الحمدُ لله ذي الأبد والطّول، ولا قوّة إلا به ولا حوْل، أما بعدُ فقد ساقتني الأقدار المحتومة، وأسباب الغُيُوب المكتومة، إلىٰ الدّراسةِ في جامعةِ هارفارد العُظمىٰ، ذات المحل الأعلىٰ والمقام الأسمىٰ، مدينة العلم، وقرارة الحلم، مقصد من أراد السّيادة، ومن ابتغىٰ اعتلاء عروش الرّيادة
وساقني القدر المحتوم، والغيب المكتوم؛ أن يتولّىٰ مشروعنا التطبيقي دكتورٌ جِنِرال متقاعد من الجيشِ الأمريكي، ومختص بالمفاعل النووي الأوتوماتيكي؛ لاتملك عُدّةً أمامه غير الدُّعاء، ولا حيلةً إلا البُكاء ولا عصمةً غير الرجاء، خِلت أنه معين رحيم، فإذا هو لعينٌ رجيم!
تعرّض في حياتهِ لخمسة رصاصات، فضلًا عن عدد الاغتيالات، ولا يزال علىٰ قيد الحياة! غريب التكوين والرّصف، لايُوفي حقه نعتٌ ولا وصف، عقارب إيذائه تدبُّ دبيب النمل، ومُتفرّق موبقاته عندي يجتمع منها الشمل، شيطانهُ المَريد، لا يسمعُ التّفنيد، ولا يفعَل إلا ما يُريد
عندما أقبل هبت عليّ رياحٌ عواصف، لا يقدر علىٰ وصفها واصف، عثر بي الدهر العثور، وكدت أن لا أنهض ولا أثور؛ طوله ألف ذراع تقريبًا، وعرضه ثلاثمائة ذراع تخمينًا، كان يُظهر خلاف مايُبطن، ويُسرُّ غير مايُعلن؛ فقد كان يقول لاتقلقوا من الاختبارات،وعندما حانت لم نتحصل حتى على نصفِ الدرجات!
وفي أحد الليالي، ذوات النجوم اللآلي، كنا في أول محاضرة عند هذا القِتالي، فاستقبلنا وبدأ يتحدّث بفظاظة، وقسوة وغلاظة، فقال وهو يَسكُب الشراب: أنتم في مرحلةِ الشباب، ولا ضيْر إن فقدكم الأصحاب والأحباب، ثم نظر لي وقال: واعلم أنك في هٰذه الدّنيا طالب، وأمامك امتحان لاشك أنك فيه راسب!
فنظر يمنةً ويسرة، وجمع قُواه وشدّ أسره، وجلسَ مستويًا، واعتدل منه ماكان ملتويًا، وبدأ يتحدّث عن انجازاته المزعومة، التي توقعه دائمًا بالخصومة، فكرهنا منه الكلام، حتىٰ همَّ بعضُنا بالقيام، وغُلِبَ بعضُ القوم فنام، واكتفى البعض الآخر بالحَوقلة ومصمصة الشفتين، وضرب الكفوف على الخدين
حان موعد الذهاب إلىٰ الميدان، وفيهِ يُكرم المرء أو يُهان، ثم أمرني بالركوب معه والمسير، ففعلت ولم يكن ذٰلك علي بعسير، صعدتُ إلىٰ مركبتهِ وكانت قديمة بطيئة، يحسبُ الراكبُ فيها أنَّه ارتكبَ خطيئة، فمال بنا السير إلىٰ زقاق طويل غير نافذ، لاتُسلكه من ظُلمته القنافذ، وصلنا، فترجّلنا
ثمّ دنوتُ إليه كما يدنو المُصافح، وقلت: أوصِني أيها الدكتور النّاصح، فأصغيت إليه بسمعي، وجمعت له جمعي؛ فتنقل بي من شجونٍ إلىٰ شجون، وخلط الجِّدَّ بالمجون، وقال: هُنا اجعل الموت نُصب عينك، وهذا فراقُ بيني وبينك، فقلت: إنّا لله، أو كما يقول صديقي -العتيبي-: أبك ياويلي ويلاه!
ابتعدَ قليلًا وعاد وفي يمينه عكازة، وعلى كتفيه شيءٌ كالجنازة، فقال:من يُخطئ في بناء المفاعل سيُحمل على هذه العيدان، إلى تلكم الديدان، فصحنا صيحة كادت الأرض لها تنفطر، والنجوم تنكدر، بدأنا وتعرضنا للخطر؛ لنيل إعجاب هذا الهزبر، فلما انهينا المهمة بشكلٍ مقبول،كان تقييمه دون المأمول!
