منصور العساف
منصور العساف

@mansoralassaf

39 تغريدة 522 قراءة Dec 12, 2020
كما وعدتكم بالأمس..
ستجد تحت هذه التغريدة -بإذن الله- رصد مفصل عن "قصة الكوريين" في بلادنا والمشاريع التي استلموها...احفظها إن كانت من اهتماماتك واعد إرسالها إن حازت على إعجابك..
ما أن وضعت حرب العاشر من رمضان أوزارها إلا وقفزت أسعار مبيعات النفط إلى أرقام فلكية بعد قرار الملك فيصل - رحمه الله- حضر تصدير النفط عن الدول الداعمة للكيان الصهيوني، ومع منتصف السبعينات وقعت وزارة الأشغال العامة والإسكان بمعية الوزارات الخدمية حزمة من مشاريع البنى التحتية..
انهالت الخيرات وامتلأت مخازن الدولة فقرر الملك فهد (ولي العهد حينها) استثمار جزء كبير من هذه المبالغ في مشاريع البنى الأساسية في حين اهتم الملك خالد بدعم المواطن بزيادة الرواتب (مرتين) وتقديم القروض والمنح وخفض الرسوم وهي سياسة بدأها الملك فيصل لكنه توفي -رحمه الله- مع بدايتها..
وقعت الدولة حينذاك مع عدد من الشركات الكورية أهمها شركة "هونداي القابضة" والتي تتبعها عدة شركات أوكلت لها مشاريع الكهرباء والمياه والهاتف وبناء عدد من الجامعات والمطارات والطرق والمباني وظلت مشاريع نقل أسلاك الهاتف والكهرباء إلى باطن الأرض أكثر هذه المشاريع في ذاكرة السعوديين..
استقدمت المملكة مايقارب (٧٢٠,٠٠٠) عامل من كوريا الجنوبية لتصبح العمالة الكورية آنذاك ثالث أكبر عدد في احصائيات العمالة الأجنبية بالمملكة..
وحتماً لم يكن هذا الرقم في مدينة أو منطقة معينة بل شمل معظم -إن لم يكن كل- مدن وقرى وهجر المملكة ماعدى مكة المكرمة والمدينة المنورة..
فاقت ميزانية تلك المشاريع (خمسمائة مليار ريال) لكنها جاء على نحو سبع إلى عشر سنوات وأصبحت إسكانات العمالة الكورية تملأ فضاء مدن وقرى المملكة وأصبح مشهد "الكوريين" في جميع مناطق المملكة أمراً مألوفاً كما هو حال العمالة الهندية في عصرنا الحالي..
تميز الكوريون بأنهم منضبطون في أعمالهم ينتشرون مع إشراقة الصباح الباكر وبحلول الخامسة عصراً يغيبون عن المشهد فلا تجدهم (أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) وقد صاحب حضورهم للمملكة قصص وحكايات مع الطلاب والطالبات وحري بنا سرد بعض منها لاسيما وأن الآباء والأمهات مازالوا يتذكرونها..
شاع بين الناس آنذاك أن الكوريون يأكلون لحوم البشر لا سيما الأطفال وهذا امتداد لقراءات تاريخية رواها المؤرخون العرب عن جيوش التتار والمغول حين هاجموا بلاد المسلمين ووقفوا على أسوار بغداد حيث ذكروا من جملة صفات التتار (أنهم يأكلون أي لحم وجدوه) وصادق على ذلك أكلهم للكلاب الضالة..
شاعت هذه الأخبار بين الناس وتناقلها الكبار أمام مسامع الصغار فضرب الرعب أطنابه في قلوب الأطفال وأصبح شبح "الكوريين" حائلاً بينهم وبين الشارع أما الطريق إلى المدرسة فكان حكاية أخرى فالطلاب والطالبات أمام شبح الحفريات التي قطعت أوصال الحي فكان من الصعب تجاوز تلك الخنادق العميقة..
وياحسرة هؤلاء الأطفال وهم يقفون أمام هذه الحفريات يحاولون تجاوزها للوصول إلى المدرسة صباحاً أو المنزل بعد الظهيرة..
لم تكن ثقافة جسور المشاه معروفة آنذاك ولذا كان الطلاب والطالبات يرمون "بمربوعة" من الخشب لتجاوز هذه "الحفرية" وفي أثناء العبور قل ما شئت في وصف هذا المشهد المرعب..
