غِياث
غِياث

@Mme_3455

38 تغريدة 370 قراءة Nov 19, 2020
جاريتان من مصر مارية وأختها سيرين
في طريق خروجهن من مصر كانت مارية تبكي وأختها سيرين في حالةٍ يرثى لها ولكن لم يعلمن في وقتها أن التاريخ سيكتب عنهن تلك الرحلة ولم تعلم مارية أنها ستلد آخر ابن لآخر نبيٍّ في الدنيا الذي قالَ فيه النبي:
(وإن بك يا إبراهيم لمحزونون)
بدأت المرحلة الجديدة في الإسلام وبدأ النبي ﷺ يرسل الرسل إلى ملوك الأرض ومنها تلك الرسالة إلى المقوقس عظيم مصر يحملها الصحابي حاطب بن بلتعة:
من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط:
سلامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوكَ إلى دعاية الإسلام أسلم تسلم يُؤتِكَ الله أجرك مرتين
فإن توليت فإنما عليك إثمُ القبط قرأ المقوقس الرسالة وكان يعلم المقوقس أنهُ نبيٌ حق، فقال لحاطب: حدثني عن نبيك فبدأ حاطب يحدثه عن نبينا ﷺ
فكتب المقوقس إلى النبي:
أما بعد …
فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت وقد علمت أن نبيًا قد بقى وكنت أظنُّ أنه يخرج من الشام وقد أكرمتُ رسولك وبعثت لك بجاريتين -يقصد مارية وسيرين- لهما مكان من القبط عظيم، وكسوة ومطية لتركبها، والسلام عليك
فجهزوا مارية وسيرين لفراق مصر لفراق جنة الله في أرضه إلى أرضٍ بعيدة صحراء خالية وإلى رجلٍ عربي يدعي النبوة وما هو صانع فيهن ؟
وكيف سيعاملهن؟ وهل ستفارق مارية أختها سيرين وتفارق سيرين أختها مارية، هل سيكونُ هذا اللقاء هوَ الأخير بين الأختين ؟
ظلَّتْ هذهِ التساؤلات في عقلِ سيرين حتى جعلت تبكي وتنهار وما إن تحاول مارية تهدئتها حتى تبكي هي الأخرى!
وهل يلام دمع المرء في ابتعاد الوطن والمستقبل المجهول؟؟..
وما أن خرجا من مصر حتى زاد بُكاؤهنَّ والصحابي حاطب كان معهن فأراد أن يهدئهن ففكر أن يحكي لهن قصة ومع أصوات النواح والبكاء قال:
من هذا الطريق مشت امرأةٌ مثلكن
سكتن مارية وسيرين يُرِدنَ أن يعرفن من هي تلك المرأة،
فقال حاطب: "هاجر" أم نبي الله إسماعيل وزوجُ نبي الله إبراهيم، هي كانت جاريةً مثلكن ومصريةً مثلكن ايضًا
وبدأَ حاطب يكمل لهن القصة فهدأت نفوسُهُنَّ وأقرت عيونهن عن البكاء
ثم بدأ حاطب يحكي لهن عن رسول الله ﷺ وعن دينه وعن رحمته فما وصلنَ المدينة حتى تسلل الإسلام إلى أقصى قلوبهن وما دخلنَ المدينة إلا قد أسلمن
فانطلق حاطب إلى النبي ومعه كتاب المقوقس وهداياه ومعه مارية وأختها سيرين وكانت مارية جميلة بيضاء، أعجب بها رسول الله ﷺ وأحبها
فأخذها لنفسه و وهب أختها سيرين إلى شاعره حسان بن ثابت
وكان النبي رحيمًا سمحًا كريم، فقد علم أن مارية آتية من النيل والطبيعة جنة الله في أرضه إلى هذهِ الأرض القاسية، فأخذها وأسكنها بمنطقة بالمدينة تسمى العوالي فيها من الخضار والزرع الكثير لكي لا تستوحش في هذه الأرض الجديدة
وقد أحبَّت مارية رسول الله لما رأت منه الرحمة والرفق، فكان كل تفكيرها كيف ترضي رسول الله ﷺ
فمرَّتْ أولُّ سنةٍ ومارية مع رسول الله ﷺ تهنأ بالعيش الكريم مع الرسول الرحيم ولكن ضيفٌ من الرحمن قد بدأ ينمو في أحشاء مارية
