والذي دعاني أكثر في الدخول في المعترك الجدلي هذا، هو ان صاحب التعليق الذي عقبت عليه وصف نفسه بأنه أستاذ مساعد واستشاري الطب النفسي. وفي تعليقه كتب " ام على الأفكار التي ورثونها لأطفالهم" وبغض النظر عن المقصد المفصل لما قاله ولكنه كتب هذه الكلمات تعقيبا على التغريدة الأساس والذي
جاء فيها " اتحزن على الفتاة، ام على الفكرة التي تتبناها المصورة، والتي يتبناها كثير من أفراد المجتمع" وكان في جملة ما قالته المصورة في معرض حديثها كلمة "هذا من قل الصلاة " فأستفز قولها هذا أصحاب العقول المتحجرة لليسار المتطرف، وذوي السلوك البذيء والالفاظ النابية.
والذين صنعوا من قول المصورة " من قل الصلاة " منجنيقا يقذفوها به، وبل تجرأ البعض بقوله إن الصلاة هي مجرد فعل ديني بحت لا يقي الأفراد من المشكلات النفسية، وهي وكل شيء من الدين ليس له علاقة بالمشكلات النفسية التي يعاني منها الأفراد في المجتمع.
أولا سوف أتحدث عن الانتحار كقضية اجتماعية وليست نفسية وهي مرتبطة بالمشكلات الاجتماعية كما وصفها عالم الاجتماع الفرنسي اميل دوركايم، ثانيا سوف أذكر الدراسات العلمية التي اثبتت أن هناك علاقة بين الارتباط الروحي والآثار الاجتماعية والنفسية على الأفراد. وأخيرا سوف أذكر الأدلة
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أهمية دور الصلاة والروحانية الدينية في المساعدة على التخفيف من أثار المشكلات الاجتماعية والنفسية للأفراد.
واخترت هذا التدرج لأني لحظت ان هناك عدد من الردود قد هجمت على الصلاة ودورها, ومن وصف هذا الأمر بأنه من دجل الرقاة الشرعيين, او من قال ان العلل الاجتماعية والنفسية لا علاقة لها بالتدين من عدمه ودليلهم ان هناك غير مسلمين يعيشون حياتهم في سعادة وبعيدا عن المشكلات النفسية.
لذا قررت أن أخاطبهم بعقولهم وأبداء بالعلم الذي هم يعتقدونه الأقرب صدقاّ من غيره من الأدلة والبراهين الربانية.
أولا: قسم دوركايم الانتحار بوصفه قضية اجتماعية على أربعة اقسام. هي (الانتحار الأناني، الانتحار الإيثاري، الانتحار اللامعياري, الانتحار المميت) ويهمنا في هذا التسلسل من التغريدات الانتحار الأناني والانتحار اللامعياري.
ووفقا لدوركايم فإن الانتحار الأناني يعكس إحساسا طويل بعدم الانتماء، وعدم الاندماج في المجتمع. ينتج عنه شعور بالغربة لدى الفرد، وينتج عن هذه الشعور رغبة في الانتحار لعدم وجود حبل وصل بين الفرد ومجتمعه مما يدفعه للحزن والاكتئاب وانعدام المعنى من الحياة او الارتباط بالمجتمع.
ووفقاّ له فإن الانتحار اللامعياري يعكس ارتباكا اخلاقيا للفرد نتيجة انعدام التوجيه الاجتماعي الصحيح، وهو اضطراب يحصل في القيم الاجتماعية او الاقتصادية بشكل مذهل وسريع جدا. وان هذه الحالة من الاضطراب تحصل لعدم معرفة الناس بحدود رغباتهم مما يجعلهم يشعرون بخيبة أمل ويفكرون بالانتحار.
وإذا لحظنا هذا التفسير الذي قام به دوركايم نجد أن الانتحار فعليا قد يكون نتيجة لمشكلة اجتماعية بحته. وعليه نقول إن رغبة بعض الأفراد في الانتحار دلالة على وجود خلل في الحياة الاجتماعية التي ينتمون لها، ولكن هذا لا يعني أن الذات الفردية ليس لها دور في حمايته من التفكير بالانتحار
ثانيا: بغض النظر عن الوسيلة الروحية المستخدمة أو آلية الصلاة أو حتى الدين الذي يعتنقه الذين طبقت عليهم الدراسات، سوف نذكر الدراسات العلمية التي اثبتت أن هناك علاقة بين الارتباط الروحي والآثار الاجتماعية والنفسية على الأفراد.
