خالد عاذي الغنامي
خالد عاذي الغنامي

@kalghanam

24 تغريدة 16 قراءة Mar 13, 2021
1-أرغب في هذه المساحة أن أستدرج نفسي للحديث عن الذكاء الاصطناعي، كقضية فلسفية. أو ربما أنني أرغب في توريط نفسي لأبحث أكثر في هذا الموضوع.لا شك أنه موضوع شائك ويحتاج إلى طول نفس، وهكذا سأتعامل معه، بطووول النفس. من أين سنبدأ؟
2-قضايا الفلسفة محدودة ومحددة (بضع مئات) وليس صحيحا أن تتصور أنها لامتناهية. هذا جزء من التهويل الذي يمارسه الفلاسفة، وهو نفسه التهويل الذي مارسه الفقهاء حين قالوا إن الفقه بحر لا ساحل له. كلا الفنين له مسائل محددة،لكن يحدث أن يكون هناك نوازل جديدة. من النوازل الجديدة قضيتنا هذه.
3-سأبدأ من السينما لأنها أقرب وأبسط وسيلة لتصور فكرة فلسفية معقدة. هناك نماذج جادة لأعمال فنية تعاطت مع هذه القضية، منها: The Matrix و Blade Runner. وفيهما تتكرر قضيتنا هذه، هل يمكن للذكاء الاصطناعي (الإنسان الآلي) مع حركة العلم وتطوره عبر المستقبل البعيد، أن يكون إنساناً حقيقيا؟
4-في Blade Runner يظهر الإنسان الآلي أكثر إنسانية وحيوية من الإنسان، بشغفه وحبه للحياة ورغبته في عمر أطول، في مقابل الإنسان الذي يبدو تعيسا وذا ذاكرة مرهقة بالكدر. وفي نهاية القصة نجد الرجل الآلي ينقذ حياة من كان يسعى لتصفيته، لأنه أحب الحياة كحياة ولو كانت حياة عدوه.
5-وشخصية رايتشل، الموديل الأحدث، قد زُرعت لها ذاكرة، بحيث تتصور طفولة لم تكن وذكريات لم تقع. وكل النماذج الآلية replicants الأخرى في Blade Runner كلها قد طوّرت ما يشبه المشاعر الإنسانية (حب - كره - حسد - رغبات). إنهم كلهم يكادون يكونون بشرا في هذه القصة.
6-لكن أكثر شخصيات Blade Runner قوة ووضوحا هي شخصية(روي) الذي تسلل لمسكن الإنسان الذي صممه وصنعه، مطالبا إياه بمزيد من العُمر. إنها المشكلة الإنسانية الخالدة، الرغبة في البقاء لفترة أطول، أو هي الرغبة في الخلود، في هذه الحياة، على ما فيها.
7-في مقابل هذا، نجد أن الإنسان الحقيقي في القصة يظهر كشخص تعيس ساخر ممرور يعيش حياة وحيدة حزينة، في العالم المستقبلي الذي أخذت فيه الآلات كثيرا من أعمال البشر. يبدو أقل إنسانية من الآلة.
8-شخصيةالرجل الآلي(روي) تتطور عبر القصة ليصل إلى فهم عميق للبشر، أي (ما معنى أن تكون إنساناً؟ما الذي يميزك عني؟). القصة تتحدث عن رجل آلي مجمّع من أعضاء بشرية، فما الذي كان ناقصاً لكي يكون إنساناً حقيقياً؟
9-ثم تنتهي حياته، والفيلم كذلك، بعبارة شعرية خالدة لليوم (كل اللحظات الجميلة سوف تضيع في الزمان، كالدموع في المطر).
10-في Blade Runner البشر يستعبدون الآليين فتثور الآلات عليهم وتتمرد، أما في The Matrix الذي يفترض أن تقع بعد 200سنة من الآن، يصبح البشر هم العبيد والآلات تحكمهم وتستخدمهم كبطاريات، فيما يناضل البشر لنيل حريتهم والانتصار على الآلة. وكأن القصة الأخيرة امتداد لقصة صراع الطرفين.
11-هذه الأفكار الطموحة بقدر ما هي تساؤل عن قدرة الآلة على التفكير والشعور والحب والكره،هي أيضا تساؤلات كبرى عن عقل الإنسان وهل هو مجرد كمبيوتر يمكن اصطناعه؟هناك حديث فلسفي يمتد لآلاف السنين عن (الوعي)و(العمليات العقلية) كخصائص إنسانية لا تملكها الكائنات الأخرى،فهل هي حق حصري لنا؟
12-الذكاء الاصطناعي، هو العلم الذي يدرس إمكان زراعة الصفة العقلية في الآلة. أي أنه العلم الذي يدرس أفعال الآلة التي تتطلب عقلا أو ذكاء intelligence لو فعلها الإنسان، وكيف يمكن للآلة أن تكتسب الحالات العقلية، وهل يمكن للآلة أن تكون ذات قصديّة؟
