هل ينزلق الإقتصاد المصري إلى أزمة مالية؟ للإجابة على السؤال المثار في عنوان المقالة دني أسرد مقدمة أشرح فيها أهمية ودور المؤسسات والأسواق المالية في الإقتصاد. أنتقل بعد ذلك إلى بيان النتائج المترتبة على فشل النظام المالي في القيام بدوره بسبب معاناته من أزمة مالية.
أعرض بعدها لأسباب الأزمات المالية في الدول النامية وذلك نقلا عن فريدريك ميشكن في كتابه أسواق ومنظمات مالية. ميشكن كان أحد أعضاء مجلس إدارة النظام الفيدرالي الأمريكي وهو أحد أهم المتخصصين في مجاله.
أخيرا وليس آخرا, أعرض الأرقام الخاصة بمصر وضرورة منع إنزلاق الإقتصاد المصري في غياهب أزمة مالية و/أو سياسية تحرق الأخضر واليابس. مع النصائح التي ذكرها ميشكن في كتابه عن كيفية تفادي تفاقم الأزمات المالية في الدول النامية.
أي إستثمار (سواء إقراض أو تملك في صورة أسه/حق ملكية) يتضمن طرفين: صاحب المدخرات المراد إستثمارها وصاحب المشروع الباحث عن طريقة للحصول على الأموال اللازمة لإستثماره. للأسف الشديد، الإنتقال المباشر للأموال بين الطرفين لا يحدث إلا في أقل من 10% بسبب مانعان:
أولا: إرتفاع تكلفة المعاملات في صورة بحث كل طرف عن الطرف الآخر وأيضا تكلفة كتابة وتنفيذ بنود عقد الإقراض أو عقد حق الملكية. ثانياً: مشكلة عدم تماثل المعلومات: asymmetric information. صاحب المشروع يعلم حقيقة مشروعه من حيث إحتمالات نجاحه ولكن صاحب المدخرات ليس لديه هذه المعلومة.
عدم تماثل المعلومات يسبب مشكلتان: أحدهما قبل الإستثمار ويطلق عليها الإختيار المناوئ adverse selection والثانية بعد الإستثمار ويطلق عليها المخاطر الأخلاقية moral hazard. الإختيار المناوئ ببساطة هو أن صاحب المدخرات بسبب عدم تماثل المعلومات (لا يعرف النوايا إلا الله)
سيشعر بالعجز عن التفرقة بين أصحاب المشاريع المرجح نجاحها والمشاريع المرجح فشلها وهو يعلم أن أصحاب المشاريع المرجح فشلها (الإختيار المناوئ) سيكونوا أكثر إجتهادا في البحث عن المدخرات والإلحاح في طلبها عن أصحاب المشاريع المرجح نجاحها وبالتالى سيحجم المدخر نهائيا عن إستثمار أمواله
بصورة مباشرة أو يلجأ للأسواق والمؤسسات المالية والإستثمار بطريقة غير مباشرة. بالتأكيد هناك فرص تستحق الإستثمار فيها ولكنها مجهولة للمدخر في مرحلة بدئ الإستثمار أو التوسع فيه. أصحاب المدخرات لن يستطيعوا فرز المستثمرين الذين يستحقون الإئتمان من أولائك الذين لا يستحقونه
ولأنه يعلم أن من لا يستحقون الإئتمان (الإختيار السئ/المضني/المناوئ) سيكونوا أكثر إجتهادا في السعي (بسبب كبر حجم الأموال التي سينصبوا عليها) فإنه يعزف عن الإستثمار المباشر على الرغم من وجود فرص إستثمارية حقيقية مربحة تفيد الجميع.
إذا أفترضنا أن صاحب المدخرات تخطى عقبة الإختيار المناوئ وإستثمر في مشروع ما فستواجهه المشكلة التي تحدث بعد معاملة الإستثمار وهي مشكلة المخاطر الأخلاقية. المخاطر الأخلاقية ببساطة هي أي إجراءات أو سلوك يقوم به صاحب المشروع والتي تقلل بموجبه من إحتمالية دفع العائد وأصل المبلغ
للمستثمر. فعلى سبيل المثال، إذا إتفق المدخر مع صاحب المشروع على إقراض مبلغ ما لإقامة مخبز ولأن المخبز مشروع آمن نسبياً فقد وافق المدخر على إقراض الأموال بسعر فائدة منخفض فليكن 15%.
قيام صاحب المشروع بإستثمار القرض في مشروع آخر أكثر مخاطرة فليكن في تربية الدواجن يندرج تحت مسمى المخاطر الأخلاقية. لو علم المقرض أن المال المقترض سيستخدم في تربية الدواجن لم يكن ليوافق على القرض إلا بسعر فائدة 25% نظرا لخطورة المشروع.
طبعا إحتمالات نجاح المخبز تفوق إحتمالات نجاح مشروع عنبر الدواجن. الأسواق والمؤسسات المالية تسعر مخاطرة كل مشروع بحيث يكون سعر الفائدة على القرض أو سعر حصة الملكية وبالتالي العائد عليها ملاءم لكل مشروع. أيضا، فإن الأسواق بما تتضمنه من مؤسسات مالية تقلل من تكلفة المعاملات
(بإستخدام نفس عقد الإقراض وعقد الإقتراض ألاف المرات حيث يذهب طرفي العلاقة الإستثمارية للسوق المالي أو المؤسسة المالية التي تقوم بدورها بالوساطة بينهم. خبراء الإئتمان وهم عماد نشاط أي بنك يستطيعون التأكد من أن المشروع فرص نجاحه كبيرة تبرر وضع سمعة البنك على المحك.