ضيفٌ قد جاء في وقتٍ مناسب، فقد رأى النبي أبناءهُ وبناته وهم يموتون جميعًا باستثناء فاطمة ولم يمضِ شيء على وفاة زينب البنت البكر للنبي،
فقد كان هذا الضيف بمثابة الرحمة من الله وجبر كسور تلك الأيام المؤلمة
كذَّبتْ مارية نفسها في أول الأيام ولكن بدأت ترى ما لا يمكن تكذبيه، فدعت أختها سيرين فأكدت لها أن ما فيها حملٌ حقيقي! فأخفت مارية حملها خشيةً من النساء
وقد دخل في قلب النبي ﷺ شكٌ لما رأى منها ما كان يراه في خديجة من قبل، ولكن ظن أغلب الظن أنها مجرد وعكة فقد تجاوز عمر النبي ﷺ الستين ولم يتوقع أن يرزقه الله بولد في هذا العمر
وتمضي الشهور وضيفُ الرحمن يكبر وينمو في أحشاء مارية حتى حان وقتُ الخروج إلى هذه الدنيا وأفراح قلب النبي ﷺ في آخر حياته بعد فقدان جميع أبنائهِ وبناته ولم يبقَ إلا فاطمة
تلك الليلة في المدنية لم تكن مثل غيرها من الليالي، ولم تشابهها إلا الليلة التي جاء فيها رسول الله مهاجرًا إلى المدينة، وهي والله مثلها فقد جاء من عند الرحمن إلى المدينة ابنٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم
أنجبت مارية إبراهيم وحملته في حضنها تتأمل وجهه وربما تبكي من شدة فرحها فيأخذه النبي ﷺ منها ويقبله ويشمه ويجعله في حضنه وتتزاحم المشاهد فقد حمل النبي قبل إبراهيم
عبدالله ابنه وقد مات
وحمل القاسم ابنه وقد مات
وحمل زينب وقد ماتت
وحمل أمَّ كلثوم وقد ماتت
وحمل رقية وقد ماتت
وربما تلك اللحظة التي حمل فيها النبي ابنه إبراهيم وحضنه وقد تجاوز عمر النبي الستين عام، فكانَ عِوَضًا عن جميع أبنائه الذين حملهم وفقدهم
فذهب النبي ﷺ يركض بسعادة وإبراهيم بين يديه ويطرق أبواب المدينة بابًا بابَ وهو يقول:
أنظروا ماذا رزق الله نبيكم اليوم!
أنظروا ماذا رزقني الله اليوم!
ويطرق السكك وهو يحملُ ابنهُ إبراهيم بين يديه وقلبهُ مبتهج ويريد أن ينشر فرحه إلى جميع أصحابه وأهل المدينة
فأمست المدينة تلك الليلة سعيدة بسعادة النبي ﷺ بابنهِ إبراهيم
وتمر الأيام وإبراهيم يكبر بين النبي ومارية قد ملأ حياة النبي بعد فقدها بهذهِ الروح الصغيرة، وملأ حياة مارية وبعدها عن وطنها وغربتها
أكمل اليوم عمر إبراهيم سنة والنبي ومارية باتوا يراقبون كلَّ حركةٍ يفعلها وكلَّ كلمةٍ يتمتم بها وقلوبهم قد امتلأت حبًا لهذا الضيف الصغير من الرحمن
أكملَ إبراهيم اليوم سنةً ونصف وبَقيَ على فطامه شهران وبعد أيامٍ جاء الحزن مرتديًا عباءة الموت وبدأ يطرق باب بيت مارية، فقد مرض إبراهيم وزاد مرضه وينظر النبي ﷺ إلى ابنه الحبيب إبراهيم وشمعة طفولته تنطفئُ شيئًا فشيئا، فلم يعد يغاغي ولم يعد يضحك فقد أنهك جسمهُ المرض
فدعت مارية أختها سيرين وظلتا ساهرتين حول إبراهيم وقد زاد مرضه حتى بات الموت في عينيه
خرج إلى المسجد ولكن زيارة من جبريل قد أقلقت النبي جاء جبريل إلى النبي وقال:
يا محمد أدرك إبراهيم فإنَّ نفسهُ تُقهقئُ -أي سيموت-" فركض النبي إلى بيت مارية فلما دخل فرأى مارية تبكي وبين يديها إبراهيم يلفظ أنفاسه الأخيرة
فاقترب النبي بحزن فحمل إبراهيم وبدأ يقبله ويشمه ثم قال:
"يَا إِبْرَاهِيمُ، إِنّا لاَ نُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا".
