بعد حوالي نصف قرن من السنين، هي عمر اتحاد دولة الإمارات تقريباً، وفي عالم عربي مضطرب حالياً، تبرز دولة الإمارات اليوم كـ"نموذجٍ"، بنجاحها وقيمها، و(لعلك لا تنتمي للإمارات "الدولة" و"الوطن" ولكن بإمكانك أن تنتمي للإمارات "النموذج").
ومن أهم تجليات القوة لدولة الإمارات "قوة النموذج" في إقليم يعج بالفوضى والاضطرابات والصراعات الأهلية، وغياب الرؤية والقيادة الرشيدة والتنمية، وغلبة التخلف المعرفي والتطرف الفكري، وانتشار الفقر والبطالة ... إلخ.
ثمة مجموعة من العناصر التي أسهمت معاً في صنع النموذج الاماراتي ، والتي تندرج ضمن ثلاثة محاور رئيسة: سياسي، واقتصادي، وثقافي. وهذه العناصر كالآتي:
١) النموذج الاتحادي الوحيد الناجح في المنطقة: فدولة الإمارات هي التجربة الاتحادية الوحيدة التي استمرت ونجحت في المنطقة العربية، في حين شهدت تجارب عربية اتحادية عدة إخفاقاً واضحاً.
٢)الإدارة الحكومية الرشيدة والذكية: قدمت الإمارات نموذجاً في الإدارة الحكومية غير معهود في المنطقة؛ لا يكتفي بالأداء المرتكز على الكفاءة وتوفير الوقت والجهد وغياب البيروقراطية والروتين بل يحرص على إدخال أحدث النظم الإدارية والتكنولوجية في المؤسسات الحكومية ومنظومة الخدمات العامة.
٣) نموذج اقتصادي ناجح يقوم على الرفاه ويسعى إلى مجابهة التحديات التنموية باستراتيجيات تستعد للمستقبل: حقق الاقتصاد الإماراتي قفزات نوعية في عقود قليلة، وأصبح الاقتصاد الثاني عربياً،
كما تميزت الامارات بتبني مبادرات اقتصادية متقدمة كاستراتيجية التنويع الاقتصادي استعداداً لمرحلة ما بعد النفط، وتنمية مصادر الطاقة المتجددة، فكانت أول دولة عربية تبني محطات للطاقة النووية، وأول دولة في الإقليم تنشئ مدينة خالية من انبعاثات الكربون، مدينة مصدر.
٤) قوة مالية مهمة: فقد وعت الامارات مبكراً لأهمية استثمار جزء من العوائد النفطية، فأسست منذ السبعينات صندوقاً سيادياً، هو جهاز أبوظبي للاستثمار، يعد الآن الأكبر عربياً والثاني عالمياً.
٥) سياسة خارجية دينامية تواكب تحولات النظامين الدولي الإقليمي: وَعَت الامارات مبكراً أخطار التبعية لإحدى القوى العظمى في النظام الدولي؛ فسعت إلى التوازن في علاقاتها الدولية من خلال توسيع شبكة تحالفاتها الدولية وشراكاتها الاستراتيجية مع القوى الصاعدة خارج المنظومة الغربية،
فاتجهت شرقاً إلى اليابان والصين والهند وروسيا. كما أنها في السنوات الأخيرة تنامى دورها الإقليمي، لاسيما في دعم استقرار المنطقة، والحفاظ على الدول الوطنية من التفكك من خلال تقديم الدعم السياسي والاقتصادي لهذه الدول، ودعم الحكومات الشرعية للحفاظ على الأمن ومواجهة جماعات التمرد.
٦)التحلي بالمسؤولية الإنسانية: لم تحتكر الامارات مغانم ثروتها النفطية داخل حدودها، بل استشعاراً لمبدأ التكافل الإنساني جادت بجزء من مواردها على الدول والشعوب المحتاجة،
فأنشأت نحو 38 مؤسسة حكومية وغير حكومية لتقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية للمجتمعات الفقيرة والدول التي تواجه الكوارث بأنواعها والتي تُوجت أخيراً بالإعلان عن مبادرات محمد بن راشدآل مكتوم العالمية،كما أنشأت صندوق أبوظبي للتنمية الذي يقدم مساعدات وقروضاً تنموية إلى الدول النامية.
٧) تكريس التسامح والتعايش والانفتاح الثقافي والفكري: انطلاقاً من الإرث التاريخي للمنطقة والشعب الإماراتي الذي يغلب عليه التسامح والانفتاح على الآخر والتدين المعتدل والوسطي، استمرت الامارات في رعاية ثقافة التسامح والانفتاح ورفض الانغلاق والتطرف الديني.
٨) التصالح مع العولمة والتحديث: لم تنشأ في الامارات منذ تأسيسها أي مواقف أيديولوجية إزاء المدنية والتقدم والتحديث. وحتى مع بروز العولمة في التسعينيات من القرن العشرين سعت الدولة إلى التصالح معها من خلال الاستفادة من نِعمها والتقليل قدر الإمكان من شرورها.
ولم يقتصر اندماج الامارات في العولمة في الجانب الاقتصادي فقط، بل هي سعت إلى المشاركة في العولمة المعرفية والثقافية، وتمثل منطقة السعديات الثقافية وافتتاح متحف اللوفر في أبوظبي ودار الأوبرا في دبي دليلاً على هذا المسعى.
٩) تطوير معالم سياحية وعلامات تجارية مرموقة عالمياً: نجحت الامارات في إنشاء وتطوير معالم سياحية أصبحت مقصداً لسكان العالم، مثل برج خليفة، ودبي مول، وبرج العرب، وجزيرة النخلة، وجزيرة صير بني ياس، وجامع الشيخ زايد الكبير، ومتحف لوفر أبوظبي، وجزيرة ياس بمرافقها الترفيهية المتنوعة،
فضلاً عن تملك شركتي طيران الاتحاد والإمارات، تُعدان من أفضل شركات الطيران في العالم، وتحولتا إلى علامتين تجاريتين دالتين على الإمارات، وكذلك شركة موانئ دبي العالمية التي أصبحت من الشركات العالمية البارزة في مناولة الحاويات والخدمات البحرية واللوجستية والخدمات المساندة،
كل تلك العناصر السياسية والاقتصادية والثقافية المذكورة أسهمت في صنع جاذبية النموذج الاماراتي ونجاحه، هذا النجاح الذي جلب الاستقرار والأمن والأمان لهذه الدولة، فأصبحت نموذجاً في "القوة الناعمة" في المنطقة العربية.
جاري تحميل الاقتراحات...