علي الوردي
علي الوردي

@AliAl_Wardi

45 تغريدة 32 قراءة Dec 25, 2020
وضع المناطقة القدماء قوانين ثلاثة سموها بقوانين الفكر واعتبروها نواميس بديهية خالدة لا يمكن أن يتطرق إلى صحتها الشك. وبدراسة هذه القوانين يتوضح لنا مبلغ ما بينها وبين الواقع من فرق شاسع.
وإلى القارىء قوانين الفكر هذه:
القانون الأول: ويسمى بقانون الذاتية وهم يعبرون عنه بقولهم الشيء هو هو. ويمكن نعت هذا القانون بكونه قانون الحقيقة الثابتة ومؤاده أن الثبات أو السكون أصل الكون، وأن الحركة والصيرورة عرض لا أهمية له فيه.
وقد أشار (جون ديوي) إلى أن فلاسفة الإغريق كانوا يعتقدون بأن من شروط الحقيقة أن تكون ثابتة لا تتغير فإذا تغيرت بطلت أن تكون حقيقة وأصبحت وهماً.
ويبدو أنهم اقتبسوا هذه الفكرة من ملاحظتهم للمادة الجامدة، فهم حين رأوا الكون مملوءاً بها ثم رأوها ساكنة لا حركة فيها تخيلوا أن أصل الكون هو السكون: أما اليوم فقد انقلبت هذه الفكرة رأساً على عقب.
حيث قد ثبت في علم الفيزياء مؤخراً، كما أشرنا سابقا، أن المادة في حركة مستمرة، وأن ما نرى في ظاهرها من هدوء وجمود إنما هو من وهم حواسنا.
وقد انتقلت هذه الفكرة من الفيزياء إلى العلوم النفسية والاجتماعية فأصبح مفهوم المجتمع اليوم مفهوماً حركياً. وكذلك عرفت الشخصية البشرية حديثاً بأنها حركة وتصيّر. (Process).
لقد كان مفكرو الأزمان القديمة إذا رأوا شيئاً متحركاً سألوا عن سبب حركته. أما مفكروا هذا الزمان فهم على العكس لا يسألون إلا إذا رأوا شيئاً ساكناً. ذلك أن الحركة عندهم أصبحت هي الصفة الأساسية في جميع الأشياء. وقد يصح في هذا أن نقول كما قال أبو نواس:
تعجبين من سقمي
صحتي هي العجب.
فنحن اليوم لا نعجب من شيء متحرك، إننا نعجب بالأحرى إذا رأينا شيئاً ساكناً. وهذا المفهوم الجديد أدى إلى إنقلاب في نظرتنا إلى الحياة وفي تكيفنا لها.
فالمفكر القديم قد أخفق في الحياة لأنه يفرض فيها الثبات ويريد منها أن تستجيب لمقولاته المنطقية الساكنة، بينما هي في الواقع متقلبة، إذ هي تتغير من يوم إلى يوم. ولا ينجح فيها إذن إلا ذلك المحنّك الذي يرقب تغيرها بعين ثاقبة وينتهز فرصها المتراكضة إنتهازاً عاجلاً.
إن المفكر القديم يستعمل أقيسته المنطقيةإستناداً على ملاحظات سابقة - غير دارٍ بأن الزمن في تغيّر وأن ما صلح أمس قد لا يصلح اليوم أو غداً.
وحين يصطدم بالتجربة المرة يرجع إلى نفسه خائباً فيأخذ بذم الناس وسب الزمن، هذا مع العلم أن لا دخل للناس أو الزمن في فشله. إن فشله آت من سوء تفكيره حيث يؤمن بالسكون بينما الحياة في حركة متواصلة.
القانون الثاني: ويسمى بقانون عدم التناقض، وخلاصته أن الشيء لا يمكن أن يكون فاقداً وحائزاً لصفة معينة في آن واحد فالشيء في نظرهم مثلاً: إما أن يكون حقاً أو يكون باطلاً، ولا يجوز أن يكون حقاً وباطلاً في نفس الوقت. وهذا معناه أن الحقيقة مطلقة لا نسبية.
لقد أشرنا سابقاً إلى أن الحقيقة المطلقة غير موجودة في الحياة الاجتماعية. وإن هي وجدت فإن العقل البشري لا يستطيع أن يفهمها لأنه مقيد بقيود نفسية واجتماعية وحضارية.
وقد أشار (هيجل) إلى أن التناقض أصيل في طبيعة الكون. فكل شيء في نظر (هيجل) هو وليس هو في آن واحد، وكل فكرة إذن تحتوي على نقيضها في صميم تكوينها.
وقد أشار ابن خلدون إلى مثل هذه الفكرة التي جاء بها (هيجل) ثم طبقها على تاريخ الأسر المالكة والدول التي حكمت الإسلام وغيره، فكل أسرة في نظر ابن خلدون صالحة في أول أمرها طالحة في الأخير.
وليس هناك إذن أسرة صالحة صلاحاً مطلقاً. وقد انتقد ابن خلدون المؤرخين الذين كانوا مبتلين بداء المفاضلة بين الأسر على أساس القيم المطلقة. فهؤلاء المؤرخون في نظره موسوسون خياليون لا يفهمون واقع الحياة الاجتماعية.