كان الطلاب والطالبات يذهبون لمدارسهم بكوراً و رواحاً عبر السير على الأقدام وهم حينذاك بين أمرين أحلاهما مر، فإما قطع هذه الخنادق العميقة أو البقاء بالقرب من ثكنات الكوريين وكم استجاروا حينها من الرمضاء بالنار فقطعوا هذه الخنادق بمبدأ "إما غناة الذيب والا فقرة"
ناقشت الصحف المحلية عبر المقالات والتحقيقات والتغطيات الميدانية إشاعة (أكل الكوريين للأطفال) أما مسألة أكلهم للكلاب فقد ثبتت وشاهدها الناس -لاسيما الأطفال- بأعينهم ولا شك أن المدن والقرى شهدت انحسار لظاهرة الكلاب الضالة التي -أيضاً- كانت تخيف الطلاب والطالبات على حدٍ سواء..
انحسر خروج الأطفال للشوارع لا سيما الفتيات لكن ذلك توافق مع انتقال الناس من المنازل المبنية(على الصامت) إلى الفلل الواسعة فالمجتمع آنذاك بدأ يرفل في نعيم الطفرة فاستغنت الفتيات بفناء المنزل عن ما سواه وأصبحت تسمع أنشودة " الله رب الخلقِ أمدنا بالرزق" من خلف أسوار المنازل الواسعة
وافق تواجد العمالة الكورية سنوات توزيع وجبات التغذية المدرسية على طلاب المدارس، ولم يكن الأطفال آنذاك يستسيغون بعض الوجبات مثل "حلة اللحم" و "الرافيولي" ولذا كانوا حين خروجهم من المدرسة وأثناء المرور بالكوريين يقدمون بعض هذه الأكلات لهم تأليفاً لقلوبهم وكسباً لرضاهم..
نهاية السبعينات انتشر بين العامة خبر رشوة المليون ريال التي حاول فيها أحد المسؤلين الكوريين استمالت مدير الكهرباء آنذاك الدكتور محمود طيبة الذي كان على دين وأمانة فأخبر الجهات الأمنية فتم القبض على ذلك المسؤول الكوري وقد ذكر غازي القصيبي تفاصيل القصة في كتابة حياة في الإدارة..
انتشرت آنذاك بكرات الأسلاك الكهربائية في ميادين المدن والقرى وأصبح منظرها مألوفاً لدى عامة الناس بأحجامها الكبيرة والمتوسطة أما الأطفال فاتخذ منها الأطفال مقراً لاجتماعاتهم وغرفاً لتبديل ملابسهم أثناء لعب الكرة..
ارتبطت هذه البكرات ذهنياً بالكوريين كما ارتبط بهم الفرهول السماوي..
عام (١٤٠١) حيث الميزانية الأعلى في تاريخ بلادنا آنذاك حضر المنتخب الكوري الجنوبي لإقامة لقاء ودي مع منتخبنا السعودي..امتلأت مدرجات ملعب الملز وتم إقفال بوابات الملعب قبل بدء المباراة التي انتهت بالتعادل الإيجابي..
لم يكن الحضور حينها مقتصراً على جماهير منتخبنا فقط..
عام (١٤٠٢) وفي سابقة تاريخية نقل التلفزيون السعودي تفاصيل عدد من الجرائم التي ارتكبها بعض الجناة وكان من أشهرها جريمة قتل مقيم عربي وزوجته بالرياض وجريمة قتل عدد من موظفي أحد المصرف في المنطقة الشرقية قام بها بعض أبناء الجالية الفلبينية ما زاد خوف الناس من العمالة الشرقية..
كانت العمالة الكورية متقنة لمهامها ودقيقة في تنفيذ ما أوكل إليها وما زالت مشاريعها التي نفذتها مثالاً يحتذى رغم أن بعض هذه العمالة لم يكن -قبل مجيئه للمملكة- قد سبق له العمل في هذا التخصص أو ذاك إلا أنهم كانوا على درجة عالية من الاتقان رغم عدم تطور معدات البناء آنذاك وندرتها..
عام (١٣٩٩) قبضت دوريات النجدة بالرياض على أحد العمال الكوريين بعد سرقته لمبلغ من المال..
