محمد الدهمي
محمد الدهمي

@Dahmi888

33 تغريدة 27 قراءة Nov 09, 2020
الدرس العاشر
دماء على أرض الميعاد
كانت قواربنا بالأمس تبحر نحو مملكة تائة....
كان يحلم بها ملك ضليل... الشريف حسين
سنعود إليه.. فلأمواج عاتية وشِراعنا تنحرف عن مسارها إلى مسار أخر
كان "ماستيم" يطير مطمئنًا على أحوال اليهود في فلسطين.. كانوا لا يزالون
يشترون الأراضي
ويبنون المستعمرات.. أخيرًا أيها اليهود بدأتم تمتلكون جزءًا
من فلسطين.. بعد أن شردكم الزمان وأذلّكم أهل المكان.. سمع "ماستيم"
أصداء حفل يقام في بريطانيا.. حفل عظيم.. طار في ثوانٍ إلى الحفل.. كان
اليهود يحتفلون.. بماذا تراهم يحتفلون.. إنه يرى أكبر حكماء صهيون هنا..
"حاييم وايزمان" و"سايكس" واللورد "روتشيلد" وغيرهم الكثير.. كانوا يحتفلون
بحدثٍ جلل.. فقبل أيام أصدرت بريطانيا وعدًا.. وعدًا لليهود بأن تقيم لهم دولة
مستقلة في فلسطين.. وعدًا يدعى "بلفور".. والتقت كؤوس الخمر وأكف
اليهود وابتساماتهم.. وظللت عليهم عباءة "ماستيم" المتطايرة
تحول في تلك اللحظة إلى مزيج عجيب من السعادة والإرعاب
لم يكن وعدًا رسميا.. إنما كان رسالة من وزير الخارجية البريطاني "بلفور" إلى
اللورد "روتشيلد"رسالة كان"ماستيم" يتوق شوقًا لقراءة نصّها.. فطار إلى
حيث الرسالة الرسمية وفتحها يقرأها بتركيز.. كانت كالتالي
وزارة الخارجية
في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917
عزيزي اللورد روتشيلد
يسرني جدًّا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة ملك بريطانيا التصريح التالي.. والذي
ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية.. وقد عُرض على الوزارة
وأقرته :
”إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في
فلسطين للشعب اليهودي.. وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية..
على أن يُفهم جليًّا بأنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية
والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين..
ولا
الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلدٍ آخر."
وسأكون ممتنًا إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علمًا بهذا التصريح.
المُخلص
آرثر جيمس بلفور
أن تعطِي أرضًا لا تملكها إلى شعب لا يستحقها.. كان هذا هو الوعد باختصار..
بعد أسابيع فتح "ماستيم" رسالة أخرى سرية.. مقدمة من أول صهيوني يصل
لمنصب وزير في بريطانيا يرسلها إلى مجلس الوزراء البريطاني..
"الوقت الحاضر ليس مناسبًا لإنشاء دولة يهودية مستقلة.. لذا يجب أن توضع
فلسطين بعد الحرب مباشرة تحت السيطرة البريطانية..
لتعطي تسهيلات
للمنظمات اليهودية لشراء الأراضي وإقامة المستعمرات وتنظيم الهجرة.
وعلينا أن نزرع بين المحمديين ثلاثة إلى أربعة ملايين يهودي أوروبي"
كانت رسالة حكيمة.. وقد تم تنفيذها بحذافيرها.. طلبت بريطانيا من فرنسا
تعديل اتفاقية "سايكس بيكو".. وأن تعطي فلسطين لبريطانيا
تحت سيطرة دولية.. وتم التعديل.. وبدأت بريطانيا تُعد جنودها لإحتلال فلسطين
عسكريا.. كان الجيش العثماني في فلسطين قوامه حوالي مئة ألف رجل يرأسه
رجل من جماعة الإتحاد والترقي.رجل يدعى "مصطفى كمال أتاتورك"وقد
جاءته الأوامر من قيادة الإتحاد والترقي بأن ينسحب مع كل جنوده من فلسطين
ويُخليها تمامًا.. وهذا ما فعل "أتاتورك".. انسحب بمئة ألف رجلٍ من فلسطين..
وهاهو "ماستيم" يحلق في الهواء ناظرًا إلى مشهد لم يره منذ سبعة قرون.
