[ من أنا ]
أول من نطق بال "أنا" وشقيَ بها شقاوة الأبد هو ابليس، حين قابَلَ الأمر الإلهي بسلاحِ ال"أنا" مع غير اعتبار لتبريراتِهِ، ف متى ما اُستُعصِمَ بال "أنا" سقطَت كُل التبريرات. ما لم يكُن الإنسان أُستاذاً في معرفة النفس ومعرفة باطِنِهِ، فلن يبلُغ عُمق التواصل الحقّ مع الله
أول من نطق بال "أنا" وشقيَ بها شقاوة الأبد هو ابليس، حين قابَلَ الأمر الإلهي بسلاحِ ال"أنا" مع غير اعتبار لتبريراتِهِ، ف متى ما اُستُعصِمَ بال "أنا" سقطَت كُل التبريرات. ما لم يكُن الإنسان أُستاذاً في معرفة النفس ومعرفة باطِنِهِ، فلن يبلُغ عُمق التواصل الحقّ مع الله
ومع ما سِواه، ومن قديم قال أفلاطون: لا يحيا إنساناً، من لا يعرفُ باطِنَهُ؛ فهو أي شيء آخر عدا أن يكون إنساناً، وفي مشهور السالِكين والعارفين كما ورد في الأثر: ومن عرفَ باطِنَهُ عرفَ بواطِن الأشياء؛ فأعمق معرفة أن تعرف ذاتك تماماً، وهُنا قد يقول قائل: إذاً فقط تورطنا مرةً أُخرى
بال "أنا"، وهُنا أقول: الذات أو "الأنا" الباطِنيّة بعيدة كُل البُعد عن هذهِ "الأنوات" التي نعيشُها وهي "أنوات" زائِفة ومُزَيَّفَة ومُزَيِّفَة؛ أقنِعَة نتقنع بِها، حُجُب نحتجب بها ومن ورائِها، ومتى ما داهمتنا ساعةُ الموت نكتشف حينها أننا لم نعش أصلاً، بل كُنا خيالات وأوهام،
وكيف يُعَدُّ حياً فضلاً عن أن يُعدَّ إنساناً حقيقياً من عاشَ ومات ولم يعرِف نفسَهُ وباطِنَهُ، من عاش مُغتَرِباً عن نفسَهُ محجوباً عنها غير مُتَأَنِّس بها غير قريب منها جاهِلاً بِها، ونحن نتحدث هُنا عن العيش بال "أنا" الحقيقية تلك الهِبة الإلهية، التي خلقها الله وأبدعها وأودع فيها
لُب لُباب الخير؛ ومن هنا نفهم لما المُعلِّمون الكِبار حول العالم لا يوصُون بالإجتهاد كي يصيرَ المرء إِنساناً صالِحاً حيوياً وحقيقياً لا واهِماً ولا مُتَوَهِّماً ولا فراغيّاً بقدر ما يوصُوا بالاسترسال مع الذات الباطِنيّة، بمعنى اُترك الخير الذي بذره الله في أرض النفس لينمو ويزدهر
بكُل بساطة؛ وهذهِ العفوية والتلقائية هي سرّ التديُّن الصحيح وسرّ العبقرية والإِبداع، وما من عبقري مُبدع يُثري المسيرة الإنسانيّة إلا يسلُك على هذا النحو؛ ولذلك دائماً ما تعُدُّهُم المجتمعات على أنَّهم خارجين عن المألوف والمِسطَرَة.
كأبناء جيلي والأجيال القديمة حين نقوم باستنكار اختيارات أبنائنا مُتهمين إيّاهم بالجهل بمعرفة الجمال ومقاييسه، وأقول هُنا لعلَّهم هُم الأقرب مِنا للحقيقة ولعلّنا نحنُ المُزيفين، ذلك ولأنه في عصر العولمة يتبيّن لي بأن أبناءِ الأجيال الحالية يختارون بمحض إرادتهم الكامِلة
وإلا فلِم تتمايز معايير الجمال بيننا وبينهم، وذلك لأنهم صدقوا في اختياراتهم في ما يُريحَهُم ويحبونَهُ بحقّ، أما في الأجيال السابقة وجيلي من عُقبِها فقد كان يُختار لنا ويُفرَض علينا معايير مُعيّنة ونحن نتماهى معها وبها ونندمج فيها، فقد خادعنا أنفسنا وزيّفنا حتى عواطِفنا ورغباتِنا؛
ولذلِك حياتُنا كثيراً ما تكون قلِقة ومُهتَزّة ويبرُز فيها ظواهِر كثيرة بالنسبة لمُعظمنا غير قابلة للفهم والتفسير وسأحكي عن ظاهرةٍ مِنها، هذهِ الظاهِرة تتكرر باستمرار ووقائعُها غير محصورة؛ شخص يدّعي أنه يُقَدِّر ويُثَمِّن زوجته جداً وأن لا مِثال لها في البشرية،
وهو يُكثر من ذكر محاسِنها فأغلب المجالِس، وفجأة بعد أن نثرت له بطنها وكبر الأبناء وربتهم تربية حسنة، قرر أن يتخلّى عنها، وبالأمس القريب جداً هو كان يُدِل بمحاسِنها وأنّها من بركاتِ اللهِ عليه، فالذي حصل هُنا يُفهمنا ما يحصُل معنا في أغلب علاقاتنا مع أساتذتنا وأصدقائنا وأهلينا؛