وقد وصف ابن خلدون كيف تتحول كل أسرة حاكمة من الصلاح إلى الطلاح وصفاً رائعاً لم يسبقه إليه سابق. فمؤسس الأسرة يكون في العادة صالحاً خيّراً، إذ لو لم يكن كذلك لما استطاع في رأي ابن خلدون أن يؤسس ملكاً ويغلب منافسيه عليه.
هذا ولكن ابن المؤسس لا يستطيع أن يكون على منوال أبيه في الصلاح لأنه نشأ مترفاً مدللاً في بيت أبيه يحيط به الخدم والحشم من كل جانب، فيبعده هذا الترف عن طبيعة الخشونة والقوة وبعد النظر الذي اتصف به أبوه.
ويأتي الحفيد فيكون أكثر ترفاً ودلالاً، وأقل دهاءً وصلاحاً. أما ابن الحفيد فيظهر إنحلال الأسرة في عهدة عادة حيث قد جعله ترف القصور كالمرأة نعومة وبلاهة وضعفاً.
نستطيع أن نعتبر ابن خلدون أنه (هيجل) العرب. ففلسفته الاجتماعية تدور في الغالب حول (الديالكتيك) الذي يقوم على التناقض. وهو بهذا قد نسف القانون الذي آمن به المناطقة القدماء وجعلوه نبراسهم الذي يهتدون به في تفكيرهم.
والغريب أن هذا (الديالكتيك) الذي يقول به ابن خلدون لا يقتصر مفعوله على الظواهر الاجتماعية وحدها، فهو كثيراً ما ينطبق على الظواهر النفسية أيضاً.
ولعلنا لا نغالي إذا قلنا بأن كل إنسان يمر في بعض مراحل حياته بدورة نفسية تشبه هذه الدورة الاجتماعية التي وصفها ابن خلدون. ومن المؤسف أن نرى أغلب شبابنا قد خفيت عنهم هذه الحقيقة فأنغمسوا في أفكارهم الإطلاقية ونسوا أنهم في تحول تناقضي لا يستطيعون منه خلاصاً إلا نادراً.
فأحدنا مثلاً لا يكاد يلمح حسناء تتغنج أمامه حتى يسرع إلى الحكم المطلق عليها، ويعتبر الزواج منها مصدر السعادة الدائمة والخير الشامل له. وهو ينسى أنه حين يتزوج بها قد تطحنه الدورة النفسية فيبدأ بالنظر إليها أخيراً على نقيض ما كان ينظر إليها أولاً.
وأما أكثر الفشل الذي يعانيه شبابنا من جراء أحكامهم المتسرعة إذ يبنون عليها أعمالهم ثم يظهر بعدئذ أنهم كانوا ينظرون إلى جانب واحد من الأمر ويهملون الجوانب الأخرى.
قال لي أحد هؤلاء الشبّان الطائشين وقد كان في فورة غرامية كبرى: إن الفتاة التي يحبها هي خير من على وجه الأرض. ثم سألته بعد زواجه منها فأجاب: إنها شر من عليها.
والواقع أنها كانت خيراً وشراً معاً ولكن صاحبنا كان ينظر قبل الزواج إلى محاسنها فقط، ثم نظر بعد الزواج إلى مساوئها. فأمسى بذلك كالمؤرخين الذين انتقدهم ابن خلدون، إذ ينطبق عليه وعليهم حكمة الشاعر العربي حيث يقول:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
كما أن عين السخط تبدي المساويا.
القانون الثالث: وهو يسمى بقانون الوسط المرفوع. ويقصدون بذلك أن العالم مؤلف من جانبين أو طرفين لا ثالث لهما: جانب الحق وجانب الباطل، أو جانب الجمال وجانب القبح، أو جانب الخير وجانب الشر.. إلخ.
فالشيء إما أن يكون في هذا الجانب أو ذاك، وإذا خرج من جانب دخل حالاً في الجانب الآخر. فليس هناك في هذا المنطق بين بين. وقد قال عيسى قديماً:"من لم يكن معنا كان ضدنا".
إن هذا على أي حال هو منطق الوعظ ومنطق الصراع بين المذاهب. فأنت إما أن تكون مع الحقيقة أو ضدها. فإذا عزفت عن الحقيقة قليلاً وجب حربك والقضاء عليك.
يقول (شيلر)، الفيلسوف الإنجليزي المعروف، في وصف هذا المنطق:"إن الحقيقة في ضوء المنطق المطلق واحدة، والآراء يجب أن تكون متفقة. فأنت إما أن تكون مع الحقيقة أو ضدها. فإذا كنت ضدها فأنت هالك.
أما إذا كنت مع الحقيقة فليس لأحد أن يجرأ على مناقضتك. إنك محق عند ذلك إذا غضبت على أولئك الذين يجادلون في الحقيقة. الحقيقة حقيقتك أو هي بالأحرى أنت إذا جردت نفسك من مشاعرك البشرية".
