قُدامة #فلسطين
قُدامة #فلسطين

@Kou_gin1

39 تغريدة 8 قراءة Nov 27, 2020
عانى إئمتنا الأفاضل وعلماء الحق الذي لم تخأذهم في الله لومة لائم واختبروا بمحنٍ عدة، فكانوا لها رجالًا سطروا أسماءهم في التاريخ وأشهرهم أئمة المذاهب الأربعة، سأسطر في هذا الثريد محن هؤلاء الأئمة رضوان الله عليهم من أبي حنيفة حتى ابن حنبل ليكن درسًا لكل قارئ على تقوية قلبه وإيمانه
-مِحَن الإمام أبو حنيفة النعمان-
ولد سنة ٨٠ للهجرة صاحب أول مذهب إسلامي فقهي الإمام أبو حنيفة النعمان، فأشرقت السماء بولادة أول المذاهب الأربعة، ولأبي حنيفة مناقب ومكارم كثيرة ويعد من التابعين لادراكه لعدد من الصحابة، وعاصر فترتين، فترة الأمويين والعباسيين وبكليهما عانى
حاله حال السلف الصالح التفت الإمام أبو حنيفة لعلمه و دينه وكان زاهدًا في دنياه لا يخشى ولي أمر، صدّاحًا بالحق ناصرًا لآل بيت النبي وكما وضحنا فإنه عاش أوله في العصر الأموي ويعلم الناس أن بين خلفاء العصر الأموي المتأخرين بغض لآل بيت رسول الله
وكان أبو حنيفة عكس ذلك
خرج زيد بن زين العابدين على خليفة الأمويين في عصره هشام بن عبد الملك، وكان أبو حنيفة من المؤيدين لزيد وينصره بماله و قوله و سداد رأيه لكنه لم يخرج معه لعلمه أن أتباعه سينفضوا عنه كما انفضوا عن أبيه، فقُتِل زيد رحمه الله وابنه وحزن عليهما أبو حنيفة حزنًا شديدًا
و حكَم الله على أبي حنيفة بلوى اسمها يزيد بن هبيرة، وكان والي الكوفة وكان غاضبًا من أبي حنيفة فأراد اختبار ولائه فعرض عليه القضاء فأبى ذلك وأصر عليه فأبى حتى حلف أن يضربه إن لم يوافق، واستمر أبو حنيفة على موقفه المشرف فأُسر وجُلد مدة من الزمن حتى كاد يهلك فأطلقوا سراحه
لم تتوقف البلوى عن اللحاق بدرب أبي حنيفة
فلما أخذ العباسيون الحكم ورأى أبو حنيفة منهم القتل و السلب والدمار لم ينصع لهم رغم تقربه من أبي جعفر المنصور إلا أن ولاءه كان لآل بيت رسول لأنه كان أعلم من غيره أن لن يقدر أحد أن يُرجع الإسلام إلى عهد الرسول إلا عترته الشريفة
ثار محمد النفس الزكية بن عبد الله بن الحسن وأخوه إبراهيم على بني عباس وعلى أبي جعفر
وكان الإمام أبو حنيفة ناصرًا لهما جهرًا في دروسه ورسائله مما ضعّف نفوس بني عباس
فهذا الإمام الأوحد ينصر عليهم أعداؤهم فحاولوا إغراءه بكل ملاهي الحياة فلم يكن منه إلا الرفض
للحد الذي جعلهم يسجنونه ويبالغون في تعذيبه حتى قيل أنهم أسقوه السُم، ومات سنة ١٥٠ للهجرة على أثر هذه المحنة-أو فيها- وندم أبو جعفر المنصور عليه ندمًا شديدًا،
وله مؤلفات وكتب لم يصلنا منها إلا القليل، لتنطوي صفحة الرجل الذي لم ينحرف قلبه إلا إلى الحق فجزى الله الإمام عنا كل خير
-مِحنة الإمام مالك بن أنس-
مالك بن أنس؛ الإمام الفقيه المحدِّث، ثاني الإئمة الأربعة وصاحب المذهب المالكي ولد سنة ٩٣ للهجرة، وعُرف بوقاره وغزير علمه
امتحنه الله بمحنة في عهد الخليفة المنصور -وفي هذا خلاف-
