عبدالرّحمٰن
عبدالرّحمٰن

@a6dulrahmann

17 تغريدة 22 قراءة Nov 07, 2020
تلقيت عشرات الصور من إخوتي وهم ينتزهون في براري بلادي؛ لإغاظتي، فارتمى بصري في أحضان الغربة ارتماء المتضجر الذي اعتاد التنزه هناك بهذا الوقت تحديدا، ونتج عنه دمع استرسل على الخدود، كحبات السُّبحة التي إذا انصرمت إحدى حباتها، توالت خلفها الباقيات،ومنها يتعالى مدٌّ هادر من الذكريات
تذكّرت أخي الأكبر الذي عشق البر منذ الصغر، عندما أذهب معه في سيّارته الهرمة المخصصة للصحراء، والتي تعود في صنعها إلى عقود مضت، لا تصل إلى سرعةٍ تُذكر، كانت ماسحات الزُّجاج الأماميِّ لا تعمل؛ فقد كان يأمرني أن أخرج بجسدي وأمد يدي نحو الزجاج؛ لأتخلص من حبات المطر، ولتتضح له الرؤية!
تذكّرت أبي في مساءِ أحد الأيام الماطرة عندما كان يقول: "من يستيقظ صباحًا سيُرافقنا إلى البر" كانت السماء حينها تصبُّ الماء صبًّا؛ كأنّها احتوت كلّ ماء المعمورة ثم تعيده إليها في دورة سريعة .. كنت أوّل الحاضرين في ذٰلك الصباح؛ لأني لم أنم أصلًا من فرط الحماس!
تذكّرت المِزواج أبا صالح، وحكاياته المكررة؛ يحكي لنا في "المكشات" عندما عاش في الغرب سنين طويلة، فقد رأى فتاة ذات شعر أشقر كأنه الذهب وعيونها خضراء، أحبها فرفر قلبه، كانت خطاباته لها تُسبق بعزيزتي، وباللغتين؛ اللغة الأم، ولغة دار الهجرة، طلب منها الزواج، فلم يعد يراها ليومنا هذا!
يُريني صورته حينها وكانت علىٰ مطلع الثمانينات الميلاديّة؛ لكي يشعرني بأن الفتاة هي التي قامت بخسارته، كان يرتدي قميصًا مُشجّرًا وشالًا كمونيا، أمَّا شاربه الكثُّ فكان يتمدَّد فوق شفته كالسفينة .. كانت الفتاة علىٰ حق بالهروب منه
أمّا أبو خالد الجراح -هكذا أسميناه- فقد كان يقول من يقوم بإزعاجي سأقوم بإخصائه، كان عبوسًا سبّابًا للأطفال، كل منّا في نظره ملعون، يجلس ويسبح بالدخان الذي يتصاعد من سيجارته، كُنت مع الأطفال في زماننا إذا تنهّد علينا، أيقنا أن الإخصاء قد حان، فنهرب واضعين أيدينا على أغلى ممتلكاتنا
تذكّرت أبا أحمد، يستقبلنا بوجههِ الأبيض، وصدغيه المحمرّتين، وبدلته المخصصة للنزهة البريّة، التي تجعله يتذكّر أيام الشباب علىٰ حد قوله؛ قد اشتراها في الألفية الأولىٰ، بدلة بيضاء نظيفة من غير كيّ، وقد شدّ علىٰ رأسه قُبّعة تحميه من حرارة الشمس؛ هيئته تجعلك تشعر وكأنه مدربًا للمنتخب!
تذكّرت الطاهي سعيد؛ كائن له عشرات البطون، لا تمتلئ ولا يبدو عليها التعب، ضخامته توحي أن لا فُرجة تسعه في المجالس؛ يفتح أزرار جلبابه المكوي بعناية أثناء الطهي، وقد عقف كُمّيه باستدارة عند رسغيه، يضحك وهو يزدرد الأرز واللحم، كم كان بارعا وهو يكوّر اللقمة ويحشوها بفمه ويدفعها لحنكه!