لم يجد هذا العامل مكاناً يُخفي فيه الأموال التي سرقها إلا في أعلى عمود إحدى صالات الملاعب الرياضية وحينها كان الخبر الأبرز في صحف ذلك الزمان (عامل كوري يستفيد من خبرته في تسلق أعمدة الكهرباء)
ولأن البشر أبناء زمانهم فقد راج بين عامة الناس آنذاك طرائف ونكت تحاكي بساطة ذلك الزمان..
سُئل أحدهم لماذا يمتهن الكوريون أعمال الحفر يات فيرد الأخر لأن عيونهم ضيقة لا يدخلها التراب.
ويسأل المشرف اللبناني أحد عماله الكوريين عن اسمه فيقول: من شان شو..
فيقول اللبناني: من شان نتعرف..
انتهت عقود الشركات الكورية منتصف الثمانينات الميلادية بيد أن توديعهم المملكة كان حزيناً بالنسبة لهم فمنتخبهم الذي تقدم بهدفين في المباراة الشهيرة مع منتخبنا تلقى خسارة مدوية بالخمسة في مباراة "دراماتيكية" انتهت(٥-٤) وفيها ظهرت العبارة الشهيرة (خالدين فين)
youtu.be
مطلع القرن الهجري الحالي الموافق (١٩٨٠) شاهد الشاعر عبدالله بن خميس العمال "الكوريين" وهم يعملون لإيصال الطاقة الكهربائية لضواحي الرياض فأرسل لوزير الكهرباء غازي القصيبي يطلب منه إيصالها لوادي ابن عمار شمال غرب العاصمة حيث مزرعته الخاصة فقال يصف حاله مع رائحة الجاز وضوء الفانوس
على الذبالة والفانوس والجاز
عيشي ظلامك حتى يأذن الغازي
إذا سألت وزير الكهرباء بها
من أنجز النور فيها؟ قال إنجازي
وإن سألت لماذا ظل في غلس
وادي ابن عمار هز الرأس كالهازي
أظل فيه بلا نور يؤانسني
وفي حنادسه عطلت تلفازي
ولي قرينان لا أنفك دونهما
أصاحب الليل كشافي وعكازي
فرد القصيبي
أوعزت للقوم حتى كل إيعازي
وقلت لاتتركوا صحبي على الجازي
وقلت هذا خميس الشعر جاءكم
يحدو الشوارد لم تهمز بمهماز
أعطاكم من حسان الشعر فاتنة
مجلوة بين إبداع وإعجاز
وما هجاكم وحلو الطبع شيمته
ولو هجاكم لذقتم سطوة الهازي
أي الوساطات بين الناس نافذة
إن الوساطة أفعى ذات إنجاز
وفي عام(١٤٠٣) كتب ابن خميس مذكراً وعاتباً تأخر وصول المقاول:
وعدتم غير أن الوعد خيل
أتي منا على خمس عجاف
دفعتم بالمقاول كي نراه
فما وفى القليل ولن يوافي
أثير عنده خمسون شغلا
ويرضيهم بما دون الكفاف
فلو أن المدى شهر وشهر
وتسعة أشهر عدا توافي
ولكن المدى مطل ومين
وتسويف عقوبته عوافي
فرد القصيبي بقصيدته الشهيرة:
أعبدالله ياشيخ القوافي
ومرتجل البديعات الظراف
هجرت الناس والدنيا وحيدا
بعمارية وسط الفيافي
يفرقها عن العمران درب
طويل ذو انعراج وانعطاف
فلا هليكوبتر تفضي إليه
ويشكو الجمس من طول المطاف
وتغفو أنت في ظل ظليل
وتمرك يانع والماء صافي
وأقرأ الف معروض وشكوى
وتقرأ أنت أشعار الرصافي
وأحمل في دمي همي البرايا
وهمك نصب حال أو مضاف
تقول الي بالتيار فورا
وإلا فارقبوا غضب السنافي
تظل تسومني التقريع شعرا
ولا يغنيك أو يشفي اعترافي
فلست بمارد من نسل جن
ولكني من البشر الضعاف
ثم وصف عقود الشركات الكورية فقال:
يكبلني النظام وكنت تشقى
به قبل التفرغ للقطاف
فبالتصميم نبدأ ثم تأتي
مناقصة وفتح للغلاف
ويعقب ذاك تحليل طويل
وقد يتلوه تقييم إضافي
سألت القوم عنك فأخبروني
بأن الكهرباء غدا توافي
فإن جاءت فكافئنا بشعر
كضوء الحب في ليل الزفاف
وهي طويلة وهذه صورتها
أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات سكن وزير الكهرباء (القصيبي) حي الروضة فوافق ذلك أعمال الشركات الكورية فغبط أهل الرياض سكان حي الروضة لكون وزير الكهرباء وعدد من المسؤولين كانوا من سكان الحي ما دعى غازي أن يوضح بأن الكوريون يعملون في كل بقاع المملكة ولا يقتصر دورهم على الكهرباء..
