ابن جلدون
ابن جلدون

@JLdoon

26 تغريدة 158 قراءة Feb 12, 2021
📌 ثريـد | العلاقات السعوديّة الأمريكيّة بين ثوابت التاريخ وادّعاءات المُرجفين والكارهين
1️⃣
اعتاد السعوديّون في كلّ مرّة يصل رئيس جديد للبيت الأبيض أن يُطلق البعض سيلًا من التكهّنات عن مستقبل العلاقة السعوديّة الأمريكيّة وعن مدى التدهور الذي سيحدث مع هذه الإدارة الجديدة!
2️⃣
تلك التكهنّات تنطلق من منطلقات مختلفة؛ بعضها من قبل كارهين تدفعهم أمنياتهم بأن يلحق الضرر بالسعوديّة، وبعضها من قبل مُحبّين يخشون أن يمسّ بلادي الأذى، والبعض الأخير من قبل من تفتقر رؤيتهم للتحليل الرصين المستند إلى ثوابت التاريخ وحقيقة الثقل الاستراتيجي للسعوديّة.
3️⃣
مع وصول بايدن للبيت الأبيض في العشرين من يناير الماضي - بل قبل وصوله وبمجرّد إعلان فوزه بالانتخابات - عادت ذات التكهُّنات من جديد لكن بسقفٍ عالٍ وصوت مرتفع!
هذا الثريد لن يشرح الثقل السياسي للسعودية، ولن يغوص في تبيان وزنها الاستراتيجيّ، بل سيكتفي فقط بإضاءات تاريخيّة مهمّة.
4️⃣
للحديث عن العلاقات السعوديّة الأمريكيّة لا بدّ للعودة إلى لحظة التأسيس واللقاء الأول بين الملك المؤسس ورئيس أمريكا المُنتصر في الحرب العالميّة الثانيّة.
بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالميّة الثانيّة، ظهرت أمريكا كقوّة عالميّة قادمة وأحد قُطبَيْ النظام العالمي الجديد.
5️⃣
الصعود المتسارع للقوّة الأمريكيّة - والذي جاء بطبيعة الحال على حساب بريطانيا - لم يغِب عن المخطّطين له الأهميّة الاستراتيجيّة للشرق الأوسط، بل كانوا على دراية بأنّ الملك الذي يحكم من قلب الجزيرة العربيّة دولته الناشئة سيكون رقمًا صعبًا في المعادلة الاستراتيجيّة الإقليميّة.
6️⃣
لذا، حَرِص الرئيس الأمريكي على لقاء الملك عبدالعزيز فور انتهائه - أي روزفلت - من مؤتمر يالطا، الذي جمع بين قادة الحلفاء المنتصرين بالحرب العالميّة الثانية، وتمّ فيه تقسيم ألمانيا، ومهّد لنظام عالمي جديد إحدى ركائزه منظمة دولية عامة (الأمم المتحدة) لصون السلم والأمن الدوليين.
7️⃣
جرى اللقاء الذي أسّس لعلاقة استراتيجيّة بين السعوديّة وأمريكا في فبراير عام 1945 على ظهر الطرّاد البحري (كوينسي) في البحيرات المرّة في قناة السويس.
خلال اللقاء، طلب روفلت من الملك عبدالعزيز المساعدة لإسكان يهود أوروبا «الذين ذاقوا الرعب والعذاب على يد النازيين» في فلسطين!
8️⃣
واستمرّ روزفلت يشرح للملك عبدالعزيز الاضطهاد الذي تعرض له اليهود، بذات الوقت الذي امتدح فيه العرب، واصفاً إياهم بأنهم شعب مضياف كريم وشهم ويعطف على الضعيف اللاجئ.
وحين جاء دور الملك عبدالعزيز في الكلام، سأل روزفلت: من اضطهدهم؟
فأجاب روزفلت: الأوروبيون عامّة، والألمان خاصة!
