73 تغريدة 16 قراءة Sep 30, 2021
في بداية النشيد الرابع عندما حدّث إبليس نفسه عن تبدّل حاله وتنعّم آدم وحواء في تربة العالم الجديد، وعندما حدّث الشمس عن علياءها وسلطانها على سائر النجوم. لم أجد أدبًا عظيمًا كهذا. قصيدة الفردوس المفقود فوق الوصف.
سحر القصيدة إنشادها بصوتٍ عالٍ، وصوتُ هذه القصيدة ليس ساحرًا وحسب، بل مُغويًا كبطلها.
بما أن قصيدة ملتون ممسرحة، تساءلت ما ستكون كلمات آدم وحواء الأولى. قرأتها and oh damn that is HOT. سأشارككم فيما بعد.
لاحظت أنّ ملتون يعشق جمع الكلمة ونقيضها في نفس البيت. هذا مما يجعل القصيدة صعبة، ولكن حلّ العقدة بقراءتها بصوت عال واتّباع الوقفات وعلامات الترقيم. سأذكر بعض الأمثلة لاحقًا.
ليستمر الثريد.
خطاب إبليس للشمس هو بمثابة انعكاس لرؤية دانتي (أدري أنكم تلعنون دانتي الحين). ليش؟ لأن دانتي يطمح للقاء الشمس (الإله والنور)، لكن إبليس يكرهها لأنها تذكره بمكانته التي كان عليها (لوشيفر = نجمة الصبح أو حامل الضوء).
ليستمر الثريد.
ليستمر الثريد ❤️
ليستمر الثريد 🔥
ليستمر الثريد 👩‍❤️‍👨
ليستمر الثريد 🐍
اختصارًا لما تم ذكره. كان إبليس يتمعّن في قدرة الله على خلق غريب المخلوقات وعجيبها، وإذ به يلحظ قامتين فارعتين كالآلهة (آدم وزوجه)، متنعّمين في جلال عارٍ. هذان هما الخلقُ الجديد، إذ أسكنهما الله العالم الجديد. كانت عوراتهما جليّة تفضح جنسهما*. تبيّن إبليس أنهما من طينٍ حقير =
= وقال في نفسه: أنا أفضل منهما، أنا الذي يجب أن أحل في مُقامهما السعيد. هذه اللحظة مولدُ الخطيئة الأولى (الكبر)، ولم يلبث غير قليل إلى أن توعّد بإلحاق بنيهم الأحزان.
[*] تستطيع ملائكة ملتون تبديل أجناسها.
كانت كلمات آدم الأولى خطابًا لحواء يقول فيه (ت: محمد عناني): «شريكتي الوحيدة وأهنأ هذه الأفراح جميعًا! إنكِ لأقرب إلى نفسي منها»، ومذكرًا إياها بحرامهما الوحيد؛ شجرة المعرفة التي تجلب الموت —أيًا كان معناه—.
سايد نوت: كل شوي تكبر قصيدة كارل شاپيرو بعيني (عنوانها آدم وحواء). أنصحكم بقراءتها، ولسركون بولص ترجمة لها.
مقالة مرئية قصيرة عن أصول «لوسيفر» في التراث اليهودي-المسيحي.
youtu.be
بعدما فتحت حواء عينَيها، أبصرت بحيرة ماء صافية. نظرت داخلها فرأت جسمًا غريبًا، فارتاعت وارتاع الغريب. ثم نظرت مرةً أخرى بحنيّة وحب. تبيّن أنها تنظر إلى نفسها. كانت معرفتها لنفسها معرفة بدائية لم تكن إلا عن طريق العاطفة والمشاعر. كذلك عرفت زوجها وأحبّته؛ لأنه شعرت برغبة نحوه.