جيش بريطاني لا تدرك نهايته بعينك البشرية.. كأنه حزام طويل من الجنود يمتد
من الأفق إلى أرض فلسطين.. قائد هذا الحزام من البشر كان يدعى
الجنرال
"أللينبي".. ومن ضمن هذا الجيش كان هناك فيلق يهودي مدرَّب على أعلى
مستوى.. بينه وجوه خبيثة لم يتعرف عليها "ماستيم" في البداية لكن التاريخ
يحفظ أسماءهم جيدًا.. كان من ضمن الوجوه في الفيلق اليهودي رجلٌ غزا
الصلع رأسه من المنتصف فترك جزيرتين من الشعر على الجانبين..
رجل يعرفه
التاريخ باسم "دافيد بن غوريون".. ورجل آخر هو "نحميا رابين".. والد "إسحق
رابين".. وآخرون ممن سيكون لهم شأن فيما بعد.. كان الجنرال "اللينبي" يدخل
مزهوًا وسط أهالي فلسطين الذين ال يدرون أين ذهب جيش الدولة العثمانية
بالضبط.. لكنهم كانوا سعداء بالبريطانيين مرحبين بهم
فبالنسبة لهم كان
البريطانيون هم المالئكة الذين أتوا من بلادهم ليساعدوا فلسطين على
الإستقلال عن الدولة العثمانية التركية المغرورة.. لم تكن هذه فكرة عامة
الشعب فقط.. وإنما كانت فكرة الشيوخ والمفكرين وحتى المفتي العام
لفلسطين..
سمع "ماستيم" الجنرال "أللينبي" وهو ينظر إلى تلك الأجواء قائلًا:
- اليوم انتهت الحروب الصليبية .
لم يكن الشيطان الأفعى "سيربنت" موجودًا.. لقد ترك فلسطين فجأة واتجه إلى
روسيا.. كانت الحكومة القيصرية الروسية تضطهد اليهود اضطهادًا شديداً
وذات مرة ذهب مندوب يهودي إلى وزير المالية الروسي وعرض عليه أن يتخلص
من كل اليهود الذين في بلاده بإرسالهم إلى فلسطين.. حينها قال له الروسي :
- إني أفضِّل أن أتخلص من اليهود فعلًا.. ولكن ليس بإرسالهم إلى
فلسطين.. وإنما بإغراقهم في البحر الأسود.
كان لابد من تهجير ذلك العدد الضخم من اليهود في روسيا إلى فلسطين بأي
طريقة من الطرق.. فدار "سيربنت" في أنحاء روسيا حتى أقام ثورة رهيبة.. ثورة
لو أردنا سرد وقائعها لاحتجنا إلى كتابٍ منفصل.. خبث ودهاء أوصل اليهود إلى
حكم روسيا بعد أن كانوا مضطهَديها..
خبث لم تعرفه الأرض إلا في أماكن زحف
الأفعى اليهودية "سيربنت".. قامت الثورة الروسية وحكمت الشيوعية روسيا..
وكانت الحكومة الجديدة أغلبها يهود.. وأول قرار اتخذوه هو إرسال اليهود
إلى أرض الميعاد.. إلى فلسطين.
ضجَّ الشريف حسين وأرغى وأزبد..
ولكن بريطانيا حدثته وهدأته ونومته على
سريره الوثير.. فأعطت لإبنه حُكم العراق. وأعطت لإبنه الأخر حُكم الأردن.بدأ
"ماستيم" يراقب حياة اليهود في فلسطين بعد احتلال بريطانيا..أصبحت اللغة
العِبرية لغة رسمية.أصبح لهم محطات كهرباء مخصوصة لهم.. أصبحت
لهم وزارة للمياه ووزارة للأشغال
كما حدث في العراق
ودخل الإقتصاديون اليهود ولعبوا ألاعيبهم
وفتحوا شركاتهم وأصبحوا يشغلون الفلسطينيين فيها.. ولكن بعد الهجرة
الكبيرة لليهود من روسيا بدأ الأهالي يضجون ويشعرون بالخطر.. وبدأت مالمح
توحي بالخطورة ترتسم على قناع "ماستيم".
على الجانب الأخر تم افتعال حرب زائفة
بين الدولة العثمانية واليونان وتم صناعة
بطل زائف في الجرائد والمجلات.مصطفى كمال أتاتورك"بطل مدحه"أحمد
شوقي"قائلًا
الله أكبر كم في الفتح من عجب.. يا خالد الترك جدد خالد العرب
وسمح التهليل والتطبيل في الجرائد والمجلات لهذا البطل الزائف أن يعلن نفسه
ذات يوم رئيسًا لدولة تركيا
ويعلن سقوط الخلافة العثمانية إلى الأبد.. وفور أن
تسلَّم حُكم تركيا اندهش "ماستيم" من كم الأمور العجيبة التي قام بها.. نفى
كلمة إسلام تمامًا من دستور تركيا.. ونص أنها دولة علمانية لا دين لها.. حرَّم
لبس الحجاب على النساء.. ألغى الإحتفال بالعيدين..
