الدرعية
الدرعية

@DiriyahAd

92 تغريدة 423 قراءة Nov 12, 2020
سلسلة (ثريد) لتغريدات د.عبدالحكيم العواد @aalawwad المشار إليها في وسم حرب الدرعية
#دردشة_حول_حرب_الدرعية
تختلف الدرعية عن جميع مدن وقرى الجزيرة، كونها تتألف من عدة أحياء متباعدة عن بعضها، ما جعل الدفاع عنها يحتاج لعدد كبير جدا من الرجال والسلاح، وأضعف الدعم اللوجستي (الاتصالات والنقل)بين القيادة وجبهات القتال المتعددة والمتفرقة.
وقد لاحظ الشيخ عبدالرحمن
بن حسن هذا الأمر فقال :" الدرعية شعاب شتى، لايمكن تحصينها بالأبواب والبناء، وتتألف من أحياء متباعدة، والتحصن بها عن العدو لن يجدي"
وحاولت الدرعية أن تعالج المشكلة ببناء سور عالٍ بطول ١٢،٨٠٠كم وارتفاع لا يقل عن ٣م يحيط بجميع أحياء الدرعية وتتخلله حصون ومخازن مؤنة وأسلحة.
عين الإمام عبدالله أخاه فيصلا قائدا للقوات المشتركة ومسرح العمليات؛ فقد كان المدافعون يتألفون من أهل الدرعية والعارض، إلى جانب قوات من سدير والمحمل والبير والوشم والحريق.
وكان أهل سدير والمحمل وما حولها قد أرسلوا للباشا معلنين الخضوع ليأمنوا عدم مهاجمته
قراهم أثناء غيابهم للقتال، ونجحت خطتهم.
أما البلدات التي صالحت الباشا، فكان شرطه أن لا تشارك بالحرب إطلاقا، والتزموا بذلك ولم يقطعوا الطريق على قواته!
وقد سبق أن جرب الإمام عبدالله حرب الاستنزاف في الصحراء ولم تجدِ، لأن الباشا كان يساعده بعض البادية، الذين حموا إمداداته.
وزع فيصل بن سعود قواته على أبراج الدرعية، ولكل فرقة قائد منها.
ورابط أهل الحريق بقيادة تركي الهزاني وآل دغيثر وبعض أهالي الدرعية خارج السور.
وهنا أسجل أن أشجع من قاتل هم هؤلاء؛ فهم الوحيدون الذين رابطوا خارج السور، قبالة الباشا تماما الذي عسكر في العِلْب
بعد أن غادر معسكره السابق في الملقى.
وأوصى فيصل هؤلاء أن لا يمكنوا سلاح المهندسين بقيادة الفرنسي فيسيير من الاقتراب من السور؛ ليصعب عليهم معرفة النقاط التي سينصبون فيها مدافعهم.
وما أن اقترب الباشا ومعه بعض قواته، حتى أصلوه بنيرانهم فتراجع للوراء بعد مقتَل خازنه سليم آغا.
قسّم إبراهيم باشا جيشه قسمين، فجعل رشوان آغا على هضبة الوادي الشرقية، مواجها لتركي وسعد أبناء الإمام سعود، وابن مزروع أمير منفوحة وقومه.
وفي الهضبة الغربية على سفح شعيب الحريقة الشمالي، جعل أزن علي، ويقابله على سفح الحريقة الجنوبي، عمر وحسن أبناء الإمام
سعود، ومعهما رجال من الدرعية. وخلفهما "الإمام" تركي بن عبدالله وأخوه زيد في ظهرة العودة،ثم فرج الحربي مملوك سعود يقود المماليك، ثم فهد وفيصل أبناء تركي مع محمد بن حسن بن مشاري في غبيراء.
وببطن الوادي، مقابل الباشا مباشرة، فيصل وإبراهيم وفهد أبناء الإمام سعود، مع أهل الدرعية.
بدأت مدافع الباشا في العِلْب بقصف مواقع المدافعين عن الدرعية، ببطاريتي مدفعين من العيار الثقيل، فانهارت بعض الأبراج، وتراجع المدافعون إلى المزارع، فأسر الجنود بعضهم، وقتلوهم وقدموا رؤوسهم وآذانهم المقطوعة للباشا، فأعطى على كل رأس أو أذنين ٥٠ قرشا مصري
وكان هدف الباشا إرعاب المدافعين. وجرت معركتان بشعبي المغيصيبي والحريقة خارج السور، استمرت ١٠ أيام ولم تتقدم قوات الباشا، وقتل من الفريقين العشرات.
وأرسل الباشا قوة عبرت الهضبة الغربية ليلا وكمنت في غبيراء خلف المدافعين، وفاجأتهم نهارا وقتلت قائدهم فهد بن تركي بن عبدالله
استطاع الباشا بعد تكثيف القصف على أبراج سمحة(العودة) ومضي شهرين أن يجبر فيصل بن سعود على التراجع إلى "السلماني" مزرعة إبراهيم بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب، في مفيض قري قصير.
ووصلت الباشا تعزيزات من البصرة وجنود مغاربة مع مدافعهم، والجرحى الذين تعافوا في
مستشفى شقراء، وقوافل من المدينة وعنيزة تحمل البارود والقنابل والمؤن، فارتفعت معنويات جنود الباشا.