عندما ثار محمد النفس الزكية على خلافة المنصور وبدأ الناس باتباعه والمضي معه ومناصرته، خشي العباسيون منه، وكانوا إذا ما رأوا شخصًا حلّفوه بالطلاق، فإن التحق بمحمد النفس الزكية أصبحت زوجته حرامًا عليه وما ملكت يده، فوصل هذا الخبر عند الإمام مالك فنهى عنه وقال "ليس على مستكره طلاق"
وكانت فتواه تناقض مصالح العباسيين فحاولوا ملاطفته ليغيروا رأيه فأبى وقال أمام الناس في حلقات علمه "ليس على مستكره طلاق"، فسُجن وجُلد و أكثروا عليه حتى خلعت كتفه وحمِل على حمار و طيف به وكان يقول: "من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس أقول ليس على مستكره طلاق"
ورغم كل محاولاتهم إلا أن مالك بقي على موقفه لا يخشى غير الله ولا يمضي إلا بما أمر الله ورسوله، حتى عَظم شأنه وعُرف في كافة بقاع الأرض وتجمع الناس وأُطلق سراحه
وكان الذي قد ألحق بمالك العذاب هو والي المدينة جعفر بن سليمان وقد أمر بهذا الأمر دون علمٍ من الخليفة المنصور
فلما فُكّت عنه الأزمة أرسل أبو جعفر المنصور لمالك يعتذر إليه، قال الإمام مالك:
”لما دخلت على أبي جعفر، وقد عهد إلي أن آتيه في الموسم، قال لي: "والله الذي لا إله إلا هو ما أمرتُ بالذي كان ولا علمتُه، إنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنتَ بين أظهرهم، وإني أخالك أمانًا لهم من عذاب=
فإنهم أسرع الناس إلى الفتن وقد أمرت بعد والله أن يؤتى به من المدينة إلى العراق على قتب، وأمرت بضيق محبسه والاستبلاغ في امتهانه، ولا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما لك منه"
فقلت:”عافى الله أمير المؤمنين، قد عفوت عنه لقرابته من رسول الله وقرابته منك“
فتقبلها منه المنصور
وعاش الإمام الكبير مالك بن أنس طول حياته على النهج القويم كسائر السلف الصالح لا تأخذه في الله لومة لائم، لسانًا بذاخًا بالحق وقورًا بين الناس حتى توفاه الله سنة ١٧٩ للهجرة أثر مرض أحل به ودُفن بالبقيع فرحمه الله وجزاه الله عن المسلمين كل خير.
-مِحَن الإمام الشافعي-
أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، إمامنا القدير و إمام المذهب الثالث من المذاهب الأربعة المذهب الشافعي، مؤسس أصول الفقه
ولد سنة ٢٠٤ للهجرة
عُرف الشافعي بذكائه و نباهته،كان متقد الفكر شديد في طلب العلم وكان ذا فراسة،وله من الصفات التي يُكمّل فيها الرجل والإمام
ولد في أسرة فقيرة فحاول أن يوازن بين طلب العلم و طلب الرزق،حتى مكّنه الله ليشتغل بالقضاء وكان لا نظير له في عصره حتى التف حوله الناس و مدحه العلماء وكثر حاسدوه
وقلما تجد عالمًا إلا وله حاسد و كاره، وفي زمن هارون الرشيد كان يخشى العباسيون من أعدائهم الطالبيين أن يأخذوا الحكم منهم
فاستغل أعداء الإمام الشافعي هذا الوضع و منهم مطرف بن مازن فكتب إلى هارون الرشيد:
"إذا أردت اليمن لا يفسد عليك أخرج عنه محمد بن إدريس الشافعي"
وذكر معه مجموعة من الطالبيين ليوقع في نفس الرشيد أن الشافعي منهم،فأُحضر مكبلا من اليمن وهذا أمر جلل على حضرة الإمام لما في الأمر من مشقة عظيمة