فيلم وثائقي رائع عن مِلتون وقصيدته الكبرى بتقديم أرماندو يانوتشي:
youtu.be
لفتني يانوتشي على حاجة مهمة. رب الفردوس المفقود أو تصوير الرب في الفردوس المفقود ممل للغاية. هل لأن الله لملتون ممل؟ هل هو تصوير متعمد أساسًا؟
المجد لمتاجر الكتب السعودية ممن يوفرون كتبًا قيّمة كترجمة محمد عناني لقصيدة جون مِلتون الكبرى. الشكر لمتجر ورّاقون @wrraqoon، والصديق @mm99zzk لأنه دلّني على الكتاب 🤍
نهوض حوّاء لأول مرة في جنّة عدن.
Valentine Cameron Prinsep
يقول ويليام بليك عن مِلتون: «لقد كان في صفّ إبليس دون أن يعي». يصوّر مِلتون إله الفردوس المفقود -مع علمه المسبق بخطيئة آدم وحواء- بأنّه خلقهما حُرَّا الإرادة، ولكنه لا يعطي تفسيرًا لحرمانهما من الفردوس؛ لقدرته بمنع إبليس من إغواء الزوجين. إنّ القارئ لا يتعاطف مع الله؛ لأنه ممل، =
= ويتحدث بكلام مبهم لا معنى له، وغائب. فالقارئ إن أمكن له التعاطف مع شخوص القصيدة، سيتعاطف مع إبليس بآلامه ونجواه. هنا هارييت والتر تُلقي نجوى إبليس من النشيد الرابع: «إنّ منزلتي الرفيعة جعلتني أرفض الخضوع، ظانًا بأنني لو ارتقيت درجة أخرى سأكون أرفع الجميع...»
لطالما تساءلت عن سبب سَقطَة إبليس الأولى، فكانت الإجابة من سفر حزقيال الإصحاح الثامن والعشرين (١٥-١٩). غرّ إبليسَ جمالُه وحكمتُه، فطمح أن يحلّ محلّ ربه في القوة والقدرة إلى أن أُلقي في غيابات الجحيم.
بعد تحدّيه لله، تغيّر اسمه؛ فكان يُسمّى لوسيفر، أي «نجمة الصبح» لإشراقه كالشمس، إلى شيطان Satan. أصل كلمة «Satan» عبريّ، ومعناه «عدو».
هناك فرق في اللغة العربية بين كلمتَيْ إبليس وشيطان. اختلف اللغويون في معنى الأخيرة، إلا أن المعاني –باختلافها– تصبّ في قالب واحد. قال بعضهم بأنه مشتق من «شَطَنَ» بمعنى «بَعُدَ عن الحقّ»، وقال بعضهم أنه مأخوذ من «شَاطَ»، أي احترق غضبًا.
ومعنى إبليس: يائس. ورجوعًا للسياق فإن إبليس يئس من رحمة الله. لذا نرى في القصيدة أن إبليس شيطانٌ بحق؛ لأنه بعيدٌ عن الحق. ونراه إبليسًا؛ لأنه يئس من أن تحلّ عليه الرحمة الإلهية، حتى لُعن وطُرد من شموليّة الرحمة.
ليستمر الثريد.
لم يحتمل إبليس الشريعة الجديدة، «فتولّد في نفسه من ثَمّ الازدراء والحقد العميق»، وانطلق «قبل أن يلملم الليل الأدكن ظلال سحائبه»، «فاستوى [إبليس] على عرشه الملكي عاليًا فوق التل الذي يسطع نوره إلى الآفاق»، ثم «طمح في المساواة مع الله»
فحدّث جَمعَه بعدم استطاعتهم احتمال إلهين فضلًا عن واحد. وقال: «من ذا الذي يستطيع أن يفرض علينا الشرائع والقرارات، ونحن دون شرائع لا نخطئ أبدًا؟ أهوِن به إذن من دافع للسيادة وطلب العبادة! إنه (الله) لينتهك ألقابنا الملكية التي تؤكد أننا قد كُتب لنا أن نحكم لا أن نخدم!»
قال عبديئيل لإبليس: «أفتُشرّع أنت الشرائع لله يا إبليس؟». أظن أن جميع من يشرّعون الشرائع لله أبالسة.
