علوي المشهور
علوي المشهور

@alwi_999

13 تغريدة 92 قراءة Mar 08, 2021
كانت أمي بمثابة برلمان مفتوح نلتف حولها لنعبر عن مطالبنا حول شكل الأسرة التي نريد.. لم يكن يُظلم عندها أحد.. تُعطي ولا تأخذ.. تحنو ولا تقسو.. لم أكن أفهم في طفولتي أن تحت أقدامها الجنة، ولكنني كنت ولازلت متيقناً بأنها هي الجنة. سأحكي هنا بعض قصصها معنا #يوم_المرأة_العالمي
أمي من مدينة مرباط الساحلية في ظفار، وهي من أسرة علم محافظة.. ولم تدخل المدارس الحكومية ولكنها تعلمت في الكتاتيب. وتزوجت في سن مبكر من أبي -رحمه الله- وهو رجل شرقي مهيب وكبير في السن وشخصيته قوية جدا وكانت زوجة ثانية له. وانتقلت للعيش معه في مدينة صلاله في نهاية السبعينات..
ظلت أمي تحلم بحقها في التعليم ولكنها لم تحصل عليه. . عوضت هذا الحُلم في أبنائها فقد اعتنت بأخي الأكبر بشكل استثنائي وكان من الصف الأول إلى الثالث يحصل على المركز الأول في الصف. ولكن ظهرت المشكلة عندما دخل الصف الرابع وبدأ يتعلم اللغة الإنجليزية ونزل مستواه الدراسي بشكل كبير جدا..
كحل لهذه المشكلة علمت أمي نفسها اللغة الإنجليزية من المنزل عن طريق الكتب وأشرطة (الكاسيت). . وطلبت من والدي أن يحضر لها معلمة "خصوصي" للبيت لتتعلم الإنجليزية وتتمكن من تعليمنا بعد ذلك. وبعدها أصبحت تتحدث وتكتب الإنجليزية بطلاقة وفعلا نجحت في تحسين مستوى أخي الأكبر ونحن من بعده..
أنجبت أمي ٨ ذكور و ٥ إناث، وبين كل طفل وآخر سنة أو سنتين.. وكان في كل سنة معها طفل في الصف الأول وآخر قد يكون في ال١٢ وقد تكون حامل ولديه رضيع في نفس الوقت ولكنها تهتم بالجميع بشكل لا يصدق. ولا تنام الليل إذا كان أحدنا سيكون لديه اختبار في الغد. التعليم عندها كان أهم من كل شيء.
أتذكر جيداً فترة طفولتي قبل المدرسة، وأوقات ما قبل النوم. كانت تستغل كل لحظة في التعليم وتبدع في طرق إيصال المعلومة.. تحفظنا السور والأحاديث والأشعار حتى قبل دخول المدارس.. وتغني وتنشد لنا في الليل وكأنها ملاك ليس من هذا العالم.. لا يغيرها الزمان ولا تثنيها الظروف عن العطاء!
أتذكر أنني قبل دخول المدرسة كانت لدي مشكلة في النطق، وكنت أقل إخوتي قصاحة. ولكن أمام أمي لم أكن أشعر إلا بالكمال وكأن لا نقص فيني، كانت تدرك ضرورة الثقة وكيفية زرعها في نفوس الأبناء. وكانت توهمني بأني شاعر وتفتخر بي وتترك لي المجال للإلقاء والانطلاق واكتساب الثقة بالنفس 😁🙊
للأسف لم أصبح شاعراً ههههه ولكنني اكتسبت الثقة بالنفس والفصاحة والقدرة على الإلقاء وتغلبت على مشاكل النطق التي كنت أعاني منها في طفولتي والفضل في هذا يعود لأمي.. قد تكون امرأة بسيطة وغير متعلمة بالمعنى الحديث ولكنها بالنسبة لي مدرسة في التربية والتعليم ولا مثيل لها..
كنا نختلف ونتصارع كأي عائلة، ولكنها كانت ذكية في احتواء أي خلاف وحل كل مشكلة بقوتها الناعمة ودون اللجوء للعنف أو هدم شخصيات أبنائها. كانت تدرك أن اكل فعل أو كلمة أثرها.. ولذلك تعطينا الأسماء والألقاب والصفات التي نحب.. كانت تحلم معنا ماذا سنكون؟ وأين سنسافر؟ وكيف ستكون حياتنا؟
تخلق فينا الأحلام وتفتح الآفاق والتطلعات لنا.. لا قيود معها للأمنيات كانت تتركنا بحرية نفكر ونحلم معها.. كان خيالها واسع جدا لا حدود له.. بقدر ما كانت قنوعة في الماديات إلا أنها كانت طموحة في الإنجازات.. لا شيء كان يسعدها بقدر النجاح والإنجاز وتحقيق المراكز المتقدمة..
كنت في طفولتي أحصل غالباً على ١٠ من ١٠ في الاختبارات بس أحيانا أجيب ٩.. وكان هذا يسيئها وكأنني رسبت ولكنها لا تتكلم ولا تعاقب.. وأنا تصلني الرسالة.. لذلك كنت أمازحها كلما حصلت على ١٠ من ١٠ أقول: "الحمد لله أني ما رسبت" وهي تضحك وكأن ما دون الدرجة الكاملة يعتبر رسوب بالنسبة لها..
كانت خجولة وقليلة الكلام، ونحن في عائلة أبي معروفين بالجرأة والفصاحة وكثرة الكلام ههههه وقد يكون هذا التوازن أفاد في تشكيل شخصياتنا بين نمطين مختلفين.. والدي رحمه الله كانت له هيبة وبحضوره الكل صامت وكأن على رؤوسنا الطير.. ولكن معها الكل يُعبر ويتكلم ويُطالب وينطلق في هذه الحياة.
اليوم وبعد كل هذه السنين كل أخواني وأخواتي متعلمين وناجحين في حياتهم. منهم الدكتور والباحث والمهندس والمعلم والسياسي والاقتصادي وشيخ الدين... إلخ والفضل في كل هذا يعود لأمي، المرأة التي أحب.. من علمتني أن للحياة معنى يتجاوز ذواتنا.. من علمتني أن في العطاء حياة.. لا شيء يوفيك حقك.

جاري تحميل الاقتراحات...