د. خالد الغمري
د. خالد الغمري

@Khaled_Elghamry

18 تغريدة 90 قراءة Oct 31, 2020
#ثريد
عبء الرجل الأبيض وما فعله في أهل الكونغو
شهدت أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين أحداثا كبرى أثرت على مجريات التاريخ بشكل جذري. أوروبا تنتقل من ثورة صناعية أولى اعتمدت على طاقة البخار إلى ثورة صناعية ثانية تقوم على طاقة الكهرباء، تحتاج المزيد من الموارد الطبيعية.
الاستعمار القديم ينهار بعدما حصلت معظم المستعمرات الأوروبية في الأمريكتين على استقلالها. موجة استعمارية جديدة تبدأ، حيث تتجه أنظار القوى الاستعمارية التقليدية حينئذ، إسبانيا وبريطانيا وفرنسا والبرتغال وهولندا، إلى إفريقيا وجنوب شرق آسيا. الطمع في القطن جر بريطانيا إلى مصر والهند.
ساهم في هذه الموجة ترسانة جديدة من الابتكارات: أدوية جديدة مكنت الأوروبيين من تحصين أنفسهم ضد الأمراض التي تنقلها الحشرات الطائرة في هذه المناطق، أسلحة، ووسائل نقل. ميز هذه الموجة تكالب هذه القوى الاستعمارية على قارة إفريقيا وظهور قوى استعمارية جديدة هي ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا.
كان ملك بلجيكا "ليوبولد الثاني" يرى أن بلاده لابد أن تنضم إلى "النخبة الاستعمارية". ومن ضمن ما قاله الملك: "لا أريد أن تفوتني فرصة طيبة لأن نحصل علي نصيبنا من الكعكة الإفريقية الرائعة." كانت لديه رغبة قوية في أن "يضع يده" على منطقة الكونغو،
فاستعان في ذلك بالمستكشف والصحفي الأمريكي "هنري مورتون ستانلي" الذي كان مشهورا برحلاته الاستكشافية في منطقة وسط إفريقيا. وفي "مؤتمر برلين" في ١٨٨٤-١٨٨٥، لبت الدول الاستعمارية رغبة الملك في "امتلاك" الكونغو، بعد تعهده بأنه سيعمل لصالح سكانها ونشر المدنية الأوروبية هناك.
لم يدخل الملك الكونغو غازيا بل تحت مظلة مؤسسة خيرية تحمل إسم "الاتحاد الإفريقي العالمي" كان قد كونها لتحقيق حياة أفضل للقارة السوداء. كان هذا الاتحاد يتلقى تبرعات من جميع أنحاء العالم بعد تعهد الملك في خطاب حماسي ومؤثر:
"بأن نفتح أمام الحضارة طريقا إلى المنطقة الوحيدة في العالم التي لم تصل إليها المدنية بعد، وأن نمزق حجب الظلام التي تغطي شعوبا بأكملها، إنها حملة تليق بهذا القرن .. قرن التقدم."
لكنها الدورة التقليدية للاستعمار: "مبشر، فجندي، فتاجر"، كما لخصها "روبرت كاپلان" في كتابه "الحملة الأمريكية: مستعربون وسفراء ورحالة". في البداية، يبشر سياسيون ومفكرون وكتاب بقيم الحضارة الأوروبية وبركاتها، أو ما أطلق عليه الشاعر البريطاني "روديارد كيبلينج" "عبء الرجل الأبيض"،
والتي تمثل دعوة إلى الرجل الأبيض ليقوم بواجبه بنقل الحضارة الغربية إلى "الأمم المتخلفة" وانتشالها من البدائية التي تعيش فيها. وتحت هذا الغطاء الفكري يأتي عمل عسكري، حرب أو احتلال، بشكل مباشر أو غير مباشر، تمهيدا لتلبية متطلبات موجة تصنيع جديدة من مواد خام رخيصة وأيدي عاملة رخيصة،
لتملأ في النهاية خزائن المستعمر وجيوب التاجر الغربي.
وبالفعل أصبحت الكونغو "ملكية شخصية" للملك ليوبولد، وأطلق عليها إسم "دولة الكونغو الحرة"، وذلك في الفترة من عام ١٨٨٥ إلى عام ١٩٠٨. ولم يزرها في هذه الفترة مرة واحدة!
استغل الملك الموارد الطبيعية في الكونغو وحقق ثروة طائلة.
بدأ بتصدير العاج، ولم تكن الثروة التي يحققها بالقدر الذي كان يتوقعه مقابل "متاعب الاستعمار". لكن الأمور تغيرت بعدما توصل الاسكتلندي "جون بويد دنلوپ" في عام ١٨٨٨ إلى طريقة جديدة لصناعة إطارات مطاطية هوائية بديلا للإطارات المصمتة التي كانت تستخدم في الدراجات ومركبات التنقل وقتها
وكانت تسبب صداعا وآلاما في الظهر لقائد الدراجة أو المركبة. حققت الإطارات الجديدة انتشارا واسعا وزاد الطلب على المطاط الطبيعي، وهو أحد الموارد الطبيعية التي كانت الكونغو غنية بها، فتضاعفت الثروة التي جناها الملك من وراء ذلك. ولكن كان لذلك ثمن.
كان الملك ليوبولد قد أنشأ قوة استعمارية من أفراد ينتمون إلى قبائل في الكونغو وبعض الدول المجاورة، تحت قيادة ضباط نظاميين ومرتزقة أوروبيين أغرتهم أحلام الثراء وروح المغامرة ورحلات الصيد إلى البلد الإفريقي. كانت هذه القوة مطلقة اليد، تفعل ما تريد وتمارس ساديتها بلا رقيب عليها
ولا حسيب، طالما تقوم بمهمتها في التأكد من أن حصة الإنتاج المطلوبة من المطاط قد تم تحقيقها. كان القتل عقوبة العامل الذي يفشل في تحقيق هذه الحصة، وكان مطلوبا من الضباط أن يرسلوا إلى السلطات الاستعمارية طرفا (يدا أو قدما) من أطراف المقصرين الذين تم إعدامهم،
للتأكد من أن المقصرين قد نالوا عقابهم، ومن أن أفراد القوة لا يبددون الذخيرة الميري في الصيد. ولإثبات التزامهم بالأوامر، والتغطية على استخدامهم الذخيرة في الصيد، راح الضباط يقطعون أطراف كثير من أهالي الكونغو بشكل عشوائي طال الأطفال والكبار،
وأصبحت الأطراف المقطوعة من المشاهد المألوفة في شوارع الكونغو. وفي بعض الأحيان كانت تقوم حروب صغيرة بين القرى المتجاورة لجمع الأطراف المبتورة، لأن ذلك كان أسهل من تحقيق الحصة المطلوبة، والتي كانت فوق طاقتهم بكثير.
والنتيجة أن هذه السياسة كانت سببا في انخفاض إنتاج المطاط لأن الأطراف المقطوعة صارت "عملة جديدة" ووحدة إنتاج بديلة تحل محل جزء من حصة الإنتاج.
يقول الكاتب الأمريكي "آدم هوكشيلد" في كتابه "شبح الملك ليوبولد: قصة جشع ورعب وبطولة" الذي صدر في ٢٠١٢، أن نصف سكان الكونغو ماتوا في هذه الفترة، جزء نتيجة لانتشار الأمراض والأوبئة والجزء الأكبر نتيجة لوباء الاستعمار وممارساته الوحشية هناك.

جاري تحميل الاقتراحات...