عُدنا ورحت أجول في أفنية الجامعة الوسيعة، وأجيل الطرف بجُدرانها الرفيعة، مريت بكُليّةٍ واسعة الفناء، عالية البناء، فأخذت أصول بها وأجول، واتجهت لأحد الفصول، رأيت على بابها رجلٌ نبيل، كبيرٌ جليل، قد اجتمعوا الطلاب عليه، وازدلفوا من كل فج إليه، يلوي الطرب أعناقهم،ويشق الضحك أشداقهم
فذكروا لي طلابه عن وُفور عِرضه، وشرف قومه في أرضه؛ معروفٌ بالفكر الصائب، والذهن الثاقب، لهُ في المعالي، الشّرف العالي، وفي المفاخر النّسب الفاخر، ساعدته الأقدار، وصفا له الزمن من الأكدار، تُضرب له أكباد الإبل من أقصى البلاد، ويُقطع لأجله كل بحر وواد، سخيٌّ بالدرجات، واسع العطاءات
فعرفت أنّي في كلية العلوم النظريّة -الإداريّة-، وفيها لايتعاملون مع العلوم الهندسية ولا الكيميائية، وهذا ماجعل الطلاب والدّكاترة فيها يضحكون، وفي دراستهم دائمًا يتفكّهون
عُدت إلىٰ الدّار، وقد احاطت بي الأكدار؛ فاتصلت علىٰ والدي أشكو له ما اعتراني من هموم، وما ساورني من غموم؛ ليزيح عن قلبي صدىٰ الكُربة، ويدرأُ عن لبي أسىٰ الغربة، ولعلّي أرىٰ مايسليني من مصابي، ويدفع عني أوصابي
فهو مقصودًا في النكبات،مرجوًّا في المهمات، يغشاه أولو الحوائج، فيرجعون بأكرم النتائج؛ هذا الأب العظيم، المنتظم في سلكه كالدُّر النظيم، له نسب شريف، وعلم منيف، وحرمة ووجاهة، وفطنة ونباهة، وكرم وسماحة، ورصانة ورجاحة، صادق الوعد، قوي السعد، يأخذ بيد المظلوم،ويأسو بمراهم جوده المكلوم
بدأتُ حديثي معه بالسّلام، وحيّيته بتحيّة الإسلام؛ فتهلل منه المحيّا، ورحّب وحيّا، فهزّتني أريحيّة، لما أبداه من تحيّة، فقصّيت عليه القصص، وماتجرّعته من الغُصص، فقال: صَه، واسمع منّي وافقَه! قطعَ حديثي بسكين الملام، وأسكتني بروائع الكلام ..
فقال: يابُني ثِق بالله وتوكّل عليه، واعتمد علىٰ لُطفه واستند إليه، فليسَ للعبدِ غير التّسليم، والرّضا بتقديرِ العزيز العليم، والمرء مادام علىٰ ظهر البسيطة، فدائرة الأقدار به محيطة، واصبر في دار الظعن، قبل وصولك للوطَن؛ لأنَّك ما دمتَ في أرض الغربة، فأنت متنقل من كُربةٍ إلىٰ كُربة
ولا تكُن عن الرجاء باللّاهِ، ولا تيأس من روحِ اللهِ، وأطرق إطراق الشجاع، مع الأخذ في الحقولة والاسترجاع، واعلم أن الله يلطف بعبده الضعيف، ولا يُضْحِيه من ظلّه الوريف، ويُقيم منه ماقعد، ويُصلح من حالهِ مافسد، ويُعيد رونق آماله، بتدبيره ومآله
وتذكّر أن الدهر متقلّب بين ضيقٍ ورحْب، وضحك ونحْب، ولكلِّ فلاحٍ أبواب، ولكل صلاح أرباب، ولكلِّ نَجاح أسباب، والفلاح والصلاح والنجاح لايأتون دون التوكّل علىٰ الفرد الصمد، والتوكل عليه هو الغاية والمعتَمَد
وقد مَنَحَني من وقتهِ الكثير، وأسقاني من علمه الوفير، فودّعني بكلامِ الحكمة والخبرة، وما اكتنزه من العِبرة، والحمد لله العظيم في قدره، العزيز في قهرِه، العليم بحال العبد في سرِّه وجهره، يسمعُ أنينَ المظلوم عند ضعف صبره، ويجُودُ عليه بإعانته ونصره.
جاري تحميل الاقتراحات...