لقد نسفت العلوم الحديثة هذا القانون من أساسه. ففي الفيزياء مثلاً وجدوا أن المادة ليست موجودة في مكان معين بالذات، فقد كانوا قديماً يقولون بأن المادة موجودة هنا وغير موجودة هناك. أما اليوم فقد أخذ العلماء يعتقدون بأن المادة لا حد لوجودها في الفضاء.
فهذا القلم الذي أمسكه بيدي الآن مثلاً موجود في كل مكان فما دام هو مؤلفاً من طاقة كهربائية، كما أبانت ذلك أبحاث الذرة الأخيرة، فمجاله الكهربائي المغناطيسي إذن يشمل الكون كله. فنحن حين نحس بوجود القلم بين أصابعنا إنما نتأثر بوهم حواسنا المحدودة.
إن مجال القلم موجود هنا وهناك بدرجات متفاوتة؛ فكلما ابتعدنا عنه كان تأثيره الكهربائي المغناطيسي أقل طبعاً. ولكن هذا لا يعني أنه غير موجود في مراكش،مثلاً، في نفس الوقت الذي هو موجود بين أصابعي وأنا أكتب هذه السطور.
إن حواسنا قد ركبت بحيث لا تشعر بتأثير المادة إلا في داخل حدود معينة. فالقلم الموجود بين أصابعي هنا لا يشعر أحد بوجوده في مراكش لأن مجاله المغناطيسي هناك ضعيف جداً لا تستطيع الحواس الخمس المعروفة أن تدركه.
خير مثل نأتي به لتوضيح هذا الأمر هو الأصوات الضعيفة جداً أو القوية جداً. فنحن لا نسمعها لأنها خارجة عن القدرة التي تتأثر به أعصاب سمعنا. وأنها رغم ذلك موجودة قد يسمعها من يملك أعصاباً أدق من أعصابنا على وجه من الوجوه.
تسمى هذه النظرية في الفيزياء الحديثة بنظرية المجال، وهي كما لا يخفى مناقضة لقانون الوسط المرفوع. إذ هي لا تجيز تصنيف الأمور إلى حدين منفصلين. إن الوجود حسب هذه النظرية ممتد لا انفصال فيه، والاختلاف إذن بين وجود وآخر هو اختلاف بالدرجة لا بالنوع.
وقد أثرت هذه النظرية في علم النفس والاجتماع وقلبت الآراء فيهما رأساً على عقب.
فنحن عادة نصنف الناس إلى مجانين وعقلاء مثلاً ونتصور وجود حد فاصل بين هذين النوعين من الناس. أما في علم النفس فلا وجود لهذا الحد الفاصل. فكل انسان في رأي هذا العلم مجنون إلى درجة ما. والفرق الاعتباري بين المجنون والعاقل ناتج من اختلاف درجة الجنون بينهما شدة وضعفاً.
وإننا حين ندرس عقلية الناس في الواقع لا نرى فيها فرقاً نوعياً. فمن الممكن وضع أفراد الناس جميعاً على مدرج متصل، وهو ما يسمى في الاصطلاح العلمي بالمستمر (continuum). فكثير ممن نحسبهم عقلاء لا يختلفون عن المجانين إلا بفرق بسيط.
وربما كانوا هم في الحقيقة مجانين لكن المجتمع قد استثناهم من وصمة الجنون لما هم عليه من غنى أو منزلة أو منصب أو عشيرة تسندهم. ولعل بعض من يحسبهم مجانين كانوا أصح عقلاً منهم، لكن المجتمع قد احتقرهم لفقرهم أو دمامتهم أو عاهتهم فأسرع إلى وصمهم بوصمة الجنون.
سوف نبحث في موضوع الجنون بشيء من الإسهاب فيما بعد. ومن الممكن تعريف الجنون باختصار هنا فنقول: إنه إنغمار في الذات وقلة إعتراف باللاذات. فالجنون الشديد هو الذي يخلق لصاحبه عالماً خاصاً به له قيمه ومثله وأهدافه، بحيث يمنعه من فهم العالم الخارجي والتكيف له.
وعلى هذا هذا الاعتبار فإننا جميعاً مجانين ولكن على درجات متفاوتة. إذ لا يخلو أحدنا من إنغمار في ذاته قليلاً أو كثيراً ومن إهمال لمفاهيم المجتمع أحياناً. إن إهمال الفرد لمفاهيم المجتمع وقيمه هو الذي يدعو المجتمع إلى وصمه بوصمة الجنون.
ولو تكاثر المجانين في مجتمع وبقي فيه فرد واحد عاقل لأصبح هذا الفرد هو المجنون وصاروا هم العقلاء - ولله في خلقه شؤون.
إن الناس ميالون بطبيعتهم إلى التصنيف الثنائي. وهم بذلك قد اصطنعوا حداً فاصلاً يفصل بين الأفراد من ناحية العقل أو الخلق أو المنزلة أو ما أشبه. هذا بينما الأفراد في الواقع متفاوتين تفاوتاً تدريجياً لا يقبل التصنيف الثنائي.
#علي_الوردي
#خوارق_اللاشعور

جاري تحميل الاقتراحات...