كان ليا صديق إسمه فادي... أطلقنا عليه لقب ضابط الإيقاع! بداية الحكاية إننا كنا زملاء في الدراسة وفي فصل واحد... انا كنت من التلامذة الملتزمين جدا جدا.. امشي جنب الحيط واقدس القواعد... اهلي علموني كده... وفي يوم من الأيام، كان عندنا حصة فاضية، والمشرف جالنا الفصل
وقالنا أن المدرس مش جاي، واننا مش هاينفع ننزل الحوش نلعب كورة، ممكن نتكلم بس بصوت واطي.. مدرستنا كانت مدرسة رهبان، فيها التزام عالي بالقواعد، وطريقة تربية مختلفة عن باقي المدارس.. كنت ترمي القلم وتسمع صوته بيرن، الهدوء والإلتزام كانوا من سمات المدرسة...
يوميها، فادي قرر يطبل على البنش الخشبي وسط استغراب جميع الزملاء، كنا في أولى اعدادي... المهم، كانت طبلته حلوة ولقيت واحد ورا التاني بيصقف، وفي ظرف ثواني كان الفصل كله بيصقف بأعلى صوت، وفادي طبلته بتتعالى مع التصقيف... كنا عارفين إننا هانتعاقب بس اللحظة اخدتنا
كانت تقريبا اول مرة نكسر فيها القواعد الصارمة، وفادي كان رمز الثورة على الإلتزام... انا قعدت ابص حواليا شوية وبعدين لقيت نفسي باخبط كفوفي في بعض بشئ من الخوف، لكن خبطة في التانية، لقيت نفسي باصقف بحماس.. كسرت حاجز خوف جوايا.. يوميها اتعاقبنا عقاب جماعي، لكن فضلت معانا ذكرى جميلة
اليوم ده أطلقنا على فادي اسم ضابط الايقاع، وبقينا نكرر الحدث ونعمل ثورة التطبيل والتسقيف من حين لأخر لغاية ما في يوم المشرف عرف مين اللي بيقود ثورة التطبيل ، وكان عقاب فادي شديد.. مرت الايام، وكان ضابط الإيقاع بيتعرض للتهزيق من المشرفين والمدرسين لأنه مش عايز يلتزم
مدرس واحد بس هو اللي اخده في وقت الفسحة وشاف فيه اللي محدش شافه.. جابله جيتار هدية، واتكلم مع مدرس الموسيقى عشان يعلمه وقت الحصص الفاضية والفسحة.. ضابط الإيقاع لقى نفسه في الموسيقى، وبعد ما اتعلم جيتار، بدأ يلعب عود... وكان هو اللي بيعزف مقطوعة من تأليفه يوم حفل التخرج
شاءت الظروف إننا نكون في جامعة واحدة ونبقى اصدقاء مقربين بعد ما خلصنا مدرسة، وكنا دايما نفتكر ثورة التطبيل ونضحك سوا... وقدمنا في الجيش سوا، وكانت نفسيتي في الحضيض في مركز التدريب، لكن ضابط الإيقاع كان بيعرف يطلعني من الموود، وتحول دوره إلى ضابط إيقاع في حياتي
كنت دايما الجأله في وقت الشدة، كان عنده الحكمة الكافية للتعامل مع احزاني وهمومي.. صديق بمعنى الكلمة.. بعد كام سنة حصلت بيننا مشكلة وافترقنا... وكانت قلبي بيتعصر من جوا وفقدت الإيقاع تماما في حياتي، لكن أمور الكرامة والزعل كانت لها اليد العليا في العند من الطرفين
سمعت من بعيد انه تزوج من بنت إيطالية وسافر معاها... مرت سنين طويلة وذهبت لزيارة المدرسة، وقابلت كتير من المدرسين، واحد منهم كان الاستاذ اللي تعامل مع ضابط الإيقاع بحكمة وكان سبب في تغيير حياته وتعليمه الموسيقى.. قعدنا نتكلم وحكيتله على الخلاف والقطيعة..
ابتسم وطلع من جيبه الموبايل وفرجني على فيديو مدته دقيقتين.. ضابط الإيقاع كان بطل الفيديو، قاعد في غرفة علاج كيماوي ومعاه ٦ تانيين كلهم معلقين محاليل، وقال كلمتين في اول الفيديو عن تشجيعه لكل مرضى الكانسر في العالم، وبدأ يطبل على طرابيزة صغيرة وكل المرضى الأجانب بيصقفوا معاه!
قربت شاشة الموبايل من وشي، وعيني دمعت... شوفت الفيديو كذا مرة.. الأستاذ اخد بعضه و راح يتمشي في الغرفة... مشيت من المدرسة برجلين تقيلة وقلب موجوع... اخدت الرقم لكن ما كنتش عارف اتصل بيه.. هاقول ايه؟ بعد مرور اسبوع كلمته وكأنه كان منتظر المكالمة...
لأول مرة من سنين، يرجعلي إيقاع قلبي تاني رغم الظروف... اتكلمنا كتير، كنت باحاول اشجعه على حربه مع المرض، لكن في الحقيقة هو اللي كان بيشجعني بكلامه.. رجعنا تاني أصحاب بعد اول ثانية من المكالمة وكأننا عمرنا ما افترقنا.. و بقيت باتابعه كل كام يوم واطمئن على رحلة علاجه
عرفت منه انه كان بيشتغل في مدرسة في إيطاليا وبيعلم موسيقى، وكان منهجه بيركز على ذوي الإحتياجات الخاصة والأطفال اللي عندهم صعوبة في التعليم، كان كمان بيتبنى المشاغبين ويطلع منهم شئ إيجابي، البذرة اللي زرعها جواه الأستاذ طرحت قلب دهب
آخر رسالة بيننا كانت من سنة، زي النهاردة كده.. بعتلي وقالي ادعيلي، داخل عملية صعبة بس انا مش خايف! كنت اتكلمت من فترة على الناس اللي ممكن تغير حياة ناس.. اللي عمره ما يحكم على شخص أو طفل، بل بالعكس بيحاول يشوف فيه الشئ الإيجابي، بيرمي جواه بذرة أمل
الطفل المشاغب مهما كان بيعمل... محتاج الشخص اللي يخترق مجال شقاوته برقة ويشوف فيه اللي محدش شايفه.. يكتشف فيه الجوهرة المدفونة ويشجعه، والأهم من كل ده، انه يحبه! لو حبيتهم هاتقدر تساعدهم من غير ما تحكم عليهم .. هاتقدر تغير حياة إنسان، كل اللي حواليه بيحكموا عليه بالفشل!
جاري تحميل الاقتراحات...