فأُحضر أمام الرشيد وقال له:
"أأدع من يقول انه ابن عمي-يقصد الرشيد- وأتولى من يقول أنه خالقي ورازقي-يقصد إئمة الشيعة الطالبيين الروافض-
وقعت هذه الجملة في نفس هارون الرشيد، وكان خليفةً عادلًا يحج في عام و يغزو في عام، وكان يحضر المجلس تلميذ الإمام أبي حنيفة محمد بن الحسن، فأراد الرشيد أن يتعرف على مكانة الشافعي العلمية فطرح مسألة علمية فأجابه الشافعي جوابًا فصيحًا حذقا لا يدل إلا عن نباهة وحسن رأي
فأعجب به الرشيد
وأطلق سراحه و أكرمه و أحسن إليه، فمكث الشافعي في العراق ولم يعد لليمن إلا ليأخذ أهله، كان الشافعي مريضًا بالبواسير وكان هذا المرض يتعبه تعبا شديدا خاصة لإمام مثله
فابتلي بهذا البلاء حتى توفاه الله سنة ٢٠٤ للهجرة رحمه الله وجزاه الله عنّا كل خير
ولد سنة ١٥٠ للهجرة ****
-محنة الإمام أحمد بن حنبل-
الإمام المجاهد الفقيه المحدّث المجدد محيي السنة، صاحب المذهب الرابع من المذاهب الأربعة "المذهب الحنبلي"، أشهر من ذب عن القرآن في مسألة خلق القرآن وامتحن بمحنة كانت شديدة بكل ما تحمله الكلمة من معنى قاسى فيها وعانى حتى كاد يهلك في سجون العباسيين
من أكثر الأمور التي بيَّنت فضل الإمام أحمد على الأمة وشدته للحق هي محنته
ويكاد لا يخلو محفل أو مأدب علمي يُذكر فيه اسم الإمام إلا وذُكر معه مقاساته ومحنته وزئيره بوجه المعتزلة لا يخشى منهم لأجل اعلاء راية السنة و اعلاء راية الحق
بدأت بوادر المحنة التي طالت جميع الأمة عندما ابتدع المعتزلة أن القرآن كلامٌ مخلوق وليس كلام الله، وبدأوا ببث هذا الفكر في عصر الرشيد ولكن الرشيد كان حازمًا وضيّق عليهم وكسر شوكتهم وسجن الكثير منهم
حتى تغمده الله برحمته وترك الحكم لولده الأمين
الذي لم يطل حكمه حتى انقلب عليه أخوه المأمون وقتله وأخذ منه الحكم،وهذه أول مصائب المأمون التي تدل على سوء رأيه
تقرّب المعتزلة من الخليفة المأمون وكان الذي أسر لُب المأمون رأس المعتزلة أحمد بن أبي دؤاد، غرّه بكتب الاغريق والفلاسفة وعرض عليه فكرة خلق القرآن فتقبلها المأمون بصدر رحب
حتى توغّل هذا الفكر المنحط في صدر المأمون وأخذ عليه لبه وأمسى في ضلال لا ينقذه أو يهلكه إلا الرحمن، وبدأ بالتحرك وأمر الولاة بأن يقول كل شيوخ و علماء الولاية التي يلونها بأن القرآن مخلوق ومن يأبى منهم يكبلّه ويرسله للمأمون ليتصرف معه
فخاف الناس سطوة المأمون وأقر جمعٌ غفير من العلماء بخلق القرآن إلا من رحم ربي ومنهم الإمام أحمد بن حنبل وصاحبه محمد بن نوح
فكُبّلا وأُخِذا حيث المأمون، وفي طريقهما أوقف الركب رجل أعرابي فسلَّم على الإمام أحمد وقال له:
" يا هذا إنّك وافد الناس، فلا تكن شؤمًا عليهم، وإنّك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيُجيبوا فتحمِل أَوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحبّ الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنّه ما بينك وبين الجنَّة إلا أنْ تُقتَل، وإنَّك إنْ لم تُقتَل تَمُتْ، وإنْ عِشتَ عِشتَ حميدًا "