تقدم الباشا إلى سمحة(العودة)ونصب مدافعه وقصف بشدة تحصينات فيصل، فوقع قتلى كُثر، وشوهدت النساء تعبئ قِرب الماء من آبار قري قصير وسط القذائف المتساقطة لتسقي المرابطين والجرحى
كثف رشوان آغا قصفه على الجبهة الشمالية الشرقية في قري قصير، محاولا احتلالها وإقامة قاعدة للباشا بها.
وركز أزن علي قصفه على قواعد "الإمام" تركي بن عبدالله وابنه فيصل بهضبة الغياضي الغربية؛ فتراجعا وقواتهما جنوبا إلى غبيراء؛ حيث قُتِل ابنه فهد.
لكن جبهة
قري قصير قاومت بشدة لوجود القائد فيصل بن سعود وأهل منفوحة والوشم بها؛ فكلف الباشا القناص مصطفى قواله لي باستهداف فيصل، فقتله ببندقية فرنسية متطورة، من مسافة بعيدة، لا تصلها طلقة البندق العادية! وأرسل الباشا لوالده يبشره بذلك.
وتولى القيادة العامة تركي بن سعود خلفا لأخيه
ومالبث القائد العام تركي بن سعود، الذي خلف أخاه فيصلا، أن قُتل؛ فأصبح المدافعون بلا قيادةميدانية موحدة، وباتت كل فرقة في ناحية تقاتل لوحدها، بمعزل تام عن الأخرى!
حينها تبين أن سقوط الدرعية ماهو إلا مسألة وقت!
لكن ما أعجز الباشا في الجبهة الشرقية، وجود
مقاتلين أشداء صمدوا في وجه رشوان آغا، وجمّدوه في معسكره بقري قصير!
كان شديّد اللوح وأخوه سويري وجماعتهم من أهل الصفرات، قد بنوا حصنا منيعا بهضبة ناظره، ومعهم ٤ مدافع نحاسية غنمتها الدرعية من طوسون.
وأمطروا قوات الباشا بالقذائف، فقتلوا منهم الكثير، فسمي موضعهم قري الروم.
استمر اللوح وجماعته في المقاومة الشرسة، وأصبحت قذائف مدفعية الطرفين تتصادم في الهواء.
وكان هدف الباشا استرجاع مدافع أخيه طوسون من حصن شديد اللوح، ثم المواصلة إلى حيث حصن غصيبة قوي التحصين.
ولما رأى اللوح أن ذخيرته قد نفدت؛ انسحب مع جماعته إلى غصيبة
واستولى الباشا على المدافع، وأرسل إلى والده يبشره.
وفجأة هبت ريح جنوبية حارة حملت شرارة من موقد الجند إلى مستودع الذخيرة بقري قصير؛ فحدث انفجار هائل في ٢٠٠برميل بارود و٨٠ صندوق طلقات وقذائف قبس، واحترقت أكياس القمح والشعير، وتفحمت جثث الجند، وسمع الانفجار من مسيرة أيام.
لم يبقِ الانفجار من ذخيرة الباشا سوى ٩٠٠ قنبلة، و٣٠٠ قذيفة وبعض طلقات البنادق التي كانت بحوزة الجنود ساعة الانفجار!
وهكذا بقي الباشا ذو ال٢٦ سنة بخيمته بلا ذخيرة، فريسة لمقاومة شرسة، قد تنقض عليه!
لكن المقاومة لم تستغل ذلك جيدا، فليس لديها قائد ميداني!
خرج ١٥٠٠مسلحا في اليوم التالي، وكانت تنقصهم الخبرة، فبدلا من الانقضاض على العدو من عدة جهات لتشتيت طلقاته، هاجموه من جهة واحدة، فانتظر الباشا اقترابهم، ثم أمطرهم بما تبقى من ذخيرته، فتراجعوا بعد خسائر فادحة بالأرواح، وظن المقاومون بعد الاختبار أن الباشا لازالت لديه ذخيرة!
أشار بعض رؤساء نجد! على الباشا أن يبعث للبلدان ويطلب منهم رجالا يقاتلون معه، فجاءه جمع منهم، إلا أهل عرقة، فقد طردوا رجاله.
فمشى إليهم الباشا مع قوة من أهل نجد وحاصرها، وضربها بالقبوس؛ فخرج أهلها بالأمان ومعهم سلاحهم، وقصدوا الدرعية، وأحرق الباشا نخلهم
وأرسل الباشا للآفاق يطلب سلاحا ومؤنا لتعويض ما أتلفه الانفجار؛ فجاءته قوافل البصرة والزبير من أهل نجد الذين أجلاهم آل سعود، تحمل الغذاء والتنباك ولوازم الجيش.
ووصل إليه مقاتلون من مصر ومعهم أسلحة وذخيرة؛ عند ذلك هرب جمع غفير من المدافعين عن الدرعية، فارتفعت معنويات الباشا
أصبح الباشا وجها لوجه أمام حي غصيبة، وهو أقوى حصون الدرعية بعد حي الطريف.
