عبدالرّحمٰن
عبدالرّحمٰن

@a6dulrahmann

24 تغريدة 26 قراءة Mar 03, 2021
مُذ أُحيلت الدّراسة عن بعد، لم نعد نعرف طريقًا للسكينة والهدوء في منازلنا؛ صغار ذو حركات ثعلبانيّة مدججون بالآيبادات، وأمهات عند دخولهم يستعيذون بالله من الشيطان الرجيم ونحن الذي اعتدنا على بسملتهم والسّلام كلما همّوا بالدخول .. ها قد غيّروا ذِكرهم وصار التعوّذ نصيب الولوج
فلان خطف القلم، وفلانة سرقت الكراس، والأصغر عبث في جهاز الأكبر، والوسطى لا تريد أن تحل واجباتها المدرسية، وذاك الذي لايعرف عن الرياضيات شيئا سوى أنها تُدرّس بالصف، والمشاغب الذي تضطرم النار في رأسه: يرتكب الكثير من الحماقات؛ فما إن تبدأ دروسه، يبدأ هو باللعب
تخطو الأم برجلها اليمنى مُقتحمة الدار، آن وقت المحاضرات للصغار، ومن هنا يتجلى لها أهمية الاستعداد العسكري، فتقوم بتجهيز زوجين من الأحذية والخيزران والأفلاك ومافيها، والأرض ومن عليها، كان أكثر أهدافها اعتراض حركاتهم الثعلبانيّة
والحذاء عنصر رئيس في إدارة هذا الصراع وإدالته، ولا يكون الظهور سجالًا بين الأطراف المتباينة إلا بوجود ذلك العامل: الزنوبة؛ الزنوبة التي لايُمكن استعمالها لغرضها الرئيسي فقط .. والهدف أن يتخرّج الابن عالمًا أو طبيبًا أو مهندسًا؛ جرّاء الصفع المتواصل على قفاه!
كلّ ذلك من أجلك يا أبا رأس مربّع!
وفي عصاري أحد الأيام، يمّمت وجهي شطر بيت أختي؛ لديها أطفال لاينتمون لفصيلة الإنس أبدًا، استقبلني والدهم بصوت زئير يخرج من بين أحباله الصوتية: "المنصاااه يااالله"؛ ويداه خلف ظهره، وصدره بارز، يجر أقدامه جيئة وذهابا كعسكري في الجيش، عيناه كالكاميرا المتحركة تستعرض السرية نفرًا نفرا
وعيناي تصادفان أختي حاملة أسلحتها تطاردهم؛ خيزرانة في يدها اليمنى، وشاحن آيباد في اليسرى، تحاول تطويعهم دون جدوى؛ يفرّون منها كفرار المجذوم من الأجرب، تطوي الأرض خلفهم، وهذا شعرها المنفوش وعيناها المتورمتان تجعلني مرارًا أحاول معرفة إلىٰ أي جنس تنتمي ..
وفي جيبها طفلها الرّضيع "عبدالرحمن"؛ تنظُر له لتطمئن أنه لم يقع بعد، ثم تقول ياحبيبي! إنّك نسخة من خالك، وهذا الذي جلب لنا المصائب والنّكبات، ثم تستمر بملاحقة بقيّة الصغار بحالٍ كسيف، وأوداج منتفخة
يحتدُّ ضجيجهم، وتتداخل أصواتهم، صراخ بسمة يصمُّ أذنيهم، تنطلق صرخاتها تعربدُ في الأسماع، وتصفع أذني التي اعتادت السُّكون؛ اسموها بسمة كي تكون دائمة الابتسام، لكن صراخها لا يفتأ ليل نهار! أفلام رعب ومشاهد حرب تُمثَّل كل يوم عصريّة
وقبل العودة إلى منزلي؛ بحثت عن حذائي الذي جعلته أمام الباب قبل دخولي، فوجدت فردة حذاء واحدة دون توأمها؛ قد سرقتها أختي لتضبط أبنائها؛ فقبضتُ عليها متلبسة بالجريمة، وحكمت عليها بأن تعيد الحذاء ..
شكرًا لكل أم وأب ساقتهم الأقدار للمرابطة على ثغور منصّة مدرستي مع أبنائهم.. يا الله ما أشقه من دور، فرغم كثرة الواجبات وقلة الأوقات؛ يُذلّلون مصاعبهم، يُساعدونهم على تألُّقهم ونبوغهم؛ كان كل همهم طوال الحياة أن يتحصل كل واحدٍ منهم على شهادة، سلاح في يده ضد الزمن!
أمّا نحن يامن نقبع في الجامعة، كدنا أن نطير فرحًا بهذا الخبر، فسبحنا في كثيرٍ من الخيالات اللّذيذة؛ هل من المعقول أننا لن نُصبّح في وجه ذلك الدكتور الأصلع جاحظ العين اليمنى، الذي يتسرّب اليأس إلى جوفك عند مُشاهدته، وتأتيك رغبة حقيقية بالانسحاب تمامًا من الحياة بسببه!