فحفّز كلامه الإمام أحمد ورفع من همته لنصرة الحق، وفي طريقهم كان يدعو الإمام أحمد أن لا يقابل المأمون فاستجاب الله له ووصلهم في دربهم بشرى هلاك المأمون وتنصيب المعتصم خليفة للمسلمين، ومات في دربهم صاحب الإمام أحمد، محمد بن نوح وحزن عليه الإمام أحمد حزنا شديدا
اننقل الإمام أحمد من الجزء اليسير من محنته في عهد المأمون إلى الجزء الأقسى وهو في عهد المعتصم، كان المعتصم رجل حرب ليس له في أمور الدين خبرة فأعطى لأحمد بن أبي دؤاد الصلاحية التامة في هذه المسائل، أعطاها لشيطان المعتزلة ابن دؤاد فأمر بارجاع الإمام أحمد للسجن... وبدأت المعاناة
طال سجن الإمام أحمد ما يقارب الثلاثين شهرًا لا تُخلع الأصفاد من رجليه إلا وقت النوم و الصلاة، وخلال هذه المدة أُحضر عند الخليفة المعتصم و حوله رؤوس المعتزلة فأدناه المعتصم حتى أجلسه عنده وهذا من سماحة طبع المعتصم، فقال له الإمام:
يا أمير المؤمنين، إلى ما دعا إليه ابنُ عمِّك رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-؟
قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله
قال الإمام: فإنِّي أشهد أن لا إله إلاَّ الله، علامَ أنا هنا؟
فبدأ الإمام يناظر المعتزلة بحضرة المعتصم وكان يناظر أكثر من شخص في آن واحد
ولم يستطع عليه أحد وكان يخرسهم وصوته يعلو عليهم وهم عُصبة!! حتى أخزاهم أمام المعتصم
وكان يكرر "أعطوني من الكتاب والسنّة آخذ به"، لم ينصع إمامنا القدير لمطالب ابن دؤاد والمعتزلة فحرضوا عليه حتى أمر المعتصم بجلده فعُلّق وجلد بالسياط حتى كاد يهلك وهو شيخ كبير
ومضى الإمام فترة ليست بهيّنة تحت التعذيب حتى ينصاع فلم يفرق ذلك معه بل زاده همّة وكان يتذكر كلام الأعرابي الناصح فيتقوّى، حتى أمر المعتصم باطلاق سراحه لاحتشاد الناس حول القصر وكادوا أن ينقبلوا على الحكم فقط ليوقفوا عذاب الإمام فخشي المعتصم و أعوانه وأطلقوا سراح الإمام
بعد أن أحدثوا فيه أمرا عجيبا
أُخذ ساعتها طبيب للإمام ليعالجه فنظر إليه وقال: أنا والله لقد رأيتُ مَن ضُرِب ألفَ سَوْطٍ، ما رأيتُ ضربًا أشدَّ من هذا، لقد جرَّ عليه من خلفه ومن قدَّامه، ثم أُدخِل ميلاً في بعض تلك الجِراحات ولم ينضب، فجعل يَأتِيه ويُعالِجه
وكان قد أصابَ وجهه غير ضربةٍ ثم مكَث يُعالِجه ما شاء الله، ثم قال: إنَّ ههنا شيئًا أريد أنْ أقطَعَه، فجاء بحديدةٍ، فجعل يُعلِّق اللحم بها ويَقطَعُه بسكِّين، وهو صابِرٌ - بحمد الله - فبَرَأ، ولم يزَل يتوجَّع من مَواضِع منه
تخلّص الإمام من المرحلة الأقسى حتى أخذ الواثق بالله الحكم
وأمر أن لا يعلِّم الإمام أحمد في المساجد وأن يبقى في بيته حتى هلك الواثق و تولى الحكم المتوكل بالله الذي أطفأ ظلمة المعتزلة وأحيا السنة و قمع فتنة خلق القرآن و أكرم الإمام أحمد ولم يتقبل عطاياه الإمام أحمد لزهده و ورعه الشديدان
حتى توفاه الله سنة ٢٤١ للهجرة
فجزاه الله عن الأمة كل خير ورحمه وألحقه بركب الصالحين.

جاري تحميل الاقتراحات...