محمود
محمود

@_mah_moud

15 تغريدة 37 قراءة Jun 07, 2021
الديموقراطية هي الحل؟
في جدال عن الغذاء يدور أمام جمهورٍ من الأطفال، فإن الحلواني كفيل بأن يهزم الطبيب. وفي جدال أمام جمهور من الكبار فإن سياسيًا تسلح بالقدرة الخطابية وحيل الإقناع كفيل بأن يهزم أي مهندس أو خبير، إن دغدغة عواطف الجمهور ورغباته لأشد إقناعًا من أي احتكام إلى العقل.
تعوّدنا على التفكير بإعجاب في الديمقراطية، والإعجاب بأثينا القديمة: الحضارة التي أوجدت الديمقراطية. البارثينون (أثر إغريقي في مدينة أثينا) أصبح تقريبًا مرادفًا للقيم الديموقراطية؛ ذلك هو السبب في أن الكثير من قادة العالم يحبون التقاط الصور التذكارية لهم هناك.
لذلك فمن المفاجئ جدًا اكتشاف أن واحدًا من الإنجازات العظيمة لليونان القديمة وهي الفلسفة، كانت مرتابة جدًا من الانجاز الآخر، الديمقراطية!
الأب المؤسس للفلسفة اليونانية -سقراط- يظهر في حوارات أفلاطون، كمتشائم بشكل كبير حول جميع الأمور المتعلقة بالديمقراطية. في الكتاب السادس من "الجمهورية" يظهر سقراط في محادثة مع شخصية اسمها أديمنتوس، ويحاول إقناعه بعيوب الديمقراطية عن طريق تشبيه المجتمع بالسفينة.
لو كنت في رحلة عن طريق البحر، يسأل سقراط، مَن الذي تفضل أن يقرر من هو المسؤول عن السفينة؟ أي شخص؟ أم أشخاص لديهم خبرة بأمور البحار؟ الأخير بالتأكيد، يرد أديمنتوس. فلماذا إذن، يجيب سقراط، نستمر بالاعتقاد أن أي شخص متقدم في السن يمكن أن يكون مناسبًا ليقرر مَن يكون حاكمًا للبلاد؟
وجهة نظر سقراط هي أنّ التصويت في الانتخابات هو مهارة، وليس حَدْسًَا عشوائيًا. ومثل أي مهارة أخرى فإنها تحتاج إلى أن تُدرَّس بشكل منهجي للناس. السماح للناس بالتصويت بدون تعليم هو عمل غير مسؤول كما لو أنّك تمنحهم مسؤولية الإبحار في سفينة ثلاثية المجاديف وسط عاصفة شديدة.
لقد شهد سقراط شخصيًا، تجربة كارثية بسبب الديموقراطية. ففي عام ٣٩٩ ق.م أُحيل للمحاكمة في اتهامات بإفساد الشباب. وقد دُعي ٥٠٠ من الأثينيين إلى هيئة المحلّفين للنظر في القضية، وقررت الهيئة وبهامش ضيّق أنه كان مذنبًا. وقد نُفّذ فيه حكم الإعدام عن طريق شرب السمّ في حدثٍ مأساويٍّ جدًا.
سقراط لم يكن نخبويًا بالمعنى المعتاد؛ فهو لم يكن يؤمن أن قلّة قليلة فقط هي التي يجب أن تصوّت دائمًا. إنه فقط، أصر ّعلى أن أولئك الّذين يفكّرون بعقلانية وعمق هم مَن يجب أن يُسمح لهم بالتصويت.
لقد نسينا هذا الاختلاف بين الديمقراطية الفكريّة والديمقراطية المكتسبة بالولادة؛ لأننا قدمنا ​​حق التصويت للكل دون ربطه بالمعرفة. وسقراط عرف بالتحديد إلى أين سيؤدّي ذلك: إلى نظام يخشاه الإغريق قبل كل شيء، الديماجوجية (السلطة المكتسبة من الخوف).
كانت لدى أثينا القديمة تجربة مؤلمة مع الديماجوجيين، على سبيل المثال، شخصيّة "السيبياديس" سيئة السمعة، الرجل الثريّ، الغنيّ، المُلهِم، الذي مزّق الحرّيات الأساسية، وساعد على دفع أثينا إلى مغامرات عسكرية كارثية في صقلّية.
عَلِمَ سقراط مدى سهولة أن يستغل المرشّحون رغبتنا في الحصول على إجابات سهلة. وطلب منّا أن نتخيّل مناظرة انتخابيّة بين مُرَشَّحَين اثنين، واحد منهم طبيب والآخر صاحب متجر للحلوى.
صاحب متجر الحلوى سيقول عن منافسه: انظروا، هذا الشخص سبّب لكم الأذى؛ إنه يمنحكم جرعات مريرةً ويطلب منكم عدم تناول ما تحبون من الطعام والشراب، لن يُقدّم لكم الكثير من الأشياء المتنوعة اللذيذة والمفرحة مثلما سأفعل أنا.
سقراط يطلب منّا أن ننظر في استجابة الجمهور: هل تعتقد أن الطبيب سيكون قادرًا على الرد بشكل فعّال؟ الإجابة الحقيقية -أنا أسبب لكم المتاعب، وأذهب ضدّ رغباتكم من أجل مساعدتكم- سوف تسبّب غضب الكثير من الناخبين، ألا تظنّ ذلك؟
لقد نسينا كل شيء عن تحذيرات سقراط البارزة ضد الديمقراطية. لقد فضّلنا أن نفكر في الديمقراطية كما لو أنها سلعة لا لََبْسَ فيها - وليست كشيء فعّال بقدر فعاليّة نظام التعليم الذي يحيط بها. ونتيجة لذلك، فإننا قد انتخبنا العديد من أصحاب متاجر الحلوى، والقليل جدًا من الأطباء.

جاري تحميل الاقتراحات...