ولسور غصيبة ثلاثة أضلاع، وهو عريض جدا، ولا يمكن مهاجمته إلا من المناطق التي احتلها الباشا، وهي الجهة الشمالية؛ حيث ناظرة (الأسهم القصيرة)، والغربية ؛ حيث الكويخا (السهم الطويل)
وتحصن في غصيبة سعد بن الإمام عبدالله بن سعود، ومعه قوات منفوحة والوشم والصفرات، إثر تراجعها من مسرح العمليات الشمالي، واحتلال الباشا لجميع مواقعها.
نصب الباشا مدافعه فوق مزرعة السلماني شمالا، وتموضع أزن علي في الكويخا غربا، بعد هزيمته قوات عمر وعبدالرحمن أبناءالإمام سعود.
كان في حصن غصيبة من الرجال والمؤن ما يكفي للصمود طويلا؛ لذا حشد الباشا مدافعه والمدافع التي غنمها، وأمطره بسيل من القذائف شمالا وغربا. وأصبحت القذائف تتصادم في السماء.
وكانت نساء غصيبة يسارعن إلى سكب الماء على فتائل "قنابل القبس المسمارية" قبل انفجارها
ماجعلها تفقد قيمتها الانشطارية!
رأى الباشا أنه لابد من استخدام أسلوب الصدمة والإرعاب لإخافة النساء؛ فبدأ بربط الكلاب وجثث القتلى بسلاسل في القذائف وإطلاقها على الحصن، فأرعب بذلك المدافعات.
وأصابت قنبلة محمد بن مشاري بن معمر -تولى السلطة في الدرعية لاحقا- وبترت قدمه اليمنى
اشتد القصف على غصيبة؛ فصعد علماؤها في منارة جامعها وهتفوا بالمقاومين يذكرونهم بما أعده الله للمجاهدين، فارتفعت معنويات أهلها.
ورآى الباشا أنه لابد أن يستولي على شعب قليقل، المجاور لغصيبة، كي يقصف الحصن من الجهة الشرقية.
وهنا واجهت قوات الباشا آل دغيثر
وأهل الوشم، الذين لم يتركوا للباشا فرصة التموضع فوق سفح قليقل؛ فهجموا عليه، وحصل قتال شرس، تراجعت بسببه قوات الباشا، وتركت مدافعها.
فأراد المدافعون جر مدافع الباشا، فلم يستطيعوا؛ لأنه ربطها بالسلاسل، ووضع فيها ألغاما؛ فثارت وقتلت خلقا، منهم حسن وعلي آل دغيثر وابن معيقل.
استطاع الباشا السيطرة على سفح قليقل، ووجه قسما من مدافعه إلى حصن غصيبة، وقصفه بشدة، فباتت القذائف تتساقط على غصيبة من جهاتها الثلاث.
أحزن سعد بن الإمام عبدالله عويل النساء وبكاء الأطفال، فلوّح براية الاستسلام، بشرط أن لا يدخل الجند الحصن إلا بعد استسلام
حيي السهل والطريف.
أسر الباشا القائد سعد، ثم صوب جميع مدافعه تجاه عاصمة الجد مانع المريدي"حي سمحان".
وطلب من أزن علي أن يكثف قصفه على الجبهة الغربية؛ كي تلتقي القوتان عند باب سمحان.
اشتبك أزن علي مع قوات يقودها عمر وحسن وعبدالرحمن ومشاري أبناءالإمام سعود وتركي بن عبدالله.
لبى الباشا رغبة القائد عبدالله ولم يجتح غصيبة، مشترطا أن يجعل قصر الإمام سعود في الحي مستشفى ميدانيا يخلي إليه الجرحى، كما فعل في شقراء، خاصة أن طبيه الخاص الإيطالي جينتيلي أصابت قدمه قذيفة، وبترها أطباء الجيش الإيطاليون: توسكيني وسكوتو والصيدلي سوشيو.
واجهت القائد أزن علي في الجبهة الغربية مقاومة شرسة من أبناء الإمام سعود؛ ذلك أن سقوط حصونهم يعني أن قصور الطريف ستصبح في مرمى مدافع الباشا، وسيصل لإمام المسلمين.
نصبوا لأزن الفخاخ في شعب البليدة، وحفروا الخنادق في شعب كتلة لمنع قواته من صعود الهضبة القبلية ومهاجمة الطريف.
اخبر بعض الحاضرة والبادية ممن كانوا يؤيدون الباشا، ويراقبون الوضع عن كثب، أن الإمدادات لازالت تصل للدرعية من الناحية الجنوبية، التي لم تكن مسرحا للعمليات العسكرية حتى الآن!
فجن جنون الباشا وأمرهم بقطع الإمدادات التي تبين أنها تأتي من الأحساء، بعد تحييد
عرقة وحرق نخيلها.
وأرسل الباشا قائد الجبهة الشرقية رشوان آغا، وأمره أن يلتف من فوق شعب قري عمران ليصل إلى الرفيعة جنوب شرق الدرعية، ويشتبك مع القائد فهد بن عبدالله بن عبدالعزيز(ابن عم الإمام) ومعه أهل سدير ورئيسهم عبدالله بن القاضي أحمد العريني.
واستمر علي أزن يتقدم غربا.
استطاع أزن علي بعد معاركه في الجبهة الغربية مع أبناء الإمام سعود وتراجعهم إلى داخل حصن الطريف، أن يصعد الهضبة القبلية وينصب مدافعة قرب أسوار الطريف الشمالية.
