محمود
محمود

@_mah_moud

16 تغريدة 16 قراءة Jun 07, 2021
من جيبه الصغير كان يُخرج ساعته الكبيرة وينظر فيها، توطئة لأن يُخرج علبة السجائر ليشعل سيجارة، كنت أظن في البداية أنه لا علاقة بين الأمرين، واحتجت إلى عدة أسابيع لاكتشف أنها عملية منظمة وخطة مرسومة، وأنه يرفض أن يدخن السيجارة إلا بعد أن يستوثق من أنه قد مرت على سابقتها ساعة كاملة.
أي أنه بينما أكون أنا قد حرقت بغير انتباه نصف علبة السجائر يكون هو قد دخن سيجارتين اثنتين لا غير! فإذا ما قالت له ساعته التي استشارها أن الساعة ما زال ينقصها دقيقتان فإنه يضع علبة السجائر وينتظر مرور الدقيقتين.
ومن وضعه للعلبة علي المائدة يتوخي أن يكون ضلعها منطبقًا علي حرف المائدة أو على الأقل موازيًا لها، ويا حبذا لو كان (بوزها) موضوعًا علي بوز للمائدة المربعة في تطابق سعيد بين الزاويتين القائمتين.
شيئًا فشيئًا بدأت أكتشف دور الساعة في حياة نجيب محفوظ، وهذا بالطبع إذا جاز لنا أن نتكلم عن نجيب وساعته كشيئين منفصلين! فمثلما كان سكان كونسبرج يضبطون ساعاتهم علي موعد خروج الفيلسوف (كنت) لنزهته اليومية، كذلك يستطيع جيران نجيب محفوظ أن يضبطوا ساعتهم على مواعيد نشاطاته المختلفة.
يضبطونها مرة في الصباح على لحظة خروجه من البيت لعمله الوظيفي، ومرة في المساء على اللحظة التي يضاء فيها النور في حجرة مكتبه. فهو ليس من أولئك الناس الذين يجلسون للكتابة في أية لحظة، وإنما للكتابة ـ مثل صلاة الجمعة ـ لحظة معينة محددة لا تجوز إلا فيها.
كذلك يستطيع الجيران ـ وهذا غريب بعض الشيء ـ أن يضبطوا ساعاتهم علي اللحظة التي ينطفئ فيها النور في حجرة مكتبه معلنًا عن انتهائه من الكتابة؛ فنجيب يجب أن يكف عن الكتابة في اللحظة المحددة لذلك من قبل، مهما كان عنده من الأفكار الجاهزة التي تلح عليه بأن يدونها!
في لحظة الكف يجب أن يكف مهما كان من أمر، تلك اللحظة التي ربما حلت (هكذا حكي لي والله علي ما أقول شهيد) وقد انتهى من السياق إلي حرف جر، فيلقي بالقلم وينهض دون أن يكتب المجرور.
تلك أمثلة سريعة لدور الساعة في حياة نجيب محفوظ، حتى بعد أن تحولت من ساعة في جيبه إلى أخري تحيط بمعصمه. ولقد حاولت أن أتذكر متى حدث هذا التحول علي وجه التحديد ففشلت، ولابد على أي حال أنه كان في فترة غير بعيدة من شروعه في 'أولاد حارتنا'.
والساعة مهما كان ما هي إلا رمز عام لما تتسم به حياة كاتبنا الكبير من الدقة البالغة ومن العادات الحديدية الصارمة.
خذ مثلا ذلك المشوار اليومي الذي يرهقه كل صباح إلى مقر عمله الوظيفي، أجرة التاكسي في جيبه بالطبع، ومن حقه كموظف كبير أن تخصص له سيارة حكومية، ولكنه لا يميل إلى تلك الأمور. طول عمره يسير علي قدميه إلى مقر عمله فماذا جرى في الدنيا حتى يغير تلك العادة على آخر الزمن؟
والمشوار كما أتخيله يجب أن يكون في نفس خط السير، على نفس الرصيف في نفس الطريق الذي سار فيه بالأمس وسوف يسير فيه غدًا. وتلك الشجرة يجب أن يدور عن يمينها كما يفعل دائمًا، بعكس ذلك الفانوس الذي يحسن به أن يدور عن يساره.
وهنا على الكوبري يمكنه أن يتمهل بعض الشيء لكي يملأ صدره بالهواء النقي، ولكي يمتع أذنيه بشيء من ثرثرة النيل. لكنه بالطبع لا يجوز أن يتمهل طويلًا، حسبه تلك اللحظات القليلة التي تسمح بها ساعته.
نظام زماني مكاني صارم كان على الدوام يثير غيظي، وكان في بعض الأحيان يثير رثائي، ولكنه لم يعد في النهاية يثير شيئًا سوي حسدي.
عندما رأيت مؤلفات الرجل ترتفع وترتفع حتي توشك أن تنطح السقف، أدركت قيمة النظام والمثابرة بالنسبة لمن يريد أن يكون كاتبًا كبيرا. ورثيت لنفسي وقد ذكرت السنوات الطويلة التي قضيتها أنا (أتسرمح) في الشوارع وأذهب إلى السينما، وأحب وأحلم، وأتزوج وأخلف، إلى آخر تلك الأعمال المضيعة للوقت.
محمد عفيفي، مجلة الهلال، فبراير ١٩٧٠

جاري تحميل الاقتراحات...