ولن نرى ذلك الدكتور الذي لديه شحنته الانفعالية الناقمة علىٰ الزمن والناس؛ قصير القامة، ضخم الهامة، عتيق الوجه، أخمص البطن، طويل الظهر، قصير عظم الفخذ!
ولن نرىٰ ذاك الدكتور صاحب الوجه البائس الذي أراه كل مطلع شمس، تتأمله كأعجوبة؛ مقطّب الجبين، ثيابه العتيقة التي لا تعترفُ بالفصول؛ يبدو أنه كان يعمل في ورشة سيارات، ثم تحوّل إلى دكتور في حركة ترقيات!
لن نرى المُحاضر البائس حمادة، الشتّام في النساء دائمًا؛ لم يكن حظه معهن جيدًا، ولم يتزوج رغم بلوغه الأربعين، فقد وجد منهن السوء والخيانة لقاء الحب والإخلاص، ويبدو أن حقيقة البشر صدمته، ولذلك قرّر أن يدرس الجمادات وحقائق الطبيعة وميكانيكا الموائع، علَّ ذلك يسلِّي قلبه
وزيادة على ذلك يُناديني: عبرحمن، كان لايعترف بحرفِ الدّال كالكثير من أهل تلك المنطقة!
لن نرى ذلك الدكتور صاحب "الأُذون الطويلة" نعم أُذون، هكذا جمْعُها لدى صديقي أحمد، كان يُشبّهها بالأجنحة، ويحلف أنه لو هرول لمسافة قصيرة لحلّق في السماء من كبرِ أذنيه، نعوذِ بالله من الشمّاتين .. مايخافون الله أنه يبتليهم!
لن نرى رئيس القسم، صاحب المظهر الضخم، والمكتب الفخم، يلفت نظرَك فوق هامته على الحائط عدةُ إطارات مزخرفة تحتضن شهادات اختياره الرئيس المثالي لعدة أعوام متتالية، وهو من زكّىٰ نفسه؛ يقضي معظم وقته في الحديثِ عن نفسه، وعن صولاته وجولاته في أميركا؛ لحين ماتشعر أنه لم تلد مثله ولاَّدة!
ولن نرى عميد الكليّة؛ لديه ذقن مزدوج، لغلوغ يخفي معالم الرقبة، ممتلئ الجسم والخدين، رسالته لأعضاء هيئة التدريس منذ توليه المنصب: أن الاختبارات تتم بشكلٍ مفاجئ! أقسم لكم أن أبناءه لا يرتاحون لرؤيته، لكنه يفرض نفسه عليهم، تمامًا كما يفعل معنا!
أما البروفيسور ع.م؛ تناقلنا التعازي فيما بيننا لعدمِ رؤيته، كان محنيُّ القامة، يدّعي أنه معتدل الشباب، حديث الميلاد، يجلس على الكرسي بطمأنينة، وعلى وجهه ابتسامةٌ طيّبة، يخلع غترته جانبا فتظهر صلعته الملساء، يبدأ الشّرح وكانت جميع أمثلته يربطها بالجنس؛ علّها ترسخ أكثر على حد قوله
وفي أحد أيام البرد القارس، دخلت "أتوحْوح" جرّاء لفحات الهواء الباردة، ثم نظر إلي ورأى أثر البرد علي، فقال: "إيييه هذا الشّبط وإن دخل الشّبط كثر الشّمط، وهاجت الفحول، وشمرت الذيول، وسُمع الفحيح بالليول، ولامست السقف الرجول" .. لم أعرف معنى الشّمط إلا قبل فترة ..قبّح الله ماجاء به!
ثم يضع غترته علىٰ كتفه ويغادر. يجرّ أقدامه بخطواتٍ متثاقلة، يجر خطواته بثوبه الفضاض الشفاف الذي يوضّح بأنه لايرتدي سروالًا طويلًا، وهذا دليل أنه قريب من التقاعد! مما يفسّر لنا سبب عدم مبالاته
وفي خضم خيالاتنا هذه بدأت الدراسة عن بعد، ومن فرط حماسنا تواجدنا قبل أساتذة المقررات؛ فإذا بجميعهم يستقبلونا بكثرة البحوث تعويضا عن مافات وماسيفوت، لحين ماتراكمت الأوراق حتى سترت أرض الغرفة تماما؛ كانت على هيئة قذائف وألغام، فصارت الدراسة عن بعد هي الجائحة الحقيقية بالنسبة لنا
والحياة في أدقِّ تفاصيلها مكابدة وكفاح، وامتحان سرمدي لا ينتهي إلا بخروج الروح.

جاري تحميل الاقتراحات...