وبوصوله إلى هذه النقطة، أصبحت قصور الطريف وقصور سمحان في مرمى نيرانه، وتوقف ينتظر أوامر الباشا.
بعد تجاوز الباشا لحي غصيبة، تقدم تجاه الجنوب الشرقي، فأصبح يرى معسكر الإمام عبدالله وآل الشيخ بين باب سمحان وباب قلعة البلد؛ فتوقف منتظرا تموضع رشوان آغا في ظهرة الزلال شرقا.
لكن رشوان بعد سيطرته على قري عمران، وقتله فهد بن عبدالله، واجه معركة شرسة مع آل الشيخ في البجيري.
تفاجأ رشوان أن البجيري (الحي الديني) كبير، ومتداخل مع أحياء ملوي والسريحة والحوطة والمريّح، ويحتاج لقذائف مدفعية هائلة للسيطرة عليه.
وكانت القذائف محدودة ويحتاجها الجيش لقصف سمحان(الحي الاقتصادي) والطريف(الحي السياسي).
تشاور رشوان مع الباشا، واتفقا على
أن يدك الباشا مخيم الإمام عبدالله في سمحان ويحتله، ثم يحاصر السهل والبجيري من الشمال، ورشوان من الشرق، ويجتاحانه سوية.
أصدر الباشا أمره لأزن -الذي تركه ينتظر جهة الغرب- ليبدأ قصف سمحان، وبدأ هو أيضا يقصف سمحان، فغادر الإمام مخيمه ونزل قصره بالطريف، وقصَد آل الشيخ البجيري.
نزل الباشا في موضع الإمام عبدالله بسمحان بعد أن غادره الإمام للطريف. ووجه مدافعه إلى باب الظهرة المؤدي للسهل(الموضع المقابل لكراج البلدية القديم) وقصفه بشدة، فتراجع أهل السهل ومعهم بقية المدافعين عن الدرعية، وتحصنوا في أحياء السهل الخمسة يقودهم آل الشيخ
عند ذلك أمر الباشا جنوده باقتحام السهل شمالا، وأمر رشوان باقتحامه من الشرق. وكاد الاقتحام أن ينجح ويستسلم البجيري وبقية الأحياء.
فصعد آل الشيخ المآذن وضجوا بالتكبير، وشهر الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب سيفه مؤذنا بالمقاومة، فتشجع المدافعون، وبدأت حرب شوارع شرسة.
كانت بيوت أحياء الدرعية الخمسة في محلة السهل متلاصقة، وأزقتها ضيقة، ومداخلها محدودة، ومن يدخلها يتوه!
ولعبت هذه العوامل في صالح المقاومة؛ فأصبح الجندي العثماني لا يستطيع المناورة ببندقيته الطويلة، كما أنه يستغرق وقتا لإعادة تعميرها، ناهيك عن أنهم مرتزقة
والحياة لديهم مقدمة على أي أمر.
أما المقاومة فقادها علماؤها، وقد أفتى الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب بكفر إبراهيم باشا، وحرمة موالاته.
فكان المقاومون لا تنقصهم التعبئة المعنوية؛ فلبسوا أكفانهم، وشحذوا سيوفهم وسكاكينهم، وذبحوا العثمانيين والمرتزقة ذبح النعاج.
لما رأى الباشا جنوده وجنود رشوان آغا يتساقطون في أزقة البجيري وبقية الأحياء، استدعى فرقة أزن علي التي كانت ترابط جنوب الدرعية، على هضبة القرين، وطلب منها التدخل من جهة حي المريّح لتشتيت المدافعين وتخفيف الضغط على الجنود.
لكن المدافعين بلغوا من الكثرة
ماجعل فرقة علي أزن تواجه ما واجهته فرقتا الباشا ورشوان.
خشي الباشا أن يفنى جنوده! فرضخ للصلح، وكان قبل ذلك رافضا له؛ فخرج له عبدالله بن عبدالعزيز(عم الإمام) وعلي بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب ومحمد بن مشاري بن معمر، واتفقوا على قواعد فك الاشتباك.
وصالحوه على دمائهم وأموالهم.
وحاول الثلاثة أن يصالحوا الباشا على الدرعية كافة، فاشترط أن يسلم الإمام عبدالله نفسه، أو يقتصر الصلح على محلة السهل فقط.
وهكذا لم يعد مقاوما من أحياء الدرعية سوى حي الطريف؛ حيث تحصن فيه الإمام عبدالله وإخوته مع من انحاز إليه من أهل السهل و ٤٠٠ مملوك.
كان الإمام يحض أتباعه على مقاومة خاسرة؛ فقد وجه الباشا جميع مدافعه نحو حصن الطريف، وقصفه من النصرية والزلال(موقع المحافظة) وباب سمحان وشعب حبيكر.
وبدأت جدران قصر الحكم وأبراجه تتساقط، ومعها تساقطت فرص الإمام في المقاومة.
وبذل المال لأتباعه؛ ليواصلوا القتال، فأخذوه وهربوا!
قاوم الإمام عبدالله القصف مدة يومين وبرفقته إخوته ومن بقي لم يهرب من أتباعه.
