أمجد النور | Amjad Alnour
أمجد النور | Amjad Alnour

@AmjadAlnour

17 تغريدة 172 قراءة Jan 13, 2021
أمي هي من علمني أول كلمة بذيئة في حياتي!
القصة بدأت عندما كنت في الثامنة من عمري. يومها تشاجرت مع زميلٍ لي في الصف من الجنسية المصرية. ولأنني نشأت في السعودية، كان حديثي في المدرسة متأثرا بشكل كبير باللهجة السعودية.
أذكر ما قلته بالتحديد لزميلي المصري: "بعطيك كف أخليك (حَوَل)"
بمعنى: "سأصفعك على وجهك حتى تصاب عيناك بالـ حَـوَل". ولكن يبدو أن ذبابة حطت على أذن زميلي وهو يسمع الكلمة، فكانت بمثابة نقطة فوق حاء كلمة حول!! الزوبااابة 🪰 تررن!
ما علينا! اشتاط زميلي غضبا، وصرخ في وجهي: "انت ازاي بتقول علي *ـوَل؟؟ طيب أنا حوريك".
كانت تلك المرة الأولى التي أسمع فيها هذه الكلمة الغريبة على مسامعي! حينها أصابني فضول شديد لمعرفة معنى هذه الكلمة التي جعلت الدم يغلي في عروق زميلي ابن النيل، ولم أعرف حينها كيف أتصرف..
هل أنكر قولي للكلمة وأخبره بأنه أساء سمعي، أم أتظاهر بأني فعلا قلتها حتى لا أحرم نفسي من متعة مشاهدته وهو غاضب ومستفَز.
في مساء ذاك اليوم، نزلت من بيتنا للشارع حتى أرميَ الزبالة، فوجدت زميلي المصري وأخاه الذي يكبرنا سنا وولدًا ثالثًا جميعهم يترصدون لي، وكأنهم اطلعوا على جدول مواعيد رمي الزبالة في بيتنا فنصبوا لي كمينا.
"انت بتقول على أخويَ *ـول؟ طب أنا حوريك مين الـ*ـول.."
في تلك اللحظة لم تسعفني شجاعتي، بل قل إن شجاعتي حجزت تذكرة سفر ذهاب بلا عودة إلى المجهول، ووجدتني أرد على الأخ الكبير بنبرة مهزوزة اهتز معها كيس الزبالة في يدي: "بس.. أ أ أنا ما قلت له *ـول، أنا قلت له (حول) بعطيك كف أخليك حـ…"
وقبل أن أكمل الجملة، تفاجأت بالأخ الأكبر يثبت يدي حتى لا أدافع عن نفسي و "ينزل فيني ضرب" وهو يقول مع كل ضربة وبتنسيق وتناغم موسيقي بديع: "*ـوَل انت، و*ـول أبوك، و*ـول أمك، و*ـوَل أخوك… إلخ" ضربة مقابل كل فرد من أفراد العائلة، حتى تمنيت لو أني كنت (مقطوع من شجرة) حتى يتوقف الضرب!
انتهى وابل الضرب (الحمد لله لم يتطرق لعائلتي الممتدة، خالاتي وعماتي وخالي الي في أمريكا وبنت عمي الي في دبي) وقرر الثلاثة أني تلقيت ما يكفي ونلت جزائي. وما زلت أذكر ابتسامة الرضا والتشفي التي كانت على وجه الأخ الأصغر وهو يشاهد أخاه وهو يبرحني ضربا.
فجأة.. وجدت نفسي وحيدا في الشارع، فنظرت إلى كيس الزبالة الذي ما زال متشبثا بيدي ولم يتخل عني مثلما تخلت شجاعتي التعيسة عني. فشكرت له موقفه، ولكني تذكرت أن النظافة من الإيمان، فقمت بإلقائه في حاوية النفايات وعدت إلى البيت وأنا أتساءل عن هذه الكلمة التي ضُرِبتُ لأجلها بهتانا وظلما!
عندها ذهبت إلى أمي التي كانت تغسل الصحون في المطبخ، وبدون أي مقدمات، سألتها: "ماما، يعني شنو *ـوَل؟" واسمحوا لي هنا بأن أشيد بالطريقة الرائعة التي تعاملت فيها خالتكم سمية مع الموقف، وكيف احتوت الموضوع بدون أي دراما لتجيب عن تساؤل هذا الطفل ذي الثماني سنوات.
بسرعة أغلقت أمي الحنفية، وقالت لي بنبرة متفاجئة وقد فتحت عينيها عن آخرها وهي تمسح يديها المبتلتين على ملابسها: "منو القال ليك الكلمة دي؟"
نبرة أمي والنظرة التي ارتسمت على وجهها جعلاني أدرك التأثير الذي يمكن أن تحدثه نقطة تافهة وجدت طريقها لكلمة مثل "حَوَل"، فحكيت لها القصة كاملة.
"صعلقة، ووساخة، وقلة أدب" ابتدأت أمي بهذه الجملة، وبعدها شرعت في شرح الكلمة لي من الألِف إلى الشين (أمي كانت تدرك أن عقلي الصغير لن يستوعب معنى الكلمة من الألِف إلى الياء، ولكنها في نفس الوقت لم ترد أن تستغبيني وتتركني هائما في فضولي).
أمي العظيمة شرحت لي الكلمة بعبارات ناسبت فهمي وأغنتني عن سؤال شخص آخر، وكان مع الشرح توجيه وتحذير ونصح ما كنت أجده لولا أن كان الشارح هو أمي. بعد ذلك أصبحت أمي هي ملجأي الوحيد والآمن لفك شفرات الـ "عالم السفلي"، بل أن الأمر لم يقف هنا.
كانت أمي توجهني أنا وأختي الكبرى بأن لا نبخل أبدا على أخي وأختى الصغيرين إذا لجأا إلينا كما لجأتُ أنا لأمي في ذلك اليوم. وكانت تقول لنا أن الطفل سيصل إلى مسامعه -لا محالة- "كلام وسخ" وسيرغب بأن يعرف معناه بفضوله، فإن لم تجبه أنت، ذهب إلى غيرك، وما أدراك ما غيرك.
هذه هي الثقافة المتبعة في عائلتنا الصغيرة.. كل شيء قابل للطرح، وهذا هو الأسلوب الذي سأتبعه مع أبنائي وبناتي (بس خلي بنت الحلال بنت الذين تجي أول).
أتمنى أن يستفيد الآباء والأمهات الجدد من هذه القصة، وأن تساعدهم على تكوين بيئة آمنة بينهم وبين أطفالهم. وأن تندثر ثقافة "عيب يا ولد.. ما تقول كدا" بدون أن تُشرح لهم هذه الأشياء بصورة مبسطة تلائم عقولهم الصغيرة وتهدئ من روع فضولهم.
والآن.. قل لي / قولي لي كيف ستتصرف/ـي لو جاء طفلك وسألك: "بابا / ماما، يعني شنو *ـول؟"

جاري تحميل الاقتراحات...