خالد عاذي الغنامي
خالد عاذي الغنامي

@kalghanam

23 تغريدة 36 قراءة Feb 20, 2021
1-اليوم هو السبت، وسأغرد ببعض ما في كتابي (السعادة الأبدية بين الدين والعلم والفلسفة). وبما أن آخر من تناولناه بالحديث هو شوبنهاور، فمن المتوقع أن نتحدث اليوم عن نيتشه.
2-يعتبر فردرخ نيتشه ( 1844 – 1900 ) من فلاسفة الأخلاق، وفي هذه النسبة إرباك، لأن نيتشه، على الحقيقة، قد دمر الأخلاق. لكنه صُنف أخلاقياً، لأن اهتمامه كان بهذا القسم من أقسام الفلسفة دون سواه. هذا أهم وصف له، لا يقارن بجهده في مجالات الفلسفة الأخرى، كنظرية المعرفة وطبيعة الوجود.
3-كتاباته في موضوعات الأخلاق كانت ثورة على الأخلاق والقيم المتعارف عليها ولم تكن داعمة للسائد، بل ربما هو أعنف من هاجم الأخلاقية والأخلاق.
4-حقيقة، هو لا يرفض الأخلاق والقيم لكنه يستخدم معايير جديدة لتحديد ما هو أخلاقي. نيتشه رجل غاضب ولذلك كان في البداية شديد الإعجاب بفلسفة غاضب آخر هو شوبنهاور، إلا انه فارقه، وشق لنفسه طريقا مختلفا حيث اختلف عنه في كل شيء تقريبا بما في ذلك تصوره لمعنى الإرادة التي أخذ شعلتها منه.
5-يرى نتشه أن العالم بكل مظاهره ليس إلا تجليّاً لإرادة القوة، وحيثما دققت النظر في قلوب الأشياء، اكتشفت هذه الإرادة، كل تاريخ الإنسانية ليس إلا هذه الإرادة، وقد تكشّفت في صورها المتعددة. هذا هو عينه رأي شوبنهاور، لكن سيأتي كيف اختار نيتشه لنفسه طريقاً آخر.
6-هناك عدة مذاهب تتنازع نتشه وتدعيه لنفسها. يرغب الفلاسفة الوجوديون في أن يُعتبر كواحد منهم، وفي فلسفته ما يدعم هذا المنحى. كما يمكننا اعتباره من دعاة نظرية التطور، فهو يقول بأن إرادة القوة هي الدافع الكلي للتطور، وهو ممن يقول بضرورة الخضوع لقوانين الطبيعة.
7-وسيجد السفسطائيون ألف حجة تدل على أنه منهم، فهو يرفض المطلق فلا مطلق عنده إلا الحياة نفسها، وحتى الحياة عنده تبدو غامضة وغير مفهومه لأن الحياة أصبحت أوسع مما نتصور، ويبدو أنه تعمد التعمية والغموض هنا.
8-هذا يقع كثيراً في كتبه فهو ينحو نحو الخيال الصوفي أكثر من اعتماد اللغة العلمية الدقيقة، لكنك ستتصور ما يقصده بالحياة من خلال نقده لأخلاق أهل عصره ومن خلال نقده للمسيحية وللفلاسفة العقلانيين.
9-الحياة نفسها هي التي تخلق كل القيم وهي المبدأ الكامن وراء كل سلوك وكل أخلاق."إنساني مفرط في إنسانيته"لا تعني أبدا ما يتبادر لذهن من لا يعرف نيتشه، وهو يرفض الحقيقة التي تتصف بالثبات والإطلاق، بناء على أن الحياة فوق الحقيقة فهي التي تصنعها، والحياة لا تبحث إلا عن منفعتها الخاصة.
10-أما السعادة، فلا يراها في إتباع الفضيلة، بل لا يكاد يخلو له كتاب من السخرية والتهكم بالفضيلة ودعاتها. كما أنه لا يرى الفضيلة في الانضواء تحت راية العقل وأحكامه، كما هي عند سقراط وكنْت. نيتشه لا عقلاني.
11-الفلسفة اللاعقلانية يٌقصد بها في المصطلح الفلسفي تلك الميول والنزعات المبنية على المشاعر والغرائز، لا العقل. العقلانية - بحسب نيتشه - تؤدي إلى خلق عالم من الأفكار المفارقة التي لا صلة لها بالواقع، وعندئذ تكون القاعدة الأخلاقية للسلوك قريبة كل القرب من القاعدة الدينية الزاهدة.