وفي محاولة أخيرة يائسة للمقاومة، أخرج مدافعه من قصر الطريف وجعلها فوق سطح المسجد؛ كي تصل قذائفها لمواقع الباشا.
إلا أن قذائف العدو تساقطت عليهم كالشهب، فرآى الإمام أن المقاومة
أصبحت عبثا، وستهدم القذائف الحي وتواسيه بالأرض، وتقتل النساء والأطفال.
فأرسل مبعوثه للباشا يبلغه استسلامه والتفاوض معه، فتوقف القصف على الحي.
ثم خرج الإمام يرافقه ٢٠٠ من أتباعه إلى معسكر الباشا، وأخبره أن محمد علي أمر بإرساله للقاهرة فور استسلامه، على أن يحسن له أو يسيء.
كان مخيم الباشا بجوار باب قلعة البلد، وهو الباب الجنوبي لسمحان.
وكأني بالباشا اختار هذا الموقع عمدا؛
ليقول للإمام:
هأنذا أجلس في المكان الذي عاش فيه جدك مانع المريدي، وبنى فيه جدك محمد بن سعود قصره، ولم يتبقَ سوى قصر جدك عبدالعزيز،وهأنذا أوشك أن احتله!
ولما رأى الباشا تردد الإمام في قبول السفر، عرض عليه أن يزوده بالبارود والقذائف ويواصل الحرب!
فقال الإمام:
"لا .. فقد نصرك الله، وكتب عليّ الهزيمة، ولم يهزمني جندك".
ثم طلب الإمام مهلة يوم؛ ليجهز متاعه للسفر، فوافق الباشا.
كما أطلق سراح سعد ابن الإمام، وكان قد أسره بغصيبة.
ودع الإمام أسرته الحزينة، وأعطته عمته صندوقا به ما تبقى مما أخذه والده من الحجرة، وصحبه رئيس شؤونه الخاصة عبدالله السراء، وكاتبه عبدالعزيز بن سلمان، وقبل مغادرته، مر على إبراهيم باشا ورجاه أن لا يهدم الدرعية، وأن يعامل أهلها باللين، فوعده الباشا بذلك
غادر الإمام مع ٤٠٠ جندي يرأسهم رشوان آغا.
وأخذت تغيب قصور الطريف وسمحان عن ناظريه شيئا فشيئا، ثم حاذى العفيري مزرعة أخيه سعد، فمشيرفه مزرعة والده، ثم الطرفية يمينا؛ حيث التقى الإمامان، تلتها غصيبة؛ حيث ولد جده محمد، فالغياضي والعِلب مزرعتا أخويه ناصر وفيصل، ثم أطرق برأسه.
وصل الإمام للقاهرة، واستقبله محمد علي وألبسه حلة جديدة، وأسكنه في سراي اسماعيل ببولاق.
وبعد يومين غادر لتركيا، وهناك عقدت له ورفيقيه محاكمة صورية عاجلة، وحاولوا أن يثنوه عن عقيدته السلفية، ويتبع العقيدة القبورية، فأبى!
فحكموا بكفره وإعدامه.
وعلقوها تحت إبطه، وغُرس الحكم بخنجر في صدره، وصُلب هكذا أياما، ثم أُنزل وسُحل بطرقات المدينة، ثم ألقي في البحر ورفيقيه رحمهما الله.
كان بإمكانه اعتناق القبورية، والرجوع لنجد؛ ليكون حاكما مطلقا، ويهدم عقيدة أجداده السلفية،لكنه اشترى الآخرة بالدنيا.
رجعنا إلى إبراهيم باشا..
ما إن غادر الإمام عبدالله الدرعية، حتى التفت الباشا لمرافقيه مزمجرا:
"إيتوني بسليمان بن عبدالله الوهابي"
ولما حضر سأله:
*"أخبرني الثقات أنك تكفرني! فما حملك على تكفيري يا سليمان؟"
*"لا أذكر أني ذكرت اسمك فيما كتبته، ياإبراهيم! ولا تأخذني بأقوال الوشاة"
*"أخبروني أنك كتبت كتابا حينما توغلت قواتي في نجد، وناصرني بعض البادية والحاضرة، أسميته الدلائل في حكم موالاة أهل الشرك!"
*"الأمر ما ذكرتُه يا إبراهيم"
*"ويحك يارجل! كاد جيشي يفنى بسبب فتواك! ولا أدري هل أعجب من شجاعتك ووالدك في القتال، أم فتواك التي شحذت بها همة الوهابيين!"
"لئن عاش أمثالك، فوالله لتعدَنّ الدرعية"
"أسمعوه المعازف؛ فإن الوهابية تحرمها، ثم خذوه إلى حيث يرقد جده، وليطلق عليه البندقجية النار سوية؛ كي يتمزق لحمه في ثوبه، ثم أحضروا لي والده"
ولما حضر الشيخ عبدالله، قال الباشا:
*"قتلنا سليمان يا عجوز"
*"لو لم تقتله لمات يا إبراهيم"
*"لو لم أقتله لمات .. لو لم أقتله لمات، ما أشد تجلدك للشامتين يا عجوز!"