9️⃣
فبادره الملك عبدالعزيز:
بما أن الألمان هم الذين اضطهدوهم، أليس من العدالة أيها الرئيس أن تعطوهم أرضاً في ألمانيا وقد خضعت لاحتلالكم؟
هذا الحوار أسّس لعلاقة استراتيجيّة بُنيت على فهم أمريكي للثقل السعودي، مقابل موقف سعودي مبدئي لا يستخدم قضايا العرب والمسلمين لمصلحته الخاصة.
🔟
من هنا بدأت العلاقة السعوديّة الأمريكيّة التي مرّت طيلة (٧٥) عامًا بمنعطفات وتفاهمات واحتكاكات وتقاربات أكّدت بمجموعها أنّ السعوديّة لا تزال على مبدئها الراسخ بعدم استغلال قضايا العرب والمسلمين لحسابات سياسيّة، وبذات الوقت ثبات الموقف الأمريكي المدرك لثقل السعوديّة السياسي.
1️⃣1️⃣
فذاكرة التاريخ تُسجّل في السبعينات الميلاديّة كيف أن عرّاب السياسة الخارجيّة الأمريكيّة والناصح لرؤساء أمريكا حتى اليوم، هينري كيسنجر، كيف حضر إلى (خيمة) الملك فيصل ينشده التراجع عن قراره التاريخي بحضر تصدير النفط؛ ذاك القرار الذي كان عاملًا فاعلًا في نصر أكتوبر ١٩٧٣!
1️⃣2️⃣
وتُسجّل ذاكرة التاريخ أيضًا حرص كيسنجر على لقاء الملك فيصل بزيارات متتالية في سبيل التحضير لسلام عادل وشامل بين العرب وإسرائيل.
لم يأتِ كيسنجر غير مرّة حبًّا للسعوديّين، بل إدراكًا بقيادتهم للعالم العربي والإسلامي ووعيًا بأن مباركتهم لأي جهود دوليّة تعني وتذلّل الكثير.
1️⃣3️⃣
وفي الثمانينات، بلغ التعاون السعودي الأمريكي ذروته في غير ملف؛ على رأسها التصدّي للخطر السوڤيتّي بأفغانستان.
موقف أمريكا الداعم في أفغانستان كان ثمرة لموقف سعودي داعم للجهود الأمريكيّة في نياراغوا ١٩٨٥ بعد طلب أمريكي بالمساعدة نقله الأمير بندر بن سلطان للملك فهد رحمه الله
1️⃣4️⃣
ويحفظ عقد الثمانينات زيارة تاريخيّة للملك فهد رحمه الله استقبله خلالها الرئيس الأمريكي ريجان بحفاوة بالغة؛ تلك الزيارة التي أكّدت عُمق العلاقة بين البلدَين، وحجم التعاون والعمل المشترك الذي تقوم به العاصمتان.
1️⃣5️⃣
وكما حمل عقد السبعينات احتكاكاً بين السعوديّة وأمريكا تمثّل في موقف الملك فيصل بحضر بيع النفط، فقد حمل عقد الثمانينات موقفًا صعبًا اختبر علاقةَ البلدَيْن.
فقد حصلت السعوديّة على صفقة صواريخ استراتيجيّة من الصين بشكل صَعَق الإدارة الأمريكيّة وزلزَل أجهزتها الاستخباراتيّة.
1️⃣6️⃣
وحين أبدت أمريكا معارضتها على الصفقة التي غيّرت موازين القوى، وطلب سفيرُها من الملك فهد تفتيش مستودعات الصواريخ للتأكد من عدم حملها لرؤوس نوويّة، أمره الملك فهد بمغادرة أرض السعوديّة خلال ٤٨ ساعة، وقال لريجان ما معناه: أنا لا أقبل لأحدٍ أن يمسّ سيادة بلدي، حتى أعزّ أصدقائي.
1️⃣7️⃣
وما أن بدأ عقد التسعينات، حتى وجدت السعوديّة وأمريكا نفسَيْهما يقودان تحالفًا ضمّ ٣٨ دولة لتحرير الكويت من غزو صدّام الغاشم.
السعوديّة بثقلها استطاعت أن تؤسس لهذا التحالف العسكري غير المسبوق والذي ضمّ أهمّ العواصم العربيّة والعالميّة، وحيّد موسكو من مساعدة صدّام.