تصحيح..
في التاسع عشر من شهر ذي الحجة عام (١٤٠١) الموافق (١٩٨١) منتخبنا الوطني -بعد معسكره بالبرازيل- يلتقي بالمنتخب الكوري في مباراة شهيرة امتلأت بها مدرجات ملعب الملز (حضرت فيه العمالة الكورية) فاز منتخبنا بهدفين سجلهما فهد المصيبيح وماجد عبدالله فماذا قالت الصحافة آنذاك..
عاش الكوريون في بلادنا قرابة عقد من السنين وحملت الذاكرة المجتمعية صوراً من العلاقات البينية بين أبناء القرى والهجر وغرباء المشرق
في إحدى البوادي رفضت امرأة مسنة أن تسمح للمهندس الكوري أن يمد كيابل الكهرب لمنزلها الطيني إلا بعد أن يحل ضيفاً علي ابنها بعد أن ذحبت له إحدى غنيماتها
في بلاد #بلقرن رفض هؤلاء الكوريون مغادرة إسكانهم قرب بلدة البضاضة دون أن يقدموا هدية لأبناء هذه البلدة الوادعة التي استقبلهم أهلها بمواجيب الكرم العربي طيلة فترة عملهم بمشاريع الطرق فبادروا -من تلقاء أنفسهم- ببناء برج لخزان علوي يسحب الماء من أكبر بئر في البلدة ويسقي منها الأهالي
عمل بعض الكوريون على
مساعدة الأهالي في القرى والهجر وساهموا في صيانة مكائن "البلاكستون" وتوضيب بعض السيارات وهو ما دعى أحد "الكدادة" أن يردد أبياته التي طار بها الركبان وهو يقول:
ياسعود قرّب لنا الغوري
نبغى نتقهوى مع الكوري
اليوم وضّب مكينتنا
وقبل أمس وضّب لنا اللوري
لم يستفد تجار التجزئة في بلادنا من العدد الكبير للكوريين، بيد أن تجارة التموين الغذائي وجدوا رواجاً لمبيعات أسماك البلطي المجمدة وأصابع السجق المعلبة وحينها عرف الناس ثقافة الأندومي بشكل أكبر..
وهنا تركت لكم القصة من جوانب أخرى مع الزميل المبدع @MazenROG
podcasts.apple.com
العقود الضخمة التي وقعتها المملكة مع كوريا كانت محل اهتمام بالغ من قبل الحكومة الكورية وفي شتاء عام (١٩٨٠) زار الرئيس الكوري الملك خالد في الرياض وفي جدة عام (١٩٨٣) افتتح الأمير ماجد الحديقة الكورية بمنطقة الكورنيش كهدية من الحكومة الكورية..
بعد قرابة عقدين تمت إزالة الحديقة..😞
مثّّلت العمالة الكورية صفحة من سجل ذكرياتنا المجتمعية التي لم تغب عن ذاكرة آباء وأمهات هذا الزمان لم لا ؟ وهي تمثل حقبة زمنية ونقلة مجتمعية شهدت كماً وافراً من الغرائب لعل من بينها أن يتزامن غياب هذه العماله عن مجتمعنا مع حضور السيارات الكورية في شوارعنا منتصف الثمانينات ميلادية
كان بناء المدينة العسكرية لكلية الملك فهد الأمنية من المشاريع الأخيرة للعمالة الكورية في المملكة والتي تم توقيع عقدها عام (١٤٠٤) وافتتحت عام (١٤٠٨) الموافق (١٩٨٨)

جاري تحميل الاقتراحات...