*"يابهرام احضر لي سعود بن عبدالله"
ولما حضر سعود بن عبدالله بن محمد بن سعود، سأله الباشا:
"أين أخواك تركي وزيد، لم يستطع فرساني اللحاق بهما، ولابد أنك تعرف أين اختفيا؟"
*"لا أعلم"
*"لن يهنأ لي بال حتى أقبض عليهما، وإن بقي من أسرتكم فردا فلن آمن عودته للدرعية بعد مغادرتي"
*"يا باشا، هل يُلام إن أعاد ملك أجداده؟"
*"ثق يا سعود أني إن لم أقبض على تركي، فسيعود حسين بيك ليفعل ذلك، ولن نسمح بعودة حكمكم .. لكن أخبرني لماذا نكثت وعدك بأن لا تقاتلني حينما أطلقت
سراحك في ضرما، شريطة أن لا تقاتلني ثانية؟"
*"أيها الباشا، هل يليق بالحر أن يقف مكتوف الأيدي ودينه وعرضه وماله يستباح!"
*"صدقت، أتعلَم يا سعود! لقد عصاني جندي عدة مرات، وكتبت لوالدي أشتكي له، رغم أني أعرف أن المرتزقة لا تهزُم صاحب العقيدة، لكن خونتكم ساعدوني، خذوه واعدموه"
كان الباشا مصابا بجنون العظمة، وهذا ما جعله لا ينسى الإساءة مهما طال أمدها! فما أن أعدم سعود بن عبدالله، حتى انتفض وكأنه تذكر شيئا!
"أين أصحاب الرّس!؟"
ولم تمر لحظات حتى كان الشيخان أحمد بن رشيد الحنبلي وصالح بن رشيد الحربي يقفان أمامه، فصاح في الاثنين
"لولا أن الرسل لا تقتل، لقتلتكما في الرس، جزاء سخريتكما"
"أتذكُر ياحنبلي حينما قلت وأنت تضحك أني أحاصر الرس منذ أشهر، ولم أستطع دخولها"
*"يا إبراهيم،أنما كنت أفاوضك عن الإمام حينها، وقلت الحقيقة"
*"تبا، والله لأحرمنك نواجذك التي ابديتها تهكما وأنت تفاوضني هناك. اخلعوا أسنان
هذا العجوز واجلدوه"
"أما أنت يا صالح، فهل نسيت مقولتك لي: بأني لست أتفاوض مع فلاح مصري، وإنما مع حاكم نجد! أين حاكم نجد الآن يا وهابي؟"
*"يا إبراهيم، إنما قلته لأنك وضعت شروطا للمصالحة كشفت جهلك بقوة الإمام! فأردت تنبيهك"
*"يا بهرام، اجلد هذا الوهابي، واجعله بملفظ المدفع"
طلب الباشا من الخونة الذين اشتراهم بجنيهاته أن يجمعوا له أسماء قادة المقاومة الذين لازالوا أحياء.
فانتشروا بين الأهالي واستطاعوا أن يجمعوا له أسماءهم، وهم:
قاضي الخرج علي بن حمد العريني وعبدالله بن صقر الحربي، من أهالي الدرعية، وأعدمهم بطلقات المدافع.
أما قاضي الحوطة والحريق الشيخ رشيد السردي وعبدالله بن كثير وعبدالله بن سويلم وحمد بن سويلم من الدرعية ومحمد بن سدحان من شقراء فهؤلاء أمر جنوده أن يطلقوا عليهم نيران البنادق.
ووصله خطاب من والده يطلب ترحيل آل الشيخ وآل سعود مع أسرهم إليه في مصر، ليضمن أن لا تقوم لهم دولة!
كان من تبقى في الدرعية من آل سعود بعد سقوطها ٤٦ نفسا بين رجال ونساء وأطفال، ومن آل الشيخ ١٤ نفسا بين رجال ونساء وأطفال، إضافة إلى ١١٥ مملوكا و٨٦ جارية.
واستطاع آخرون من الأسرتين الهرب قبل أن يقبض عليهم جنود الباشا.
وبعد أن تجهز الجميع، أمر الباشا بمسير
القافلة، وخصص عددا كبيرا من جنوده لمرافقتهم إلى ينبع، ومنها إلى القاهرة.
أما الباشا فبعد أن انتهى من الإعدامات قصد قصر الإمام عبدالله في الطريف واتخذه سكنا، واستولى على جميع خيوله واسلحته.
وبعد نحو شهر، وصلت جاريته الفارسية تحمل ابنهما عثمان ذا السنتين، يرافقهما ٤٠٠ فارس.
بعد أن استقر إبراهيم وأسرته في قصر الطريف، جلب عربته التي تجرها أربعة بغال من ينبع.
وكان كلما ركب فيها هو وأسرته للتنزه في أحياء الدرعية ونخيلها، تسابق الأهالي وهم يتدافعون لرؤية العربة العجيبة التي يرونها لأول مرة؛ فلم تكن نجد تعرف العربات من قبل!
وهذه الأحداث وما سيتبعها التي أنقلها عن مانجان للحياة في الدرعية تحت الحكم العسكري، خلاف ما يفهم من كلام ابن بشر! فإما أنها لم تصل له، أو أنه رآها غير مهمة!
