Fahad | فهد
Fahad | فهد

@FahadWonders

24 تغريدة 85 قراءة Jan 25, 2021
شكّل قدوم وسائل التواصل الاجتماعي أثمن فرصة لتحقيق ما يسمى بسوق الأفكار (نظير السوق الحر في الاقتصاد)، حيث الميدان مفتوح لجميع الأفكار لتتنافس فيما بينها دون قيود ولا عراقيل ولا تدخل سلطوي، والبقاء في النهاية للفكرة ذات الحجة الأقوى، وهكذا نصبح أقرب إلى الحقيقة.
هنا لا مدير قناة ولا محرر صحيفة ولا مشرف منتدى يتحكم في المحتوى المطروح، ولست بحاجة إلى شبكة علاقات ولا موارد مالية هائلة لتوصل فكرتك إلى جموع الناس. ورغم أن وجود الرقيب في وسائل الإعلام التقليدي كان يساهم في رفع جودة المحتوى، إلا أن غيابه خلق تنافسا أكثر عدالة بين مختلف الأفكار.
أكبر تميز لوسائل التواصل الاجتماعي هي التكلفة الرمزية لإيصال الأفكار إلى قواعد جماهيرية عريضة. لم يعد النشر واسع النطاق حكرا على الجهات الإعلامية المؤسسية. ولأن مصدر الأفكار هنا هم الأفراد، فقد دخلنا إلى مرحلة الانفجار المعلوماتي، وأصبح العرض اليوم ينافس الطلب في سوق الأفكار هذا.
من المميزات الفريدة أيضا لسوق الأفكار الحالي أن أغلب وسائل التواصل تتيح الرد والتعقيب المباشر على المحتوى المعروض، مما يخلق تنافسا أفضل بين الأفكار مقارنة بالسابق. هذا بالإضافة إلى سهولة إخفاء الهوية والذي يتيح فرصة لطرح الأفكار بجرأة أكبر.
قبل أكثر من ٤٠ سنة، ذكر د. فؤاد زكريا في كتابه "التفكير العلمي" بأن للتلفزيون آنذاك "دور إعلامي يفوق دور جميع الوسائط الأخرى"، ومن أسباب ذلك "أن المتفرج يشاهده وهو في حالة استرخاء لا يبذل فيها مجهودا ذهنيا." ولعل وسائل التواصل الاجتماعي هي ملجأنا الرئيسي اليوم للاسترخاء الذهني.
وسائل التواصل الاجتماعي هي متنفسنا اليوم من مسؤوليات وضغوطات الحياة، نتصفحها على الأغلب تزجية للوقت، وتواصلا مع الأصدقاء، ومتابعة للأخبار، وتوسعة للصدر، وبحثا عن نشوة التنبيهات، وغيرها مما لا يتطلب منا تركيزا عميقا ولا مجهودا ذهنيا.
حين يكون سوق الأفكار مزدحما بالبضائع، ومع حالة الاسترخاء الذهني التي تغلب على الزبائن، يصبح التسويق للفكرة -لا حججها- العنصر الأهم لرواجها. إذا كنت متخصصا في مجال ما فلن ينال رأيك قيمته المستحقة مهما بلغت رجاحته أمام مراهق يغلبك في مهارة توصيل المعلومة، في مهارة التسويق لبضاعته.
أضف إلى ذلك أن تحليل هذا الكم من الأفكار يتطلب مهارات نقدية يفتقر إليها نسبة كبيرة من الناس. فالصحفي في الإعلام التقليدي مثلا يكون مدرباً على تمييز المعلومات، والعالم كذلك مع البيانات في ميدانه، هذا يجعل المقالة الصحفية أو العلمية إلى اليوم أعلى جودة مما قد نستقيه من أفكار هنا.
في هذا الفضاء الذي أدت فيه زحمة الأفكار إلى تنافس في أساليب تسويق الفكرة، والذي يكون فيه المتلقي في حالة استرخاء ذهني أمام كم هائل من معلومات تتطلب مهارات تحليلية متقدمة، تصبح وسائل التواصل الاجتماعي أرضاً خصبة لانتشار نظريات المؤامرة، التي ما هي إلا قصص مشوقة جاذبة للانتباه.
نظريات المؤامرة (والمعلومات المضللة بشكل عام) مثيرة دائما، أما الحقيقة فقد تكون مملة وباهتة. إذا أردت أن تقنع أحدهم مثلا بمأمونية لقاح كورونا فإنك بحاجة إلى تركيزه لتشرح له المنهج العلمي بمعلومات رتيبة بطبيعتها. أما في نظرية مؤامرة فإن كل ما عليك فعله هو سرد قصة بأحداث مشوقة.
هناك طريقتان لمواجهة نظريات المؤامرة والمعلومات المضللة: الخطاب المضاد (Counterspeech) والحجب أو الرقابة (Censorship). في الخطاب المضاد يتم الرد على صاحب المعلومة الخاطئة أو الحجة الهشة بالمعلومة الصحيحة والحجة الأقوى، وهو الخيار الذي يتناسب مع الغاية الأساسية لسوق الأفكار.
لكن وسائل التواصل الاجتماعي خلقت ما يشبه الحجرات المغلقة (Echo Chambers) حيث يعيش كل منا في عالمه الخاص مكتفيا بمتابعة من يرتاح لآرائهم وصدّ من يستفزونه باختلافهم، مما يتسبب بتدفق معلوماتي أحادي الرأي. تويتر يعزز من هذا التأثير حين يقترح عليه "حسابات شبيهة" فور متابعتك لحساب ما.