فما حصل معه أنّهُ كان بعيداً عن ذاتِه، كحال أغلبنا، لم يعرف نفسه وعاش بقناع، ب"أنا" ليست "أناه" الحقيقية؛ فما حصل معه أن حبه لزوجته لم يكن حُباً وذلك لأن ال"أنا" الزائفة تتماهى مع الممتلكات؛ ولتوضيح هذا المعنى يلزُم أن أوضَّح بمثالٍ آخر،
منذ البداية حين وُلدنا وكُنّا أطفالاً كُنّا نَخبُر الوجود والعالم وأشياء الوجود والتواصل معها، وحين كبرنا قليلاً فقدنا هذه الخبرة؛ فالخِبرة الأُولى كانت في منتهى الروعة والحيويّة والعُمق بحيث تعجز اللغات عن أن تُوَصِّفَها، إزاء المطر وحفيف الشجر وإزاء رائِحة التراب وألوان الفاكهة
وإزاء القمر في الليل والنُّجوم حين توشوش لبعضها في الليلِ الحِندِس وإزاء النَّغَم والموسيقى، خِبرة عجيبة مُفعَمة حُري بِنا أن لا نَنساها، والحسرة هُنا على أن اللغة لم تُسعفنا وقتها كي نعبّر عن ما نخبُر، والشاهِد أن ما حَصَل معنا بعد أن كبرنا، أن التسميات قلَّصَت عالمنا واختزلته
وجعلته جامداً حيث فقد مائهُ وروحه وحيويته وتماهى هذا العالم الزائف مع المُلصقات والتسميات التي وضعناها عليه، وصدّقنا أن القمر هو لفظة القمر، فلا القمر هو ليست لفظة القمر، وإذا أردت أن تعرف القمر حقيقةً فهو أقرب بمليون مرحلة إلى الخبرة، خبرتك القمرية مع هذا القمر وأنت طفل قبل أن
تغتالك اللغة والقوالِب، وتُزيِّف ليس فقط وعيك الباطِن وانفعالاتك الفعليّة بل تُزيّف حتى إدراكك الحسّي؛ حيث يكون أمامك الشيء وتراه رؤية بصرية ولكنك لا تراه رؤية رؤيوية، حتى في الأحداث والمعاني يحصل معانا نفس الشيء، وذلك لأننا لا نعيش في علاقة مُباشريّة أي مُباشَرَة مع العالم،
بل في علاقة أو تواصل موسوط بالمنظورية؛ فنعيش عبر المنظورية ( بناءً على المفاهيم ) في عالم مفهومي، وهذا ما تفعله اللغات والتسميات والأنماط، فنحن بدل أن نعيش الواقع ذاتوياً كما هو، نعيشه مفهومياً.
فحاوِل أن تفهم أنك أكبر من كل دورٍ تُريد أن تلعبه أو لعبته في حياتك ( ك طبيب أو
فحاوِل أن تفهم أنك أكبر من كل دورٍ تُريد أن تلعبه أو لعبته في حياتك ( ك طبيب أو
أو مهندس أو أب أو أم ) وأكبر من كُل مسمياتك، وعليه حاوِل أن تصل للحظة الوعي بالوهم؛ أن تُدرِك في لحظةٍ ما أن هذه ال "أنا" من وظيفة وإنجازات وعلاقات هي مُجرد وهم، ومتى ما أدركت أنها وهم ولا تُعبِّر عن حقيقتِكَ ككائِنٍ مُعَظَّم تَبَخَّرَت، وستبدأ حينَها بمعاينة الحقيقة؛ لأن موت ال
"أنا" المُزيَفة يكون في إدراك وهميتها؛ فحين تشعُر أنك لست لقبك ولا ممتلكاتك ولا تقول أنا أكبر من (وظيفتي أو لقبي أو ... إلخ) لأنّك ستتورط في وهم أكبر، فالحكاية ليست حكاية أكبر بل الحكاية أنني لست علمي ولا لقبي ولا ممتلكاتي ولا علاقاتي ولست بدلتي ولست دوري في المجتمع،
فهذه أشياء ليست سوى قدر رباني وحصلت، بل أنا شيء مختلف تماماً وأعمق من هذا بكثير.
وفي الخاتِمة، الذي لا يعيش "أناه" الحقيقية، ولا يُعبّر عنها بحرية انفعالية ويستجيب لها ويُحسن الإصغاء لها؛ يعيش زائفاً ومُزَيِّفٍ ومُزَيَّفَاً، ممثل فاشل يُصاب بخيبات وانكسارات وفشل دائم رُغم ما قد
وفي الخاتِمة، الذي لا يعيش "أناه" الحقيقية، ولا يُعبّر عنها بحرية انفعالية ويستجيب لها ويُحسن الإصغاء لها؛ يعيش زائفاً ومُزَيِّفٍ ومُزَيَّفَاً، ممثل فاشل يُصاب بخيبات وانكسارات وفشل دائم رُغم ما قد
يظهر على الساحة وعلى السطح من نجاحاته، إلا أنها كُلّها تُعتبر فشل لأنه لم يعرف نفسه، ولن يكون ذاك الشخص السعيد ولا الملآن ولن يُجرِّب الطمأنينة والهناء.
( أنا ) #عدنان_إبراهيم
( أنا ) #عدنان_إبراهيم
@Rattibha رتبها
جاري تحميل الاقتراحات...