وتكشف التفاصيل لنا أن الباشا لم يدمر الدرعية فورا، بل أبقى الوضع فيها على ما كان عليه مؤقتا؛ لغرض سيتبين لاحقا!
أدى انشغال الأهالي أثناء الحرب، وما أحدثته الحرب نفسها؛ إلى تلف الزرع والضرع؛ فأوشكت المجاعة أن تعم في الدرعية!
وحين أقبلت قافلة أغذية من الأحساء؛ لإطعام الجنود الجائعين، نهبتها بادية العارض، ما جعل نحو ١٠٠٠ جندي مسلح يتمردون، واجتمعوا في ساحة حي سمحان
فأطلق الباشا النار لتحذيرهم، وتطور الأمر فقتل منهم ٣٠ فردا؛ فتفرقوا واتجهوا نحو دكاكين الأهالي ونهبوها، ثم هاجموا النساء المارات في الشارع وسلبوا حليهم!
وحاول الباشا تأمين الغذاء، بحفز الأهالي على استصلاح مزارعهم، كما شن غارات على بادية رماح والعرمة؛ لحماية قوافل الغذاء.
اتخذ حاكم الدرعية العسكري إبراهيم باشا، قصر الحكم بالطريف مكتبا سياسيا يستقبل فيه الوفود التي جاءت تعلن الطاعة، وكذلك بعض زعماءالبادية والحاضرة الذين ساعدوه على إسقاط الدرعية.
وممن جاءه محمد وماجد آل عريعر، وكانت الدرعية قد أسقطت حكم أسرتهما في الأحساء
وكان ابنا عريعر يسهلان وصول قوافل المعونات التي يرسلها والي بغداد داوود باشا عونا لإبراهيم باشا أثناء الحرب، كما أنهما عملا مراسلين إخباريين لوالي بغداد.
وربما أنهما فهما بداهة أن الباشا سيكافئهما على ذلك؛ فانطلقا من عنده وسيطرا على الأحساء والقطيف، لكن إبراهيم باشا أرسل لهما
جيشا يقوده ابن مطلق ومحمد كاشف فطرداهما للعراق.
كما استقبل الباشا في قصر الطريف زعيم قبيلة حاصرت جنوب الدرعية، وقطعت عنها إمدادات قوافل المساعدة.
وكان الباشا قد وعده بحكم الدرعية، لكنه أخلف وعده، بل طالبه بدفع الضرائب المتأخرة عنده منذ خمس سنوات!
فاحتال الزعيم بحيلة وهرب!
بلغ قتلى حرب الدرعية نحو ١٠،٠٠٠ من المعتدين و ١٣٠٠ من الأهالي، دفنوا في ٢٣مقبرة موزعة في شعاب الدرعية.
ويبدو أن بعض هذه الجثث كانت في مواضع غير مرئية، أو لا يمر بها الناس عادة، فلم تدفن!
وأدى ذلك لتعفنها؛ فانتشر الوباء في الدرعية، وأصاب الأهالي والجنود
والباشا ذاته وابنه عثمان؛ فخاف الباشا على ابنه وجاريته الحبلى، فأرسلهما للمدينة، برفقة طبيبه سكوتو.
وما أن وصلا هناك حتى توفيت الجارية أثناء الولادة وتوفي جنينها، اما ابنه عثمان فتوفي بمصر نتيجة شجار مربيتيه؛ فكاد نسل هذا الإرهابي ينقطع!
ثم رفع المولىﷻ الوباء عن الدرعية.
كان الباشا فظا غليظ القلب في تعامله مع مماليكه، وقطع رؤوس ٣ منهم لسبب تافه؛ فخطط البقية لقتله والهرب لبغداد.
وكان بين المتآمرين خائن اسمه علي، وكشف خطتهم لسيده؛ فاستدعى الباشا رئيسهم واسمه يوسف، ووبخه بشدة، ثم نهض ليقتله، فسبقه يوسف بإخراج مسدسه وأطلق
رصاصة مرت بين عنق الباشا وكتفه، وأثناء هربه التقط بندقية، واعتصم بشجرة وبدأ يطلق من مسدسيه وبندقيته، وقاوم الجنود بشدة وجرح بعضهم، وأصابته رصاصة، لكنه استمر يجالدهم بسيفه، إلى أن قتلوه وقطعوا رأسه.
وبعد الحادثة، علم الباشا أنه مستهدف؛ فأبعد مماليكه عن خدمته، وازداد حذره!
أمضى الباشا نحو ٨ أشهر وهو يحكم الدرعية عسكريا، ويستقبل الوفود ويرسل السرايا للبلدات والأقاليم.
وتوالت رسائل والده تحثه على سرعة العودة لمصر، فقد كان يحتاجه لمهمات أخرى هناك.
ولكون قوات الباشا كبيرة جدا، فإن الانسحاب من الدرعية ونجد كافة يحتاج وسائل نقل
عديدة، من جمال وخيول.
وكان الباشا طوال فترة احتلاله للدرعية يشن غارات على البادية ويسلب الخيول والجمال، ويجمعها بأحواش في الدرعية؛ لتكون جاهزة وقت الانسحاب.
ولم يكن يحبسها في الشعاب؛ كي لا يستعيدها أصحابها، ناهيك عن أن البادية كانت تهاجم جنوده أحيانا إذا خرجوا وراء السور.
