Renad | رِناد
Renad | رِناد

@RenadTWO

26 تغريدة 18 قراءة Dec 23, 2020
في نِهايات القرن ال18 في وِلاية بافاريا الألمانية تَم حَظر جَمعِيَّة المُتَنوِّرين السريّة (الإلومِناتي - Illuminati)، الَّتي كانت قائمة على مبدأ (سِيادة الشعب مُقابل الحكومة، وسيطرة النهج العلمي مُقبال النهج الديني)، وهو حَظْر جاء بناء على طَلَب الوِلاية نفسها.
لكن بعدها بعدّة سنوات ظَهَرَت نظرية المؤامرة الشهيرة الَّتي تَقول أنَّ هذه الجمعية ما زالت موجودة وماهي إلّا لوبي عظيم تَظلّ هويّته الحقيقية سريّة بينما يحكُم العالم من خلف كواليسه الغامضة.
ثم في القرن ال19 ظهرت نظرية مؤامرة أُخرى تُؤكّد أنّ الأرض مُسطحة وليست كروية الشكل. تبعَتها في بداية القرن ال20 النظرية الّتي تدَّعي تكتم الحكومات على زيارات الكائنات الفضائية والأجسام الطائرة لكوكب الأرض.
أمّا فترة ما بين ال1950 حتى بداية ال 2000 فكانت مَوطِن لوِلادة وازدهار أشهر نظريات المؤامرة، ابتداء من النظريات الّتي تَنفي هُبوط بِعثة ابولو 11 على سطح القمر +
مروراً بالنظرية الّتي تربُط ما بين تطعيم الأطفال ومرض التوحُّد، وانتهاء بالنظرية التي تستنكر وُجود إحتباس حراري وتعتبره جُزء من مؤامرة علمية عالمية.
كل هذه النظريات وغيرها مستمرة بإزدياد كبير في عدد المؤمنين فيها، رغم تعارضها للمنهج العلمي والإجماع الشعبي والمنطق العقلي، ورغم عواقبها الّتي قد تكون وخيمة جداً في بعض الأحيان.
فماهي العوامل النفسية الّتي بسببها يختار هؤلاء الأشخاص الإيمان بنظريات المؤامرة؟
اولا، عامل الرغبة بمعرفة وتفسير الأحداث من حولنا،والحاجة بأن نكون مُتيقّنين من صحة هذه التفسيرات.فبينما يبدو لنا العالم مشوَّش وغامض وعشوائيّ في بعض الأحيان،نقوم نحن البشر بمحاولات مستمرة لفهم وتفسير ما يحدث من حولنا، وذلك حتى نرسُم صورة واضحة ومتَّسقة لكيفية عمل أنظمة هذا العالم
لكن أحيانا التفسيرات الرسمية لهذه الأحداث تكون غير أكيدة، أو أنَّها تحتوي على أجزاء مفقودة، أو تكون كما في كثير من الأحيان مُتناقضة مع المعتقدات الشخصية لبعض الأفراد، عندها يلجأ هؤلاء الأفراد لنظريات المؤامرة لتُفَسِّر لهم هذه الأحداث +
فهي تبدو لهم كتفسيرات شاملة ومُتَّسِقة ومُتلائمة مع معتقداتهم وآرائهم، مُتجاهلين حقيقة أنّ هذه النظريات مرفوضة بإجماع علمي وشعبي وذات أساس تخميني غير منطقي.
ثانياً، لِعوامل وجودية مُتمثِّلة بالإحساس بالسيطرة والأمان. فيميل الأشخاص لتصديق نظريات المؤامرة كطريقة لتعويض فُقدانهم للسيطرة على حياتهم، لأنّ هذا الأمر يوفر لهم فرصة لرفض التفسيرات الرسمية المتفق عليها+
مما يجعلهم يعتقدون أنَّهم بهذا يكونون قد استعادوا السيطرة، فهم يمشون عكس التيار ويؤمنون بالأفكار التي يُريدونها رُغماً عن السائد.
هناك كذلك أدلّة علمية عديدة تُشير إلى أنّ الأفراد يتبنون نظريات المؤامرة من أجل الشعور بالمزيد من الأمان، فعندما يشعرون بالتهديد أو الخوف، يكون تحديد مصدر هذا الخطر من خلال نظريات المؤامرة طريقة للتأقلم مع الخوف والقلق وبالتالي المزيد من الشعور بالأمان.