13-موضوع الذكاء الاصطناعي ليس جديدا بالمرة، فلطالما اختلف أصحاب المذهب الطبيعي مع أصحاب المذهب العقلي حول الإنسان، فالفريق الأول يرى أن الطبيعة وقوانينها هي المبدأ الأول وأن الإنسان لا يخرج عن هذا النظام باعتباره مادة. الفريق الثاني يرى أن الإنسان يختلف لأنه يملك الوعي الذي يميزه
14-لكن ما هو الوعي؟ لا سؤال يشبهه إلا سؤال: ما الزمان؟ لعلنا نتذكر مقولة أوغسطين، عندما قال ( أعرف الزمان، فإذا سئلت عنه لم أعرف بم أجيب).
15-ولي أن أقول معه (أعرف الوعي، لكني لا أعرف كيف سأعرّفه). كيف يوجد العالم الحسي بما فيه من ذرات مادية تخضع لقوانين الفيزياء والكيمياء والأحياء، ومن ضمنها الإنسان، ثم يوجد من هذا الجسد المادي شيء غير مادي نسميه الوعي؟! هذا لغز محيّر فعلاً.
16-الوعي هو أخص خصائص العقل، وهو فجوة في الصورة الطبيعية. ولطالما كانت هناك محاولات لردم هذه الفجوة (ابتداء من منتصف القرن العشرين) وهناك من لم يقبل بكل تلك الردميات باعتبارها ناقصة.
17-في عالم الطبيعة، لا توجد مفاهيم من مثل النقص، وفي عالم الطبيعة لا يوجد شيء اسمه (عدل)، هي كاملة وعادلة كما هي. الإنسان يخضع لعالم الطبيعة لكن هل هذا الخضوع كامل، بمعنى أنه لا يختلف في أي شيء؟ هذه هي معركة (اللغز الأخير) "الوعي".
18-من أوائل من انتبهوا لمشكلة الوعي،توماس هوكسلي،عالم إنكليزي(داروني/هيومي)ولذا طرح السؤال: الشمس مثلا عند تعرضنا لها، تثير النسيج العصبي، فتنتقل هذه الإثارة إلى الدماغ فتصبح مادة للوعي، فتقول (اليوم حار).يقول هوكسلي "الوعي بهذه الحقيقة يظهر فجأة كخروج الجني من مصباح علاء الدين".
19-أنتوني كيني، فيلسوف إنكليزي ظهر في برنامج براين ماغي المشهور، وكان يتحاشى استخدام كلمة consciousness لأنه يرفض الوعي الذي وصفه ديكارت، كما أنه يرفض تفسير الوعي بأنه مجرد الإدراك الحسي، فالإدارك الحسي موجود عند كل الحيوانات، وليس فيه أي مزية للعقل البشري.
20-باتريشيا تشرتشلاند ودانيال دينيت، في مؤلفاته الأولى، وقفا موقف الوضعية من الميتافيزيقا، فقالا إن مفردة "وعي" مجرد مفهوم فلسفي لا وجود له ولا فائدة من دراسته.
21-جون سيرل من أكثر المعاصرين اهتماما بالوعي، في كتبه (إعادة اكتشاف العقل)و(لغز الوعي)و(الوعي واللغة)و(العقل:مقدمة موجزة) وهو يرفض ثنائية ديكارت التي تفصل الجسد عن العقل ولا تحسن وصف العلاقة بينهما، كما يرفض التفسير المادي للوعي لأنه حاول رد الوعي إلى البيولوجيا.
22-سيرل يرى أن الوعي ذاتي ويرى أنه بيولوجي في نفس الوقت. الذاتية تتعارض مع العلم الذي يطالب بالموضوعية، أي شيء يتفق عليه الجميع، بينما الذاتي شعور خاص قد لا يصل للجميع، كالوجد الصوفي. حقيقة، موقف سيرل ينطوي على شيء من الغرابة والفرادة.
23-سيرل يؤمن بوجود ما اسماه "الوعي المتطبع" أي متوافق مع الطبيعة لكنه ينطق فقط بضمير المتكلم (أنا) ولا يصح أن نشير إليه بضمير الغائب كما يحدث في وصفنا للعالم الطبيعي. هل يمكن للإنسان الآلي (الذكاء الاصطناعي) أن يصل لهذا المستوى؟ يجيب سيرل بأنه لا يرى مانعا من تحقق ذلك.
24-الوعي عند سيرل ذاتي وليس بموضوعي، بمعنى أنه لن يشعر بألمك على الحقيقة سواك. لكنه في ذاتيته لا يخرج عن نظام الطبيعة. وهذا الوعي يتصف بالوحدة، بمعنى أنه ليس وعيا بشيء واحد محدد، بل هو وعي كلي، بكل ما يدخل في دائرة إدراكنا. وهذا الوعي له مركز وله هامش.

جاري تحميل الاقتراحات...