منع المسلمين من أداء
فريضة الحج لسنوات.. أغلق عددًا ضخمًا من المساجد.. حول مسجد أيا صوفيا
العظيم إلى كنيسة.. منع الأذان باللغة العربية وجعله باللغة التركية.. ألغى
منصب المفتي.. أعدم 150 عالمًا مسلمًا اعترضوا على هذه القوانين..
أجبر أئمة
المساجد على ارتداء القبعة االأوروبية بدلًا من العمامة الإسلامية.ألغى التقويم
الهجري تمامًا.. ساوى بين الذكر والأنثى في الميراث.. ألغى من اسمه كلمة
مصطفى لإنه من اسماء النبي محمد صل الله عليه وسلم واكتفى بكلمة أتاتورك.. وفي النهاية أوصى عند موته بأن لا يُصلَّى
عليه
ورغم أن هذه الأمور كلها أسعدت روح "ماستيم".. إلا أن الإندهاش لم
يستطع أن يفارق قِناعه لمدة طويلة لكنه زال لما أوحى إليه "سيربنت" أن أتاتورك
قد ربته حاضنة يهودية.
ألف "أحمد شوقي" قصيدة طويلة ينعي فيها تركيا وينعي سقوط الخلافة
ويهاجم أتاتورك قائلًا:
بعد ان عرف الحقيقة..
وهنا جريمتنا الأزلية
بكت الصلاة وتلك فتنة عابث.. بالشرع عربيد القضاء وقاح
أفدى خزعبلة وقال ضلالة.. وأتى بكُفرٍ في البلاد بواح
لا يمكنك أن تخدع كل الناس كل الوقت.. خرج مفتي فلسطين وكل المفكرين
الذين كانوا مؤيدين للإحتلال البريطاني لفلسطين في مظاهرات
حاشدة سلمية
عديدة معارضين.. لكن "ماستيم" كان يطير فوق مظاهرة أخرى.. مظاهرة
حاشدة قام بها اليهود عند حائط البُراق للمطالبة ببناء الهيكل المزعوم..
منشدين نشيد الأمل.. أو كما يقولون "الهاتيكفا"..
طالما في القلب تكمن
نفس يهودية تتوق
ولألمام نمو الشرق
عين تنظر إلى صهيون
أملنا لم يضع بعد
أمل عمره ألفا سنة
أن نكون أمة حرة في بلادنا
بلاد صهيون وأورشليم القدس
وبعد صلاة الجمعة التي تلت ذلك اليوم.. كان "ماستيم" طائرًا شاهدًا لحدثٍ
رهيب أمام المسجد الأقصى.. جمهرة من المسلمين تصارعت مع جمهرة
مماثلة من اليهود..
وتدخَّل الجيش البريطاني بين الجمهرتين.. وكان تدخُّله
إطلاق النار على المسلمين العزل الذين سالت دماؤهم في ساحة المسجد
الأقصى.. وتحول قناع "ماستيم" إلى منظر بشع مخيف.. وطار فوق الجميع طيرانا
يؤذن بكارثة. أرأيتم ماذا يعني الإرتهان على الغرب
قامت ثورة كبيرة كانت بداية لجميع أحداث العنف التي تلتها.. ثورة البراق..
حطم الفلسطينيون ست مستعمرات يهودية تدميرًا كاملًا.. وامتدت الثورة
كالسرطان إلى كافة المدن الفلسطينية بلا استثناء.. كانت الصحف العالمية
كلها تعرض خبر الفلسطينيين الجزارين الإرهابيين
الذين ارتكبوا أبشع الجرائم
في حق إخوانهم اليهود المسالمين.. تم اعتقال تسعمائة فلسطيني.. أعدم أهم
ثالثة منهم.. واستمرت الثورة عامًا كاملًا.. وبعدها تم تخفيف الهجرة
اليهودية.. واعتبار حائط البراق ملكية إسالمية كاملة لا علاقة لليهود بها. وهل هو اليوم إسلاميا
إلى ان ألقاكم غدا في رعاية الله
ويبقى السؤال
هل تسرب إلى ذهنك شيء، إسمه الإرهاب
أليس هو ما نلقاه اليوم
وقد سمعناه قديما
بهذه الشرائح يقتداون الأمم هنا وهناك

جاري تحميل الاقتراحات...