، ويصبح من الصعب التمييز بين الجميل والقبيح، وبين الخير والشر، وبين العدل والظلم وتسود النسبية المطلقة.
وأهم تعبير أيديولوجي عن العولمة هو فلسفة ما بعد الحداثة التي يطلق عليها أيضا anti-foundationalism والتي يمكن ترجمتها حرفيا بعبارة "ضد الأساس" والتي يمكن ترجمتها بتصرف "رفض المرجعيات"، مما يعنى السقوط في اللاعقلانية الكاملة.
وقد وصف رورتي ما بعد الحداثة أنها تعنى أن الإنسان لن يقدس شيئًا حتى ولا نفسه، فهي ليست معادية للدين والأخلاق وحسب، بل معادية للإنسان ذاته.
من مقال للدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله حول الفيديو كليب والجسد والعولمة
من مقال للدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله حول الفيديو كليب والجسد والعولمة
جاري تحميل الاقتراحات...