بالإضافة إلى ذلك، يتابعون عمل المشروع وفي أول طريق الفشل يستطيعون المحافظة على أموال مودعي البنك بإتخاذ إجراءات الحجز على المشروع. مما لا جدال عليه، فإن نجاح النظام المالي يؤدي لرفاهية الشعوب من خلال زيادة الإنتاج، الإستثمار، التوظف، والدخل، الصادرات....إلخ
الأزمات المالية في الدول النامية تحدث لأحد وفي بعض الأحيان لكلا السببين الأتيين:
1.عجز كبير في موازنة الدولة
2.تدهور ميزانيات البنوك وبالأخص جانب الأصول بما يحتويه من قروض لرجال الأعمال مشكوك في جودتها.
1.عجز كبير في موازنة الدولة
2.تدهور ميزانيات البنوك وبالأخص جانب الأصول بما يحتويه من قروض لرجال الأعمال مشكوك في جودتها.
من الطبيعي أن تمر أي بلد بتفاوت مالية نفقاتها وإيراداتها مثل ما يحدث مع الأشخاص الطبيعيين. ولكن على المدى البعيد، لابد أن تتوازن ميزانية الدولة وإلا فإن الدولة ستفلس كما حدث في عدة دول مثل المكسيك، الأرجنتين ودول جنوب شرق آسيا (أزمة النمور الآسيوية).
بعض الأزمات المالية يتبعها فقدان الدولة للسلام الإجتماعي بين الطبقات مثل ما حدث في الأرجنتين. المضاربون والمراجحون لهم دور كبير في وتيرة تطور الأزمات الإقتصادية بالرغم من فوائد وجودهم. حيث يبدأون في المراهنة على تخلي السلطات النقدية عن دعم عملة بلدهم
(وبالتالي فقدان المصداقية أمام المستثمرين) وتركها لقوى العرض والطلب. فيشترون العملة الأجنبية في السوق الحاضر ويبيعونها في السوق الآجل. وبذلك يحققوا نسب أرباح خيالية أو خسائر خيالية (إذا لم تصدق توقعاتهم).
للمحافظة على سعر العملة الوطنية تتجه السلطات النقدية بتوفير العملة الصعبة من إحتياطياتها لحماية العملة الوطنية.
حسابات الحكومة ليست سر وأعتى الحكومات سقطت فريسة المضاربون والمراجحون لنفاذ العملة الأجنبية من خزائن الحكومة. جورج سورس مستثمر أمريكي حقق ثروات طائلة من مراهنته
حسابات الحكومة ليست سر وأعتى الحكومات سقطت فريسة المضاربون والمراجحون لنفاذ العملة الأجنبية من خزائن الحكومة. جورج سورس مستثمر أمريكي حقق ثروات طائلة من مراهنته
على عملات دول جنوب شرق آسيا والتي إنهارت عملة وراء الأخرى.
طموح الساسة وأحلامهم في تحقيق معجزة إقتصادية مثل معجزة النمور الآسيوية تحثهم على فتح باب الإقتراض على مصراعيه بالدولار والجنيه وبدون ضوابط كافية في منح القروض وتحصيلها.
طموح الساسة وأحلامهم في تحقيق معجزة إقتصادية مثل معجزة النمور الآسيوية تحثهم على فتح باب الإقتراض على مصراعيه بالدولار والجنيه وبدون ضوابط كافية في منح القروض وتحصيلها.
هذا ينقلنا للسبب الثاني والأهم في أزمات الدول النامية وهو الإقتراض المفرط وما يستتبعه ذلك من فشل المقترضين (حكومة أو رجال أعمال) في سداد ديونهم للبنوك وبالتالي لإختلال ميزانيات البنوك/الدولة لحد الإفلاس.
حيث يقوم الساسة بتثبيت: 1.سعر صرف الدولار لطمئنة المستثمرين الأجانب على مدخراتهم عند تحويل الجنيه المصري لعملة بلدهم عند إنتهاء آجال إستثماراتهم. 2. أسعار الفائدة على العملة الوطنية لتجنب هروب رؤس الأموال بحثا عن بيئة أربح وأأمن للإستثمار.
قيام نظام السيسي بتحرير سعر صرف الدولار وفتح أبواب الإقتراض من الخارج أو ما يطلق عليه الليبررة المالية liberalisation تسبب فى خلل شديد في ميزان مدفوعات مصر وصدمة شديدة الوطئة للشركات التي تستورد من الخارج بسبب فقدان العملة الوطنية لأكثر من 60% من قيمتها عند التعويم.
ومع ذلك، فقد منع تعويم العملة من تكالب اسباب الإنهيار الإقتصادي على الإقتصاد المصري. إن إنهيار العملة الوطنية يحدث بسبب هروب رؤس الأموال الأجنبية مع أول بادرة خطر. لا تنهار العملة بين ليلة وضحاها وإنما يحدث مع تراكم ديون الدولة وإستنفاذ إحتياطيات الدولة والشركات والأفراد
جاري تحميل الاقتراحات...