هذا بالإضافة إلى تأثير جدلي يسمى تأثير جحر الأرنب (Rabbit hole effect) وهو عندما تعرض عليك وسيلة التواصل الاجتماعي اقتراحات لفيديوهات مشابهة سعيا منها لإبقائك أطول قدر ممكن في منصتها. المشكلة هنا أنك تبدأ ميّالا لرأي ما فتجد نفسك في نهاية المطاف متطرفا فيه.
مثال على تأثير جحر الأرنب: أن تدخل إلى يوتيوب بعد أن أثارت انتباهك فكرة ما، فتتابع فيديو حول الموضوع، فيقترح عليك يوتيوب فيديو آخر لتتابعه، ثم اقتراح آخر وهكذا إلى أن تجد نفسك في نفق من فكرة واحدة تتوهم من هذا المنظور الضيق أنها الفكرة الأكثر قبولا ومنطقية، فيتعزز رأيك بصحتها.
هنا يصبح سوق الأفكار مجموعة حجرات وأنفاق بدلا من فضاء مفتوح يعرض كل الأفكار، وبعد ما حدث في الانتخابات الأمريكية عام ٢٠١٦ وغيرها من أزمات متتالية، اتجهت وسائل التواصل الاجتماعي -خصوصا تويتر وفيسبوك- إلى حل هذه الإشكالية من خلال عرض الخطاب المضاد تحت كل تغريدة أو مشاركة مضللة.
ولعلنا لاحظنا هذا الأمر في الانتخابات الأمريكية الأخيرة وتحديدا مع تغريدات الرئيس الأمريكي السابق، حيث اتجهت تويتر إلى التحذير من التغريدات التي تراها مضللة بوضع روابط تحوي "الحقائق" كمحاولة لعرض وجهة النظر الأخرى، وهذا تطبيق لسياسة الخطاب المضاد في مواجهة المعلومات الزائفة.
الإشكالية هنا هي أن تصنيف تويتر للفكرة فيما إذا كانت صحيحة أم خاطئة تستدعي التحذير، يجعلها وكأنها نصبت نفسها قاضية للحقيقة. فيسبوك توجهت إلى جهات محايدة للتأكد من صحة الحقائق، لكنها أيضا في هذه المقاربة عينت قضاة الحقيقة بدلا من تنصيب نفسها لذلك.
لكن الهجوم الأخير على مبنى الكابيتول في العاصمة الأمريكية أثبت أن الخطاب المضاد قد لا يكون كافياً لمواجهة نظريات المؤامرة، فاتجهت وسائل التواصل إلى خيار الحجب من خلال إغلاق الحسابات المروجة لنظريات مؤامرة معينة أبرزها "كيو أنون".
"كيو أنون" هي نظرية مؤامرة يؤمن مصدقوها بأن هناك دولة عميقة من عبدة شيطان يسيطرون على تجارة الأطفال حول العالم وأن المخلص الوحيد هو دونالد ترامب. الفكرة بذاتها لا تختلف عن نظريات المنظمات السرية، لكنها صادفت أن يكون لها بعدا تحريضيا تحول إلى واقع.
رغم أن حجة وسائل التواصل الاجتماعي لإغلاق الحسابات المروجة لنظرية "كيو أنون" هي تهمة "التحريض" إلا أنها تبقى منطقة رمادية. كيف نحدد ما إذا تجاوزت نظرية مؤامرة ما الخط الأحمر؟ ففي كل نظرية مؤامرة طرف شرير متآمر، أي أنها بطبيعتها تخلق نظرة عدوانية تجاه طرف ما.
نجد في الحسابات المروجة لكذبة كورونا وخطورة اللقاح جوهر المعضلة. هذه الحسابات تملك القدم العليا في القدرة على الانتشار نظرا لطبيعة وسائل التواصل الاجتماعي، فلا يمكن للحقيقة العلمية الجافة منافسة الحسابات المؤامراتية من ناحية تسويقية. فما الحل الأفضل لمواجهتها؟
على جانب فإن الخطاب المضاد ما زال هزيلاً جدا في تحدي نظريات المؤامرة رغم نجاحه في شواهد كثيرة بمواجهة الخطاب المضلل. على جانب آخر، فإن قمع تلك الأفكار المضللة قد يحفظ أرواحا كثيرة إلا أن ثمنه حرية التعبير، وهو يتنافى مع أساس السوق الحر للأفكار. لكل قرار في الحالتين ضريبة باهظة.
نحن كمستخدمين لا نملك في جعبتنا إلا الخطاب المضاد. ومع هذه التحديات الجديدة، تقع على عاتقنا وعاتق المتخصصين والباحثين والصحفيين مسؤولية خلق محتوى جذاب يسعى جاهدا لتبسيط وتجميل الأفكار والحقائق والمعلومات الموثوقة قدر الإمكان، ويراعي حالة الاسترخاء الذهني التي نمر بها جميعا هنا.
أعلنت تويتر أمس أنها ستتوجه إلى مجتمع المغردين لتحديد التغريدات المضللة. بهذا تصبح مراجعة التغريدات عملية تطوعية (قد يكون للأمر بعد اقتصادي). يبدو أن الحقيقة انتقلت في هذه المنصة من دكتاتورية تويتر إلى ديمقراطية المغردين. هذه إما خطوة إبداعية أو كارثية.

جاري تحميل الاقتراحات...