إعتدتُ أيضًا أن أسمع صُراخ الأمهات الثَّكالى والأطفالِ اليتامى والنساءِ الأرامل، كُنت شاهِدةً على كُلِّ شيء يُحرق ويُدمي نِياطَ القلب، لكنَّنِي كُنت مُجبرةً على أن أكون قوية ليس من أجلي بل من أجلهم لَعلَّنِي أكون جُرعة أملِهم الوحيدة في مرارة هذه الحياة.
الساعة الثانية عشر مُنتصفَ الحنين ...
مزَّقَ البرق ورقةَ السماء، وترشَّقت قطراتُ المطر بعُنف على زُجاج النافذة التي كانت تطلُّ على بهو حديقةَ المُستشفى..
مزَّقَ البرق ورقةَ السماء، وترشَّقت قطراتُ المطر بعُنف على زُجاج النافذة التي كانت تطلُّ على بهو حديقةَ المُستشفى..
وقفتُ أنا أمام النافذة وشرعتُ أتذكَّر كُلَّ شيء، راقبتُ الأبخرة التي تكاثفتْ على الزُجاج إثر مُلامسة أنفاسي له، رفعتُ إصبعي ورسمتُ قلب مكسور، كان بإمكاني النظر من داخل القلب المُهشَّم إلى ذاك الكُرسيّ الذي إقتعدنا عليه ذات يوم..
أذكُر حينها أنها كانت ليلةً ماطرة مثل هذه، كُنَّا نُراقب زخَّات المطر وتأرجُحِها على أوراقِ الشجر، والجو كان يعبق برائحة التُّراب المبتلّ..
كُنتَ حينها تفرُك كفَّيْكَ البارِدتين وتقول يالحظي إنَّنِي محبوب أذكى وأجمل طبيبة على هذهِ الأرض، سيكون بإمكانها أن تُميط الأذى عن قلبي في أيِّ وقت، لايُهم هزَزْتُ رأسي مُحاولةً عدم إجترار ماحدث معي، لا أُريد أن أتذكَّرك الآن..
فلقد تركتني ووضعتني على رَفِّ الخِيارِ الثاني بعدَ الحرب، لقد صرختُ عليكَ بأعلى صوت، وفرغتُ حنقي كله بك عندما حدثتني أنك ذاهبٌ إلى الحرب وأنك مُجبرٌ على القتال لتحمي وطنك، حينها قُلتُ لك أتختارُ الحرب بدلاً مني؟ أردفتَ بإيجاز : الحرب هي من تختارُنا لا نحن..
إحتدم النقاش بيننا وتركتني أقتفي أثر خُطاك الذي لايزال عالقا بقلبي، أقسمتَ لي ذات عُمر أن الإنتصار سيكون لنا، بربك أي إنتصار؟ لاشيء على وجه هذهِ الكُرة الأرضية يُعزِّي فاقِداً عمَّن فقد، هيَّا أخبرني ماهو إنتصاري من دونك؟ لمن سأتحدث عن إنتصاري وأنتَ الشخص الأول بقائمة أولوياتي !!
غفوتُ قليلاً على طاولةِ المكتب من فرط التعب والارهاق، بل لأنني أخذتُ جرعةً زائدة منَ الذكريات، إستيقظتُ بفزع على صوتِ الممرضة ليندا تقول : طبيبتنا هزار فلتجهزي نفسكِ لديكِ عملية مُستعجلة إنه أحد ضحايا الحرب، هرعتُ مُسرعة جهَّزتُ نفسي ودلفتُ إلى غُرفة العمليات لأجد صدمة عُمري..
رأيته بعد عام بطعم العلقم، كان مستلقيا على السرير غارق في دمائه وتتساقط قطرات دمه على الأرض كأنها مطر أحمر، تسمرتُ في مكاني وكأن كل شيء توقف عن الحياة وهذه الأرض توقفت عن الدوران، شعرت أنني صمَّاء بكماء لا تقوى على أيِّ شيء، لكنَّكَ أسميتني يومًا ﴿مُعجزتِي﴾ فكيفَ لا أُنقِذُك؟
أغمضتُ عيناي وناجيْتُ الله بقلبي، يا الله ساعدهُ أرجوك، حسنًا أعِدُك، أعِدُك أنَّنِي سأُنقِذُك، كانت حالته خطيرة فلقد أُصيب برصاصةٍ في ذراعه كادت أن تقطع شُريانه العضديّ مما أدى إلى نزيف، تمكَّنتُ من إخراج الرصاصة بصعوبة لكن النزيف لم يتوقف..
شعرتُ أنَّ الوقت بطيء وأنَّنِي أتنفس من ثُقب إبرة، إستقر خوفُ العالمين بقلبي وطَفَقَ ينخُر روحي، كان جُلَّ تركيزي على جهاز تخطيطِ القلب تلك الخطوط المتعرجة اللعينة هاهي الآن إستحالت لخط مُستقيم، لا لا .. لايُمكِنُكَ الرحيل الآن .. ليندا ناوليني جهازَ الصدمات الكهربائية لاااا....
صوت إرتطام كوب منَ الزُجاج على الأرض، يا إلهى إنهُ الكوب الخامس والعشرين الذي يكسِره جدُّك، أخبريني يا جدتي ماذا حدث بعد ذلك؟ هاهو جدُّك على قيدِ الحياة بل أصبح كالقِطِّ ذُو سبعة أرواح، ولايزال يتفنَّنْ في حرق دمي وفورانهِ المتواصل.
حميدة بوأصبع ✍️
حميدة بوأصبع ✍️
جاري تحميل الاقتراحات...