12-وبما أن فلسفة نيتشه لاعقلانية تعتمد على المشاعر، فهذا معناه أنها ذات نزعة فردية، فالنزعة العقلانية توجد عند الفلاسفة الذين يريدون أن يضعوا للإنسانية مُثلاً عامة مشتركة، ونيتشه ليس من هؤلاء. إنه يرى السعادة في اتباع الغرائز وعدم الالتفات لغيرها من الدوافع.
13-وأقوى هذه الغرائز عنده، هي إرادة القوة التي شُغف بالحديث عنها وكتابة الشعر فيها. إنها فلسفة من وجهة نظر صاحبها، ليست لكل أحد، وليست نظاماً يصلح لكل البشر، بل هي فلسفة خاصة بالنبلاء الارستقراطيين الأحرار الذين يجب أن يسودوا على العبيد الضعفاء، ولا بأس بأن يستغلوهم.
14-ها نحن نتذكر أرستقراطية أرسطو من جديد، إلا أن فلسفة نيتشه تنفي وجود أي معنى سامي وراء الحياة. لكل هذا نستطيع أن نقرر بسهولة بأن فلسفة نيتشه، فلسفة عدمية، بل هو أبو العدمية في العصور المتأخرة.
15-ومن الباحثين من اتهم فلسفته بأنها ذات دور في تشكيل النازية التي اعتمدت على كثير من مضامينها. الشواهد كثيرة، وإن حاول بعض الناس تبرئة نيتشه من هذه التهمة، إلا أنه كان دفاعاً عاطفياً.
16-لهذا الرجل شهرة عريضة، وسبب انتشار كتاباته كفكر رجل هو أقرب للأدب والشعر منه للفلسفة المذهبية، هو أن أفكاره واكبت انتقال الرأسمالية لمرحلة الإمبريالية، فحُسبت في سجلات المنظّرين لهذا الانتقال.
17-لماذا هذه الحملة على العقل؟ لقد كان جزءاً من اتجاه يرى في معاداة العقل مظهراً من مظاهر التحرر، لأنهم كانوا يرون في العقل مبدأ يضاد الحياة، مبدأ يتعارض مع الطبيعة الإنسانية ويحارب الواقع ويسعى للفرار منه. هذه أخذها نيتشه من فلاسفة الزن والطاويين.
18-ولو أن أصحاب هذا الاتجاه أمعنوا النظر لوجدوا أن هروب العقل من الواقع، ما هو إلا محاولة لصنع واقع جديد، أكثر جمالاً وأكثر استيعاباً لحاجات الإنسان. هذا فرار محمود، وقد نتج عنه ما لا يحصى من الإيجابيات عبر تاريخ الفكر.
19-أما حياة نيتشه الحقيقية، إذا وضعنا كتبه على الرف، فقد كانت تختلف كل الاختلاف عن فرد العضلات الذي مارسه في تلك الكتب، ففي واقعه المعاش كان نقيض كل ما كتب، وقد كان حقاً جديراً بالشفقة.
20-لقد عانى نيتشه طوال حياته من المرض والضعف البدني والعزلة وفشل العلاقات الاجتماعية، وعاش حياة بائسة انتهت بالانهيار العقلي وهو في سن الخامسة و الأربعين ثم مات سنة 1900 وعمره ست وخمسين سنة.
21-لقد كان فكره كارثياً إلى حد كبير، ولذلك كان كل من يتفلسف على كتب نيتشه ينقلب في النهاية عليه، بحسب رأي كارل ياسبرز وهو من أهم دارسي نيتشه في القرن العشرين.
22-كتب نيتشه في (هكذا تحدث زرادشت):
إن بين طلاب السعادة حيوانات ضخمة ثقُلت حركتها، وبينهم من وُلد كسيحاً، فمثل هؤلاء يحاربون الرشاقة كالفيل يُجرّب أن ينتصب على قمة رأسه، غير أن المجانين بالسعادة خيرٌ ممن أصابهم الشقاءُ بالجنون.
23-في تصوري، أننا لو استخدمنا مصطلحات علم النفس، فيمكن القول بأن ما كتبه ليس شعوره بل الكامن في لاشعور إنسان حاصرته الأمراض منذ سن مبكرة،وفشل في علاقاته الاجتماعية، فأصبح يكتب عن السوبرمان والقوة وأخلاق النبلاء وملاحقة غريزة القوة.
لكن هذا لا يعني أن ننكر لمسات العبقرية فيما كتب.

جاري تحميل الاقتراحات...