1️⃣8️⃣
ومع الألفيّة الجديدة، وقعت أحداث ١١ سپتمبر التي أحدثت زلزالًا مدويًّا في أمريكا وانطلقت ارتداداته تهزّ العالم بأسره؛ فالحدث لم يكن عاديًّا!
(١٥) سعوديًّا من أصل (١٩) إرهابيًّا كانوا وسط طائرات الموت التي ضربت أمريكا.
وبالطبع تمنّى حينها الكارهون لنا السوء!
1️⃣9️⃣
مرّت الأحداث وما تلاها، وواجهت السعوديّة عاصفة نقد شديدة من قبل الكثير من المنظمّات الدوليّة وأذرعتها الإعلاميّة، لكن ثقلها السياسي ووزنها الاستراتيجي من قالا الكلمة الفصل في نهاية المطاف.
2️⃣0️⃣
وحين حانت لحظة الربيع العربي ٢٠١١، وسعت إدارة أوباما حثيثًا لهدم النظام العربي بدءًا بمصر!
وقفت السعودية مع مصر موقفًا مشرّفًا ودعمت ثورة يوليو ٢٠١٣ مُعرّضة بذلك العلاقة السعودية الأمريكية لخطر حقيقي؛ لأنّ سلامة مصر واستقرارها أهمّ لدى السعودية من علاقتها بأمريكا أوباما!
2️⃣1️⃣
وفي ٢٠١٥، أطلقت السعوديّة عمليات عاصفة الحزم وإعادة الأمل بعد طلب من الرئيس اليمني، ودون الرجوع لإدارة أوباما التي لم تعد تحظى بثقة القيادة السعوديّة حينها!
هذا القرار الاستراتيجي يعكس امتلاك السعوديّة لقرارها السيادي وأنّ أمنها خط أحمر حتى على الولايات المتّحدة الأمريكية.
2️⃣2️⃣
ولا يفوتني أن أُعرّج على تصريح ترمب الذي لا يُمكن وصفه إلا بالوقاحة حين ادّعى في جمع من مريديه أنّ السعودية لن تصمد أسبوعين إذا رفعت أمريكا الدعمَ عنها، هذا التصريح الوقح تصدّى له حينها سموّ وليّ العهد السعودي الذي أفهم ترمب قبل غيره من تكون المملكة العربيّة السعوديّة.
2️⃣3️⃣
وحين بدأت بعض دوائر صناعة القرار الأمريكي في الأجهزة الاستخباراتية، أو في الكونجرس تُناشد برفض تسليح السعوديّة وإيقاف أي دعم لها، ظهر مجدّدًا سموُّ وليّ العهد الذي وضّح أنّ الخيار السعودي لن يكون محدودًا على المنتج الأمريكي، وأنّ السعودية ستحصل على سلاحها من أي بلدٍ تختاره.
2️⃣4️⃣
ما سبق إضاءات سريعة على بعض المواقف التاريخيّة التي تعكس عمق العلاقات السعوديّة الأمريكيّة، والتي مازجتُ فيها بين مواقف التعاون والالتقاء، أو التباين والاحتكاك، لأوضّح للقارئ الكريم أنّ ما يحكم علاقة السعودية بأمريكا أعمق من تصريح عابر لتكسّب انتخابي، أو مناورة سياسيّة.
2️⃣5️⃣
ما يحكم العلاقة بين البلدين هو الوزن الاستراتيجي للسعوديّة وثقلها ومكانتها الدوليّة الكبيرة والتي مكّنتها من قيادة العالم الإسلامي.
اتّفقنا مع إدارات أمريكا المتعاقبة في ملفات، واختلفنا في ملفات أخرى، لكنّ حين تحين ساعة الجدّ يعلمون جيّدًا حجمنا وكيف تتحقق مصالحهم معنا.
2️⃣6️⃣
وختامًا، زبدة الكلام وخلاصته تجدونه هنا على لسان السياسي البارع صاحب السموّ الملكي الأمير بندر بن سلطان بن عبدالعزيز.

جاري تحميل الاقتراحات...