فقد ذكرت دراسة كارنيرو وآخرون 2016, أن نتائج الدراسة أظهرت أن هناك انخفاض في معدلات القلق والتوتر وتحسن في الحالة الصحية وشعور بتحسن في رفاهية الحياة للأفراد الذين مروا بالمسار العلاجي الروحي. وخلصت الدراسة أن الممر الروحاني يبدو فعالاً، حيث يقلل من مستوى القلق وتوتر العضلات (1)
وأشارت دراسة لوتشيتي وآخرون 2015, ان المرضى الذين تدخلوا معهم بجلسات المساعدة الروحية والتي تتكون من جلسة مدتها 90 دقيقة والتي تتضمن محاضرات روحية تثقيفية، ونصائح شخصية، قد تعافوا من الاكتئاب (2)
وأشار هوك وأخرون 2010 ان هناك ثلاث دراسات أظهرت أن المشاركين في العلاج المعرفي المبني على التكيف الديني أظهروا تحسناّ في أعراض الاكتئاب من غيرهم من الذين لم يشاركوا في العلاج المعرفي المبني على التكيف الديني (3)
وأشارت دراسات ان الصلاة لها آثار إيجابية،مثل تحسن نوعية الحياة وانخفاض الآثار الجانبية للعلاج (روس وآخرون 2008؛ لينغاشر وآخرون 2002) ودراسات أثبتت وجود نتائج إيجابية على المرضى عند التشفع بالصلاة (جويس وويلدون 1965؛ بيرد 1988؛ هاريس وآخرون 1999؛ ليبوفيتشي 2001؛ بالمر وآخرون ) (4)
وذكرت دراسة أولفر و دوتني 2012 أن نتاج الدراسة أظهرت أن المبحوثين المصابين بالسرطان الذين خصصهم فريق البحث عشوائيا للمجموعة التجريبية للتشفع بالصلاة تحسنا طفيفا ومهم في الرفاه الروحي. (5)
والدراسات في هذا المجال تطول ونكتفي بهذا القدر منها. أما الآن فلننتقل للقسم الأعظم من هذه السلسلة من التغريدات وهي الأدلة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أهمية ودور الصلاة في المساعدة على التخفيف من أثار المشكلات الاجتماعية والنفسية للأفراد.
الآية الكريمة ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ من سورة البقرة 45
قال ابن كثير في تفسير الآية، أن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر وذلك كما جاء عن حذيفة بن اليمان قوله (رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى) فقد كان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ
وقال السعدي, أمرهم الله أن يستعينوا في أمورهم كلها بالصبر بجميع أنواعه، وهو الصبر على طاعة الله حتى يؤديها، والصبر عن معصية الله حتى يتركها، والصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها، وكذلك الصلاة التي هي ميزان الإيمان، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، يستعان بها على كل أمر من الأمور
قال الطبري, الصبر على الأذى والطاعات من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها من تطاولها, وقال محمد صديق خان في فتح البيان, والصبر في اللغة الحبس والمراد هنا استعينوا بحبس أنفسكم عن الشهوات وقصرها على الطاعات، على دفع ما يرد عليكم من المكروهات.
وقال ابن جزي ﴿وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ﴾ قيل: معناه استعينوا بها على مصائب الدنيا. وقال الرازي المشتغل بالصلاة لا بد وأن يكون مشتغلا بذكر الله عز وجل وذكر جلاله وقهره وذكر رحمته وفضله، فإذا تذكر رحمته صار مائلا إلى طاعته، وإذا تذكر عقابه ترك معصيته.
الآية الكريمة
﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ العنكبوت 45
﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ العنكبوت 45
قال الطبري ذكر من قال ذلك حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ يقول: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله.
وعن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي فقال أن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق، فقال له إنه سينهاه ما تقول
وعن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي فقال أن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق، فقال له إنه سينهاه ما تقول
قال ابن كثير أي: إن المواظبة عليها تحمل على ترك ذلك, وقال الشوكاني أن فعلها يكون سببا للانتهاء، والمراد هنا الصلوات المفروضة, وقال القرطبي ذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا, وقال السعدي أن العبد المقيم للصلاة، المتمم لأركانها وشروطها وخشوعها، يستنير قلبه، ويتطهر فؤاده
ختاماّ نقول نعم ان التدين وحده قد لا يحمي الانسان من وقوع المشكلات الاجتماعية وذلك لطبيعة المشكلات الاجتماعية فهي رغم تأثيرها على الافراد إلا انها مستقلة بذاتها عنهم، ولكن درجة تأثير تلك المشكلات مرتبط ارتباطا وثيقا بقوة الشخصية والذي يتشكل نتيجة العديد من المؤثرات الاجتماعية.
كالتربية والتنشئة الاجتماعية والارتباط الروحاني بالله وغيرها, ومشكلة من يعارضون دور الصلاة في التخفيف من الاثار الاجتماعية والنفسية على الفرد, هم كمن يصف له الطبيب نوع من الدواء لمرض معين فلا يستخدمه كما وصف له ,فيخرج للناس يقول ان هذا الدواء لا ينفع لعلاج هذا المرض فهو دواء فاشل
رسالة: الصلاة وسائر العبادات هي من الأمور التي بين العبد وربه وليس لأحد أن يحاسبه عليها, وليس لأحد حق أن يشككنا في أيماننا وقناعتنا بأن الله خالق الكون هو أعلم منّا بأمور حياتنا وصلاتنا لله وبالله نستعين وعليه نتوكل.
أخي وأختي تأملوا هذه الوصية
وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمتهِ حين خروجهِ من الدنيا، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في سكرات الموت يقول: الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فما زال يكررها حتى ثقل به لسانه.
وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمتهِ حين خروجهِ من الدنيا، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في سكرات الموت يقول: الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فما زال يكررها حتى ثقل به لسانه.
جاري تحميل الاقتراحات...