يقول مِلتون ببلاغة فيمن اعترض على إبليس كفرَه بعدما نصحه ليتوب: «ثم أدار ظهره في ازدراء مماثل لقلاع الكبرياء التي كُتب عليها الهلاك العاجل». 'قلاع الكبرياء'. واو.
في نهاية الحرب الضروس، بعدما هُزم حشد إبليس وبقيَت الضربة القاضية، أرسل الرب ابنه ليتمّ المهمة ويحتاز النصر. يقول فيليپ پولمان: «لا يشير هذا الفعل إلى عظمة الله، بل إلى سياسته العامة»، أي ليفرض المسيح سيّدًا على جميع الملائكة، حتى وإن لم يحارب.
النشيد السادس لـJohn Baptist Medina.
رسم هينري فيوسلي نداء إبليس لصاحبه بعلزبوب (أو كما عرّبها السيّاب: بَلْزَاب) وهما في قعر الجحيم.
طوبوغرافية الفردوس المفقود.
دائمًا ما يصوّر گستاڤ دوريه إبليس منعزلًا ووحيدًا؛ لأنه كذلك فعلًا. نصوص كثيرة في القصيدة التي صوّرت إبليس وهو بعيد عن أقرانه، حتى وهو في الجحيم.
أظنّ أن السيّاب تأثّر بقصيدة مِلتون تأثرًا ملحوظًا. هنا إبليس في قصيدة «اللعنات». يتشابه إبليسا الشاعرَين بصراحة.
اخترع إبليس سلاحًا ناريًا لمواجهة الملائكة الأخيار. وعندما أطلق النيران يقول مِلتون: «بدت السماء كلها لهبًا سرعان ما طمسه الدخان الذي تجشأته تلك الآلات من حلوقها العميقة والزئير الذي بقر بطن الهواء بجَلَبته الفاحشة ومَزْقِ أحشاءه! كانت تخرج من أفواهها أبشع تخمة شيطانية»
«pain is perfect misery, the worst of evils, and excessive, overturns all patience»
Milton: gloomy as night
محمد عناني: مدلهمًا كالليل
👏
ذُكرت أوصاف الحرب الأهلية السماوية والشقاق الذي حصل بين الملائكة بطلبٍ من آدم ليفهم من هو عدوّه؛ إلا أنّ آدم تبع إبليس ورافقه في البلاء.
بعدما وصف رفائيل خلق الكون لآدم، ذُهل، وأراد معرفة المزيد، فقال له رفائيل رادعًا له: «فلا تشغل أفكارك بالقضايا الخبيئة [...] كن حكيمًا متواضعًا، فكر بما يهمك ويهم وجودك، لا تحلم بعوالم أخرى، [...] وارضَ بالكثير الذي كشف لك».
وجدتُ خطأين في الطبعة الأولى لترجمة محمد عناني للفردوس المفقود (2009) عن دارَيْ @KalimaProjectad و@MasriahAl في الكتاب الثامن، حيث تتكرر أربعة أوجه متشابهة (378–381). بالإضافة إلى أن هناك خمسة وأربعون بيتًا ناقصًا (من 146 إلى 189) لم ترد ترجمتها. لا أعلم إن توجد طبعات تلي هذه.
عندما استيقظت حواء، حاولت فهم ذاتها وهويتها. أما آدم، حاول أن يفهم الآخرين، ولذلك سمّى الأشياء المحيطة به: «وحاولتُ النطق فتكلمتُ على الفور وأطاعني لساني ووجدتُ أني عُلّمت الأسماء كلّها [...] وخاطبتُ الشمس قائلًا: أيها السّراج الوهّاج»
عندما ناجى إبليس نفسه في النشيد الرابع، خاطب الشمس بحنق. أما التفاتة آدم للشمس، تنمّ عن محبة.