وأمر الباشا أمراء بريدة وعنيزة والرس وشقراء بالقدوم، وألزمهم بهدم أسوار بلداتهم خلال مدة حددها، وحمّلهم مسؤولية ذلك!
وكسّر المدافع غير الصالحة، وأرسلها ومعدات الجيش الثقيلة بصحبة المشاة.
وأمر بهدم قصر الإمام عبدالله والمسجد، ثم عين محمود أفندي حاكما عسكريا، وغادر الدرعية!
استبشر الأهالي بمغادرة إبراهيم باشا الدرعية، وفرحوا بوفائه بوعده للإمام بأن لا يهدم البلدة ولا يحرقها أو يشرد أهلها.
ولم يعلموا أن الباشا قبل توجهه لشقراء أعطى نائبه بالدرعية محمود أفندي مهلة ٣ أسابيع لهدم وإحراق البلدة، وتهجير أهلها، ثم موافاته هناك.
جمع محمود أفندي كتب الإمام عبدالله وآل سعود وآل الشيخ، وأحرق بعضها، وحمل باقيها على ظهور الجمال.
وبلغ مجموعها ٦١ مصحفا و٥٣٠ مجلدا تشمل مختلف العلوم.
وهكذا فقدت بعض أمهات الكتب للأبد، مثل "نهاية التقريب وتكميل التهذيب بالتذهيب" لابن فهد المكي.
أيقن (هولاكو) أنه بقتل وتهجير
العلماء ومصادرة الكتب؛ ستنطفئ شمعة العلم، وسيعم الجهل نجدا، ولن تقوم للدعوة قائمة!
وبعد أن أنهى المجرم مظاهر الحضارة العلمية، التفت إلى الأهالي وأمرهم بإخلاء منازلهم فورا، وأن يتولوا هدمها بأنفسهم.
ونصب مدافعه فوق الهضاب، وقصف بها القصور العالية، حتى تثلمت وسقط معظمها.
كان الحاكم العسكري للدرعية محمود أفندي لا يقل قسوة وبطشا عن إبراهيم باشا؛ لذا أوكل له مهمة هدم الدرعية وتهجير أهلها.
أصدر أوامره للسكان بإخلاء البيوت فورا، ومن يرفض أو يتأخر، يدخل الجنود بيته ويضربونه ويسحبونه خارجا، غير عابئين بكونه طفلا أو شيخا مريضا!
ونشر عساكر الباشا العبث والرعب بأحياء الدرعية، وضربوا أهلها وسخروهم فيما يهينهم، فجمعوا الرجال من الأسواق وحملوا على ظهورهم ما تحمله الحيوانات عادة، وكلفوهم بهدم أسقف البيوت، وتكسير خشبها وسحب جريدها.
"ولم يحفظوا لفاضل فضله ولا لعالم قدره، وصار الساقط الخسيس آنذاك هو الرئيس"
ولما انتهى الجنود والأهالي من هدم البيوت، أمرهم(نيرون)بتوزيع خشب وجريد أسقف المنازل-الذي جمعوه وقطعوه سابقا-على البيوت، وأشعل النار فيه؛ فأظلمت الدنيا من الدخان، وفزعت النساء والأطفال، وظنوا أن القيامة قامت!
ثم التفت الإرهابي نيرون للنخيل وأمر بقطعها وإحراقها ودفن آبارها.
بلغ ما قطعه جيش الباشا وأحرقه من نخيل الدرعية -وفقا لرسالة إبراهيم باشا لوالده- ثمانون ألف نخلة!؟
ناهيك عن تجريف المزروعات وإتلافها؛ كي لا يبقى ما يعتاش عليه من يتخلف عن المغادرة!
وما أن انقضت مهلة الثلاثة أسابيع، حتى أصبحت الدرعية مدمرة تماما، كأنما
ضربتها قنبلة نووية!
وبعد أن انتهى الإرهابي محمود أفندي من إهلاك الحرث والنسل، جمع أهل الدرعية، وأمرهم بمغادرة البلدة فورا، وترك لهم حرية الوجهة التي يقصدونها.
فقصد بعضهم قرى أقاربهم في منفوحة والرياض والعيينة، فيما واصل آخرون المسير شرقا للأحساء وساحل عمان، والبعض ذهب شمالا
إلى سدير والقصيم وصولا للزبير، ومنهم من صحب الحملة واستقر في المدينة المنورة!
وذكر الحلواني أنهم أفادوا بخبرتهم أهل المدينة، ودربوهم على أصول غرس النخل والعناية به.
وهكذا أصبحت الدرعية أثرا بعد عين؛ فبعد مضي بضعة أشهر، مر بها البريطاني سادلير ولم يجد بها أحدا.
"تمت بحمد الله"
المراجع:
*تاريخ ابن بشر
*تاريخ الدولة السعودية، مانجان
*الدولة السعودية الأولى، عبدالرحيم
*جني النحلة في كيفية غرس النخلة، الحلواني
*الدرر السنية، ابن قاسم
*مآل المخطوطات بعد سقوط الدرعية، العنقري
*الدرعية، العواد
*أرشيف الوثائق العثماني والمصري
*روايات أهالي الدرعية
*خرائط قوقل

جاري تحميل الاقتراحات...