فلفظ أنفاسهُ الأخيرة ومات فدمعت عينا رسول الله وجعل يبكي
فقال أبو بكر محاولًا مواساةَ النبي:
أنت أحق من علم لله حقه يا رسول الله
فقال النبي وهو يبكي: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، لولا أنه وعد صادق، وموعود جامع، وأن الآخر منا يتبع الأول لوجدنا عليك يا إبراهيم وجدا أشد مما وجدنا، وإن بك يا إبراهيم لمحزونون»
فجاء النبي ﷺ إلى مارية وهي تبكي وحزينة على فراق ابنها وتود أنها لو أكملت فطامه فقال يواسيها: يا مارية أبشري فإنَّ الله سيكمل لكِ رضاعته في الجنة"
وخرج النبي ﷺ وخرجوا أهل المدينة قد كساهم الحزن لفقد ابن رسول الله فأخذ النبي ابنه بأسى فغسله وكفنه بنفسه ثم وضعه في القبر، وذلك المشهد الذي يتكرر في حياة نبينا صلى الله عليه وسلم
وضعَ إبراهيم في القبر ثم بدأ يكلمه ويقول وهو يبكي: يا إبراهيم إذا جاءك الملكان يسألانك
من ربك ؟
فقل: ربي الله
ومن نبيك؟
فقل: نبيي هو "أبي" صلى الله عليه وسلم
وما دينك ؟
فقل: ديني هو الأسلام
فبكى عمر والتفت إليهِ النبي وقال:
ما يبكيك يا عمر ؟
فقال عمر: يا رسول الله تلقن هذا الصبي وهو لم يكلف بعد وليس عليه لا عقابٌ ولا حساب
فقال النبي: ياعمر والله إنه سيسأل
وفِي تلك اللحظات المؤلمة والمدنية قد كساها الحزن، وما يشبه يومها ذاك إلا يوم مات رسول الله وكيف لا وقد فقد رسول الله بضعةً منه
ولكن أصبح ذلك اليوم أكثر حزنًا فقد اختفى الضوء واستل على المدينة ليلٌ أسود وكسفت الشمس
فقالوا اهل المدينة:
كسفت الشمس لموت إبراهيم
كسفت الشمس لموت ابن رسول الله
فسمع ذلك رسول الله ﷺ وذهب بحزنه يدرك أمته من الفتنة فخطب بالناس وقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته»
أنقضت تلك الليلة وإبراهيم عند ربه، عاد ذلك الضيف الذي أعطى النبي في آخر حياته صبغةً مختلفة من البراءة والطفولة والضحكات الصغيرة والتمتمات اللطيفة
وما إن أكمل النبي ﷺ شهورًا حتى اختارهُ "الرفيق الأعلى" واجتمع بأبنائهِ وبناته في جناتٍ عرضها السموات والأرض
ومارية الحزينة اعتزلتِ الناس بعد موت ابنها إبراهيم والنبي ﷺ، فكانت لا تأتي أحد ولا يأتيها أحد إلا أختها سيرين، ظلَّتْ حزينةً لا تجفُّ عينها من الدمع أبدًا
ومضت على تلك الحال بعد وفاة النبي ﷺ خمسَ سنوات حتى قضى الله أن يجمعها مجددًا مع ابنها وزوجها ونبيها
ماتت مارية في عهد عمر بن الخطاب فحشد عمر الناس فاجتمعوا الصحابة وأهل المدينة للصلاة على أم المؤمنين مارية القبطية رحمها الله ورضي عنها ودفنت بجانب قبر ابنها إبراهيم رضي الله عنهم أجمعين.
-غِياث

جاري تحميل الاقتراحات...