عندما أبصر آدام حواء للمرة الأولى، قال: «فالآن أرى عظم عظامي، ولحم لحمي، ونفسي ماثلةً أمام عينيّ، [...]، جسدًا واحدًا، وقلبًا واحدًا، وروحًا واحدة»
أخيرًا وصلت للنشيد التاسع، ويقع فيه إغواء آدم وحواء. قلب القصيدة وقلب القصة.
ليستمر الثريد.
تجمع حواء الورود، وتستنشق عطر الطبيعة. أما إبليس يراقبها بخفاء ويقف مذهولًا من هذا السحر: «لمح حواء وحدها تلفّها سحابة من الشذا […]، جمعت في منظرها كل البهجة. وهكذا تمتع الثعبان بمرأى هذه البقعة الزهرية […]، وكان ذلك يُرهب خبثه الدفين، […] وقف الشرير ذاهلاً عن شره»
لبرهة، نسيَ إبليس شره وحقده وكراهيته. برع ملتون في التعبير عن ذلك الذهول بكلمتين اثنتين أن إبليس كان في تلك الحالة «stupidly good». قلّما تشهد مثل هذه العبقرية اللغوية بهذا الإيجاز في الأدب.
بعدما أغوى إبليس حواء، قطفت من شجرة المعرفة وأكلت. لا يمسرح ملتون هذا المشهد: «She plucked. She ate». هكذا. يكمن السبب وراء حريّة إرادة حواء، فخيار الأكل خيارها وحدها.
النص الأصلي للتغريدتين اللتين تسبقان التغريدة أعلاه.
ليستمر الثريد.
ليستمر الثريد.
تتمركز القصيدة كلها في هذه اللوحات الثلاث!
بعد الخطيئة ولعن الله لهما، تأسّى آدم على حاله في دراميّة عالية لم أرَ لها مثيلًا: «هل طلبتُ منك يا صانعي أن تأخذ صلصالي فتصوغني إنسانًا، وهل رجوتُك أن تُخرجني من الظلمات فتُعلي قدري أو تضعني هنا في هذه الجنة ذات الملاذ؟»
آدم متمنّيًا الموت (بترجمة محمد عناني).
النص الأصلي للمقطع أعلاه.
أما حوّاء فكرت بالانتحار لعظم جريرتها تجاه خالقها وزوجها، إلا أن آدم تاب عليها.
توبتهما أمام خالقهما، بِدموعٍ تروي الثرى، وآهات متزاحمة، بقلبين نادمَين في حزنٍ صادق ومذلة مسكنة.
كان مِلتون مهمومًا بآدم وحواء، إلا أنه لم ينسَ إبليس، حيث قال: «whereon for different cause the tempter set». إنه لأضعف الإيمان أن يُذكر إبليس.
عرَضَ ميكائيل على آدم ما سيحصل للبشرية بعد هبوطهما للأرض. أول جريمة رآها آدم هي جريمة ابنَيه. بكى آدم مرّتين. الأولى لهما، والثانية لأنه رأى الموت:
«better end here unborn» 💔
وصلت النشيد الأخير لهذه القصيدة العظيمة.
ملتون عن تبلبل الألسنة:
انتهيت من هذه القصيدة العظيمة. تتحدث آخر أبياتها عن آدم وحواء بعد الطرد وهما يخرجان من الجنة. يقول پولمان: «ليس هناك عمل عظيم بحق إن لم يعلمنا عن أنفسنا، وعن معنى الحياة»
آخر خمسة أبيات: «وذرفا بعض العبرات -عبرات الطبيعة البشرية- ثم جففاها على الفور، كانت الدنيا تمتد كلها أمامهما، تدعوهما لاختيار مقر راحتهما، تهديهما العناية الإلهية. وهكذا، بأيدٍ متشابكة، وخطوات حائرة بطيئة، سارا وحيدين في أرض عدن.»
وبحمد الله، انتهت هذه السلسلة.
عدد التغريدات: ١١٧ تغريدة.
شكرًا على صبركم.

جاري تحميل الاقتراحات...