«بعد انتصار الجيش البريطاني على الجيش الإيطالي في معركة كيرين في إريتريا في الأول من نيسان عام ١٩٤١، اقتربت عجوز إريترية من أحد الضباط البريطانيين لتشكره على «تحرير» إريتريا من نير الاستعمار الإيطالي، الذي كان يحتل البلاد منذ عام ١٨٨٥، فأجابها قائلاً: «لم أفعل ذلك من أجلك.»
كانت الدوافع وراء الاستيلاء على كيرين واحتلال إرتيريا استراتيجيّة بحتة تتعلّق بمصالح بريطانيا في الحرب العالميّة الثانيّة ولا علاقة لها بالإريتريين أنفسهم. يقال إن الحكاية غير حقيقيّة، لكنّها تظل أمثولة بليغة على مأساة العقْل المُسْتَعْمَر. (وأصبحت الجملة «لم أفعل ذلك من أجلك»)
عنواناً لكتاب مهم عن تاريخ إريتريا.) قلّما يصرّح المُسْتَعْمِر بحقيقة الدوافع والأهداف التي تقف وراء ممارساته. بل يحرص على تغليفها بخطابٍ فضفاض عن الحريّة والديمقراطيّة والتقدّم. ولا تُلامُ العجوز الإريتريّة في الحكاية المتخيّلة كثيراً، بالطبع، فمن أين لها أن تعي تعقيدات الموقف
آنذاك. لكن موقفها، أي موقف المُسْتَعْمَر الذي يشعر بضرورة تقديم الشُكْر للمُسْتَعْمِر المحتلّ، ما زال يتكرر بشكل مثير للشفقة من قبل بعض المثقفين الليبراليين في العراق. في مؤتمر عقد في جامعة جورجتاون عام ٢٠٠٨ للاحتفاء بذكرى الراحل حنّا بطاطو وكتابه الشهير عن العراق انزعج
أحد الباحثين العراقيين من النقد الذي وجهته لحقبة الاستعمار البريطاني في العراق. وقال، بالحرف الواحد: «علينا أن نشكرهم فقد بنوا لنا الطرق والمؤسسات وتركوا لنا الكثير.» وفات الباحث القدير أن البريطانيين بنوا الطرق ليسهل نقل جنودهم لا لكي يسهّلوا حياة العراقيين.
بعد احتلال العراق عام عام ٢٠٠٣ كتب كنعان مكيّة افتتاحية في جريدة «نيويورك بوست» الأمريكيّة اليمينيّة شكر فيها ”الشعب الأمريكي العظيم على الهديّة التي أعطيتمونا إيّاها.» ولم يرد عليه أحد قائلاً «لم نفعلها من أجلكم» فذلك كان سيفسد الأسطورة!
وسيجد منطق «الهديّة» طريقه إلى عنوان كتاب فؤاد عجمي عن العراق، «هديّة الأجنبي». كلّما مرت ذكرى غزو العراق واحتلاله عام ٢٠٠٣. يتحسر البعض، كما دأبوا كل سنة، على الفرصة التي أضاعها العراقيون لأنّهم لم يسمحوا، بانقساماتهم وفسادهم وطائفيتهم، للمشروع الأمريكي بالنجاح!
ولأن الأمريكان رحلوا قبل الأوان وقبل أن يتمكنّوا من أن يفعلوا في العراق ما فعلوه في اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانيّة! يتناسى هؤلاء اختلاف السياق والتاريخ والأهداف. لكنّه «منطق الهديّة» بلسان المُسْتَعْمَر المُمْتنّ، مضافاً إليه جلد الذات الجمعيّة الذي يحل محل النقد
الذاتي الحقيقي ومواجهة التاريخ.كان واضحاً منذ عام ٢٠٠٢ أن الهدف من الغزو لم يكن إنشاء نظام ديمقراطي. فتاريخ سياسات وتحالفات الولايات المتحدة يشير إلى العكس عموماً، وبالذات في المنطقة. خطر أسلحة الدمار الشامل كان أكذوبة. فكيف لبلد تم قصفه وتدمير بنيته التحتيّة وإعادته
«إلى العصر ما قبل الصناعي» كما قال بيكر عن حرب الخليج ١٩٩١، ثم فرض عليه أقسى حصار اقتصادي في العصر الحديث، كيف له أن يتمكّن من إنتاج أسلحة دمار شامل؟ كان الهدف هو الاستحواذ على العراق وتحويل اقتصاده إلى اقتصاد سوق مفتوح وتأسيس قواعد عسكريّة.
لم تسقط الولايات المتحدة النظام فحسب، بل دمّرت مؤسسات دولة عمرها قرن ووضعت بدلاً منها نظام دولة طائفية، مؤسساتها فاشلة، تديرها نخبة فاسدة نجحت في «تحرير» ثروات العراق من أهله وإيداعها في المصارف الدولية. (مقالة بعنوان «احتلال العقول» نشرت في جريدة السفير، نيسان، ٢٠١٦)
جاري تحميل الاقتراحات...