تذكّرت التاجر الملعون فهد وخفة حركته، وابتكاره لألعاب كثيرة في البر، فقد كان يقول عندما كنا في سن الثامنة "مَن يُريد أن يلعب معي فليضع خمسة ريالات" تمامًا مثل دكاكين الألعاب لكنها نسخة بريّة. وبالمناسبة هو من تلك المنطقة التي تُعرف بحبِّ أهلها للدرهم والدينار، كبارا كانوا أم صغار
تذكّرت أبا بندر، يجلس بهندامه العالي، يُداعب سبحته الخضراء بين أصابعه الممتلئة، يحكي لنا عن خسارته في التجارة رغم أن كسبه أضعاف، ثم يمضي ويلعن اليوم الذي قرر السكن فيه بحي حطين شمال العاصمة الرياض؛ الحي الذي عجّت به رائحة الكافيهات والمطاعم،بعدما كان مرتعا لمن أراد الهدوء والراحة
تذكّرت صديقي الذي يحمل نفس اسمي، صديقي الذي لا غِنىٰ لي عنه، برغم أني قد تبرأتُ منه مرَّات ومرات، وما زال الأمرُ يراودني كثيرًا في البعد عنه، وما استطعت لذلك سبيلاً؛ فقد كان يقول قبل أن يذهب بي إلى البر: خمسةُ دقائق ويجب أن تخرُج، أخرُج له صباحا ولا يأتي إلا بعد مغيب الشمس!
تذكّرت صديقي صاحب النُّكتة باسم الثغر دائمًا، والذي لم يعد كذلك في الآونة الأخيرة؛ أصبح خرّيجًا يبحث عن عمل، كالآلاف من المعذَّبين أمثاله الذين لفظتهم الجامعة، يتوثَّبون لانتهاز فرصة عمل، يُقِيمون الدورة تِلوَ الدورة، دورات حاسوب ولغة؛ علَّهم يجدون فرصة عمل مناسِبة
تذكّرت صديقي مُفرط الثقة في نفسه، كثير التلفُّت، صَعل الرأس أصلعه، أحجن الأنف، أغضَفَ الأذن، متراكب الأسنان، ناتِئَ الوجه، صغير العين، خفيف العارضين؛ فقد كان يسألني عندما تنظُر له إحدى الفتيات وهو فوق سيارته الجبليّة قائلًا: تتوقّع مُعجبة! بَل مُنفجعة
تذكّرت أبا بدر عندما يتخذ ركنًا في الدّكة بهيئته الرثة، تذكّرت تفاخره بأهله وأنهم أول بيت اشترىٰ التلفزيون الملّون في الحارة، في زمنٍ كانت أجهزة الأبيض والأسود عزيزة لدىٰ الناس .. ياله من فخر لم يسبقه إليه أحد قبله!
أمّا الجلسةُ مع كبار السن في الصحراء أمام "شبّة النار" كنتُ أحرص عليها دائمًا؛ لأقتبس من فوائدهم، والتقط بعض فرائدهم، يفترشون حصيرًا، يحكون ويغنون، وينشدون أشعارًا لشعراء البدو، عن شهامة أبطال، وتضحيات رجال، ومعهم أعرف بقايا حكايات رويت ولم تكتمل، أو أن هناك من التفاصيل لم تذكر
وبعد منتصف الليل، يدلفون إلىٰ بيت الشعر، يستقبلون الأرض بكفوفهم، يتخذون موضعًا لجلستهم ثم يقتربون إلى الأرض بحركة بطيئة لحين القُعود؛ وهٰذه طريقتهم في الجلوس بعدما تدهورت رُكبهم، ثم بعد ذلك تنحصر أشعارهم وأحاديثهم مابين السُّرة والرُّكبة .. وهذا هو الجزء المفضّل لديهم دون شك!
أطوي هذه الواحة الكبيرة، فذكّرتني بصحراء بلادي -من وجهة نظر مُحبيها- وتزاحمت في مخيلتي الذكريات، تذكرت جوّها الحار الجاف، وغبارها وعجاجها الصيفي الأحمر القاتل؛ ذلك الغبار الكثيف الذي أتعب الكثيرين ممن يعانون من أمراض الرئة والتنفس، فكم كانت الأيام حلوةً زكية! يا ليتها تعود وتبقى!

جاري تحميل الاقتراحات...