ثالثاً، هُناك عوامل الإجتماعية مثل حاجة الأشخاص للظهور بصورة إيجابية أمام المجتمع، فتأتي نظريات المؤامرة لتجعَلَهُم يعتقدون أنّهُم يمتلكون معلومات نادرة وآراء مهمة لا يمتلكها عامة الناس، الأمر الذي يجعلهم يشعرون بالتميز ويرفع من ثقتهم بأنفسهم.
وكذلك أيضاً حاجة الأشخاص بأن تظهر جماعاتهم (العرقية أو السياسية أو غيرها) بصورة أفضل مما تبدو عليه، خاصة لو كانت جماعاتهم متدنية الأوضاع أو كانت هي الطرف الخاسر، فيحققون هذه الصورة من خلال نظريات المؤامرة التي تُلقي مسؤولية أوضاع هذه الجماعات على طرف ما+
فيكون الإيمان بنظريات المؤامرة آليّة دفاع لتخليص الجماعة من الشعور بالذنب بسبب أوضاعِهم السيئة، وليشعروا بأنهم هم "أبطال القصة"، بينما الطرف الذي يتآمر عليهم هو "العدو".
حسب آخر أبحاث المجالات الّتي تدرُس نظريات المؤامرة قد تكون الإجابة على سؤال"لماذا يختار الناس تصديق نظريات المؤامرة؟"أكثر دقّة إذا ما اضفنا للعوامل النفسية التي ذكرناها عوامل أُخرى مهمة مثل العجز عن الوصول للمعلومات الصحيحة وعدم القدرة على التفكير النقدي وانخفاض القدرات الإدراكية
ولكن لعل الداعي الأساسي للحديث عن موضوع نظريات المؤامرة هو تناول مخاطرها، لأنَّ الأمر لا يتوقف عند مجرد كونها نظريات يؤمن بها الناس، "فالمعتقدات لطالما كانت تجُرّ ورائها الأفعال".
فعلى صعيد التعصب والتحيز هناك تاريخ طويل لنظريات المؤامرة التي تعزز الكُره بين الجماعات المختلفة عندما تفرض تآمر إحداها على أُخرى بناء على تكهنات غير منطقية.
وعلى الصعيد السياسي، الكثير من هذه النظريات تجعل الأفراد ينخرطون في العمل السياسي تحت حزب أو فريق ما من دون فهم حقيقي للأُمور، أو حتى قد تجعلهم يعتزلون المشاركة السياسية من أصلها.
بعضها الآخر على الصعيد العلمي قد يجعل الأفراد يفقدون الثقة بالعلم، مثل نظرية المؤامرة التي تدّعي تزييف علماء المناخ للبيانات وممارستهم للإحتيال فيما يتعلق بالتغير المناخي وذلك حتى يحصلوا على التمويل الخاص بالبحوث.
نظريات مثل هذه قد تجعل المؤمنين فيها يغضّون النظر عن السلوكات الصديقة للبيئة لأنهم اصبحوا لا يؤمنون بوجود تغير مناخي من أصله.
فقدان الثقة بالعلم قد يؤثر على قرارات الأفراد الصحية أيضاً، فهناك دراسات تُظهر أنّ نظريات المؤامرة المتعلقة بالقضايا الصحيّة تؤثر سلباً على المؤمنين فيها بجعلهم أقل تعاطي مع المختصّيين بالمجال الطبي وأكثر ثقة بمصادر الطب البديل والعلاجات الغير متعارف عليها.
فبعيداً عن كارثة المُعتقد الخاطئ الذي يربط بين تطعيم الأطفال والتوحد والذي يحرم الكثير من الأطفال من مطاعيمهم، نحن الآن نعيش أزمة حقيقية مع نظريات المؤامرة الخاصة بجائحة كوفيد-19 في الوقت الّذي يكون فيه العالم في أمسّ الحاجة لوعي الأفراد والشعوب.
لذلك هناك واجب أخلاقي واقع على كل فرد بأن يتأكد من موثوقية مصدر وكاتب كل مقال و نصّ و فيديو يُريد أن يتداوله وينشره، وأن يفكر دائماً بالمعلومات التي تصله بطريقة نقدية تحليلية وأن يكون واعي ومدرك لتحيزاته الشخصية الّتي من الممكن أن تؤثر على حكمه.
في النهاية، قد يبدو الإيمان بوجود قوى غامضة تَحيك لك المكائد وتتحكم بك مغرياً في عالم قد تشعُر فيه بأنّك فاقد للسيطرة ومُشوَّش، لكن هذا لا يعني أن تُصدق كل شي يقع بين يديك لمجرد أنّه يبدو لك صائباً دون أي بحث أو تحليل.

جاري تحميل الاقتراحات...