كثر الحديث والجدل بخصوص الرسوم المسيئة للرسول الكريم في فرنسا خلال الأيام الماضية وقرأت وشاهدت العديد من الاطروحات التي ينقصها التأصيل والفهم العميق بتداعيات الحادثة وبالخلفيات الثقافية والسياسية والاجتماعية لهذا الأمر. تحت هذا التغريده جزء من القصة باختصار شديد.👇
في البداية يجب معرفة أن مشكلة فرنسا مع الاسلام والمسلمين مشتركة بمعنى أنه بقدر ما أن الحكومات المتعاقبة لم تولي موضوع الإسلام والمسلمين أهمية كبرى الا أن هناك اشكاليات تسبب بها المسلمين أنفسهم فهم أيضا لهم نصيب في تحمل جزء من مسؤولية تردي الاوضاع نتيجة عدة عوامل سنأتي عليها تباعا
ارتبطت صورة الاسلام والمسلمين في الذهنية الفرنسية بعدة تصورات بالاسلام من حيث كونه دينا وبالمسلمين كونهم مواطنين فرنسيين من أصول أجنبية وكما أن الصورة النمطية هي أداة الذاكرة الجمعية في المجتمعات فهي تتغذى بالأحداث التاريخية والحالية وبالإعلام الذي يعزز ويضفي الطابع التأكيدي.
يرى الفرنسيون ان فرنسا أرض ذات خلفية يهودية مسيحية وغالبا مايكرر الساسة والرؤساء هذه الأمر بكل صراحة ووضوح..وان الاسلام دين دخيل ارتبط وجوده بالهجرة والمهاجرين. لكنه لم يكن يثير الجدل بهذا الشكل الحاد حتى بدأت مشاكل ارتداء الحجاب في نهاية الثمانيات تحديدا في عام 1989.
ففرنسا تدين بالعلمانية كأساس في دستورها بنص قانون 1905 الذي ينص على فصل الدين عن الدولة بحيث تكون الدولة محايدة تجاه كل الأديان ولا تعترف الدولة بأي ديانة وأن الدين يجب أن يكون ممارسة وحرية فردية وتمنع بذلك التمييز بين المواطنين على أساس ديني.
المنعطف الثاني كانت احداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١ حيث وضعت المسلمين والاسلام تحت المجهر وجعلتهم موضع شك وريبة وتم التضييق على كثير من القضايا المتعلقة بهم. فظهرت مصطلحات كالاصولية fondamentalisme وتلاه الاسلامويه Islamisme.
وليس فقط في المدارس بل في كل الأماكن العامة إلى أن تم تبني قانون منعه نهائيا في سبتمبر ٢٠١٠. وامتدت سلسة قضايا الاسلام : الاطعمة الغير حلال، النقاب في الاماكن العامة والبوريكيني، السجون، المقابر الاسلامية، تأهيل الامة، الدعم الاجنبي لمساجد الجاليات، المشاركة في الجهاد العالمي.الخ
وساهمت الاحداث المأساوية الارهابية التي حصلت في السنوات الأخيرة مع ظهور داعش مثل :محل المجزرة اليهودي، نحر الكاهن هامل، مسرح باتكلان، عملية الدهس في احتفالات نيس واخيرا نحر المدرس الفرنسي كلها ساهمت وستساهم في تعزيز فكرة أن الإسلام يرفض القيم الفرنسية واسلوب ونمط الحياة الفرنسي.
اخفاق السياسيين في معالجة المشاكل الحقيقة للمجتمع جعل من السهل رمي الفشل على الهويات الأجنبية والضعيفة اجتماعيا والتي لا تستطيع الدفاع عن نفسها أو يسهل تحميلها المسؤولية كونها لاتملك تمثيلا أو تكتلا اجتماعيا متماسكا ومنظما مقارنة بغيرهم من الديانات.
كانت هناك محاولات منذ نهاية التسعينات على تبني سياسة ضبط الاسلام في فرنسا وانشأت مجالس اسلامية وهيئات اسلامية بغرض خلق تمثيل يمكنها من أن تصبح متحدثا باسم مسلمي فرنسا وتوجهاتهم لكن للأسف لم يلعب ذلك دورا في لم الشتات في الرؤية واتحاد الموقف الذي تعاني منه الجاليات هناك.
أصبح الحديث عن الاسلام والمسلمين يقود بالضرورة للحديث عن المهاجرين الامر الذي شكل مقاربة سياسية واجتماعية تركز على التبعات الاجتماعية والاقتصادية للمهاجرين ولا تنظر للبعد الروحي للاسلام او السلوك الروحي للمسلمين.
حتى موضوع تعليم اللغة العربية في المدارس الذي تم التطرق له قبل عدة أسابيع قوبل بموجة من الاعتراضات كون ذلك يشكل خطرا على الهوية الوطنية التي تتخذ من اللغة الفرنسية أساسا لها وان هذا سيكون ذريعة لانتشار التطرف والمدارس القرآنية التي تغذي الارهاب!!
وقد لا يعلم الكثير أن اللغة العربية تدرس بفرنسا منذ الثمانينات وأكثر في التسعينات حيث كانت ضمن مشروع "تثاقفي" هدفه عدم فصل المهاجرين عن لغتهم الأم تمهيدا لعودتهم لبلادهم في حال انتهاء الغرض من وجودهم بفرنسا كتشجيع لعودتهم.
ولعله من نافلة القول أن بعض الاطروحات تشير إلى أن هناك خشية واضحة من انتشار الاسلام بفرنسا وأنه أصبح يشكل تهديدا للهوية الكاثوليكية لفرنسا لذلك يتم اللجوء للعلمانية كحاجز صد أمام امتداد الاسلام المرتبط بالاسلاموية والجهادوية.
هذا الشعور عزز برأيي بروباغاندا "الاسلاموفوبيا" أي الخوف من الإسلام من حيث أن فرنسا في حالة حرب مع الاسلاموية والاسلامويين وبالتالي فإن الإسلام هو العدو الداخلي وعليه يلجأ الساسة إلى هذا العنصر للتورية وصرف النظر عن المشاكل الاقتصادية في المقام الاول.
وبرأي أن قضية نشر الرسوم المسيئة للرسول بعد نحر استاذ التاريخ هي المنعطف الرابع في تاريخ الإسلام في فرنسا وبغض النظر كون الحديث عن حرية التعبير بنشر الرسوم أم لا، برأيي أن القضية أكبر من مسألة حرية تعبير بقدر ماهي تعبير عن حالة الرفض والاستياء وفقد السيطرة والظهور بمظهر الضحية.
وبطبيعة الحال جميع الاحداث الارهابية التي حصلت في فرنسا وأخرها نحر استاذ التاريخ هي أعمال ارهابية مرفوضة جملة وتفصيلا وغير مبررة اطلاقا ولكن التعامل معها للاسف يكون عادة "بردة الفعل" وخلط "الحابل بالنابل" وبتعنت شديد تجاه الاسلام والمسلمين لتؤكد وتكرس كل ماسبق ذكره.
ولعلي أختم بأن هذا الثريد هو تحليل مبسط للغاية وموجز لفهم الوضع العام في فرنسا ومآلات ماوصل إليه حال الاسلام والمسلمين وإلا فالموضوع أكبر بكثير من مجرد اختصاره في سلسة تغريدات، فهناك اعتبارات ومحطات وتجاذبات تاريخية واجتماعية وسياسية وثقافية لا ولن يتسع المجال لذكرها هنا.
جاري تحميل الاقتراحات...