كبيراً من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا يريدون الإغارة على أطراف المدينة، فسار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في أربعمائة وخمسين مقاتلاً ما بين راكب وراجل، ليشعرهم ويُشْعِر الأعراب بقوة المسلمين، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه. وفي أثناء السير في الطريق أمسكوا برَجُلٍ
يقال له: جُبَار من بني ثعلبة، فأُدْخِل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه إلى الإسلام فأسلم، فضمه إلى بلال رضي الله عنه ليعلمه الإسلام، وصار دليلاً لجيش المسلمين إلى أرض العدو، وقد علم المشركون من بني ثعلبة ومحارب بمسير المسلمين إليهم، فتفرقوا وفرّوا إلى رؤوس الجبال، أما
النبي صلى الله عليه وسلم فقد وصل بجيشه إلى مكان تجمعهم، وهو الماء المسمى بذي أمَرّ، وبقي في نجد مدة تقارب الشهر دون أن يلقى كيداً من أحد، وعاد بعدها إلى المدينة المنورة.
في هذه الغزوة أسلم دعثور بن الحارث الذي كان سيداً مطاعاً في قومه بعد أن حدثت معه معجزة على يدي رسول الله صلى
في هذه الغزوة أسلم دعثور بن الحارث الذي كان سيداً مطاعاً في قومه بعد أن حدثت معه معجزة على يدي رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فقد روى ابن كثير والبيهقي، وغيرهما أنه "لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعاً من غطفان من بنى ثعلبة بن محارب تجمعوا بذي أمر يريدون حربه، خرج إليهم من المدينة يوم الخميس لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة ثلاث، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان، فغاب أحد عشر
يوماً، وكان معه أربعمائة وخمسون رجلاً، وهربت منه الأعراب في رؤوس الجبال، حتى بلغ ماء يقال له: ذو أمَر، فعسكر به، وأصابهم مطر كثير، فابتلت ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل تحت شجرة هناك، ونشر ثيابه لتجف، وذلك بمرأى من المشركين، واشتغل المشركون في شؤونهم، فبعث المشركون رجلاً
شجاعاً منهم، يقال له غورث بن الحارث أو دُعْثور بن الحارث، فقالوا: قد أمكنك الله من قتل محمد، فذهب ذلك الرجل ومعه سيف صقيل، حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف مشهوراً، فقال: يا محمد! من يمنعك مني اليوم؟، قال: "الله"، ودفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعا أبداً، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه، فلما رجع إلى أصحابه، فقالوا: ويلك! مالك؟، فقال: نظرت إلى رجل طويل، فدفع في صدري، فوقعت لظهري،
فعرفت أنه ملك، وشهدت أن محمداً رسول الله، والله لا أكثر عليه جمعاً، وجعل يدعو قومه إلى الإسلام، قال: ونزل في ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ علَيْكُم إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ}
وفي موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع دعثور بن الحارث في غزوة ذي أمر تَجَلَّى حب النبي صلى الله عليه وسلم للعفو والصفح عمن أساء إليه، قال ابن حجر: "فمنّ عليه (عفا عنه)، لشدة رغبته صلى الله عليه وسلم في استئلاف الكفار؛ ليدخلوا في الإسلام". وقد ترك هذا الموقف النبوي الكريم أثراً
كبيراً في أعراب هذه المنطقة من غطفان، وبين لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس رجلاً شجاعاً وكريماً وعفواً فحسب، وإنما هو أيضاً نبي مرسل؛ لأنه ليس من عادة الملوك والقادة أن يتركوا من وقف على رؤوسهم بالسيف مهدِّداً بقتلهم دون أن يقتلوه، وليس من عادتهم الرحمة والتسامح إلى هذا الحد،
مما كان لذلك أبلغ الأثر في تفكير هؤلاء الأعراب جديًّاً في الدخول في الإسلام.
والملاحظ في غزوة ذي أمر وما شابهها من غزوات أنها كانت تربية عسكرية عملية، تربَّى من خلالها الصحابة الكرام على السمع والطاعة، واكتسبوا منها خبرات عسكرية جديدة، أعانتهم على الوقوف أمام أعداء الله في
والملاحظ في غزوة ذي أمر وما شابهها من غزوات أنها كانت تربية عسكرية عملية، تربَّى من خلالها الصحابة الكرام على السمع والطاعة، واكتسبوا منها خبرات عسكرية جديدة، أعانتهم على الوقوف أمام أعداء الله في
المعارك الكبيرة بعدها، كما نرى من خلالها قدرة النبي صلى الله عليه وسلم في رصد تحركات العدو، وحكمته في مبادرته بالخروج لغزو أعدائه، الذين يكيدون له قبل أن يشتد ويستفحل أمرهم، ويصبحوا خطراً على الدولة المسلمة. وفيها أيضاً إظهار لقوة المسلمين، وأنهم ليسوا قادرين على هزيمة من
تحدّثه نفسه بالاقتراب من المدينة المنورة فحسب، بل نقل المعركة إلى أرضه ومحاربته في عقر داره.
جاري تحميل الاقتراحات...