zainab alknani
zainab alknani

@zainabalknani

28 تغريدة 56 قراءة Sep 17, 2020
الأوديسا
إذا كان بوسعنا أن نختار أفضل رواية على مر التاريخ، فإن ملحمة “الأدويسا” للشاعر الإغريقي هوميروس هي الأوفر حظا من معظم القصص الأخرى، والأجدر بأن تحظى بهذا اللقب. تقع هذه الملحمة في 24 كتابا، وتتألف من ما يربو على 12 ألف بيت سداسي التفاعيل
وألهمت مغامرات أوليس كبار الكتاب من الشاعر الإيطالي دانتي إلى الشاعر والروائي الإيرلندي جيمس جويس، والشاعرة والروائية الكندية مارغريب آتوود. إلا أن أوليس لم يكن ينشد هدفا دينيا ساميا، بالرغم من كثرة الآلهة والوحوش التي تغص بها القصيدة.
فلم يخض لجج البحار بحثا عن أشياء عجيبة وجديدة، كأرض لم تطأها قدم أو صوف ذهبي، وهو رمز السلطة في الاساطير الإغريقية. إنما كان هدفه الوصول إلى بيته بعد حرب دامت عشرة أعوام.
ولا شك أن هذا هو سبب احتفاظ هذه القصيدة برونقها وأهميتها في ثقافتنا اليوم رغم مرور 2700 عام على تنظيمها، إذ ربما تعود إلى القرن الثامن أو السابع قبل الميلاد. فعندما تقرأ القصة ستشعر أنها رغم عظمتها، فإنها بسيطة بحيث تتأثر لها نفوسنا، وستجد أنها واسعة النطاق لكنها مفعمة بالتفاصيل
، مثل وصف الأزهار التي تنمو خارج كهف عروس الماء كاليبسو، أو نعومة صوف خراف “السيكلوب”. (وهي مخلوقات غريبة بعين واحدة).
ورويت هذه المغامرات بأسلوب السرد الاسترجاعي، الذي يعتمد على استدعاء السارد للماضي. كما يتابع القارئ قصتين أخرتين على هامش قصة أوليس، وهي قصة بينيلوبي، زوج أوليس التي طالت معاناتها، ونتتبع أيضا رحلات تليماكوس ابنهما الطائش التي كانت أضيق نطاقا من مغامرات أبيه.
الأوديسة.. مآثر أوديسوس ووفاء بينلوبي
بعد الترنم بأغاني البطولة في الإلياذة، يشدو هوميروس بالشعر الحماسي في مآثر ومغامرات البطل أوديسوس، ثم يخفت إيقاع الحماسة وترق ربة الشعر فتتطاير أبياته وترفرف كالفراشات حول وجه بينلوبي المرهق الحزين،
المرأة التي أضحت رمزاً ومضرب الأمثال في الحب والوفاء. من أتعبها وحزّ خطوط الحزن في وجهها الجميل؟
عاد كل ملوك اليونان بعد حرب طروادة إلى ديارهم، ما عدا زوجها أوديسوس. اعتبره النبلاء في مملكته ميتاً، وتزاحموا على طلب يدها.
ترفض بنيلوبي الزواج وتقدم الحجج، لكنهم لا يقبلون حججها ويضغطون عليها بتحويل قصر أوديسوس الى حانة للقصف والعربدة. يحاول ابنها الشاب تيليماكوس طردهم من القصر، فيضحكون عليه ويسخرون من رجولته.
ثم يتمادون في استباحة أملاك أوديسوس. عندئذ تخبرهم بينلوبي أنها ستختار واحداً منهم، حال أن تنتهي من حياكة الكفن لوالد زوجها العجوز لايورتيز.
البطل الأسير
أين هو أوديسوس؟ إنه أسير تحتجزه حورية البحر كاليبسو في جزيرة أوجيجا منذ سبع سنوات. وقعت في حبه وعرضت عليه الخلود إذا تزوجها.. ومن ثم يفلح في الابحار من جزيرتها على رمث من الأخشاب.
وعندما يراه إله البحر بوسيدون الغاضب، يثير العواصف ويحطم الرمث. فتبدأ محطات تيهه ومعاناته في جزر كثيرة، إلى أن يساعده أحد الملوك، بعد أن عرفه، في العودة الى الوطن.
مغامرات
بعد سقوط طروادة، يبحر أوديسوس مع رجاله الى ايثاكا، لكن الآلهة الناقمة عليه، لأن حصانه دمر طروادة، تثير العواصف والأنواء، فتضيع السفن وتبحث عن ملاذ. وتضل السفينة في محطات كثيرة، مرعبة ومقلقة تتعبه.
العودة إلى ايثاكا
بعد عشرين عاماً، يفلح اديسوس في العودة الى موطنه.فيلتقي الأب والابن. ويضعا مع يومياس، خطة للتخلص من خطاب بينلوبي، فيذهب تيليماكوس الى القصر متحدياً. ثم يلحق به الآخران.
الكفن والقوس
تمر ثلاث سنوات وبينلوبي تحيك في النهار تحت عيون النبلاء الكفن، وفي الليل تحل ما حاكته. ثم يحاول النبلاء اجبارها على الاختيار. فتختلق حيلة. وتلمح الشحّاذ( أوديسوس متنكرا)، في فناء القصر، فيثير فضولها وتسأله عن زوجها. يجيبها بأنه شاهده يبحر من جزيرة كريت الى ايثاكا.
تفرح بينلوبي وتجد حلاً وهو قوس أوديسوس الذي لا يجيد استخدامه غيره.تعلن أنها ستتزوج الرجل الذي يستطيع أن يشد الوتر الى طرف القوس ويطلق سهماً يخترق اثنتي عشرة حلقة في مقابض الفؤوس. فيدخل الشحاذ القاعة ويجول مستجدياً. يحاول النبلاء شد الوتر ويفشلون الواحد تلو الآخر.
يطلب الشحاذ السماح له بالمحاولة.. فيفلح، ثم يقتلهم. تومسح بينلوبي دموع الفرح وتداعبه. تطلب منه أن يثبت شخصيته وتسأله عن سر لا يعرفه أحد غيرهما
ولعل أشهر مغامرات أوليس جاءت في الكتاب التاسع، حين وصل مع رفاقه إلى جزيرة تسكنها مخلوقات “السيكلوب”. واستدرجهم بوليفيموس، وهو “سيكلوب” من آكلي لحوم البشر، وحبسهم في كهف، ثم سأل أوليس عن اسمه، لأنه يحب أنه يعرف اسم الشخص الذي سيأكله لاحقا.
فأجابه أوليس بدهاء إن اسمه “لا أحد”، ثم سقاه أوليس الخمر حتى غاب عن وعيه، وفقأ عينه بعصا مسنون بالحرارة. وبهذا ضمن أوليس أنه كسر شوكة السيكلوب بحيث لم يعد قادرا على قتل أوليس، ولكنه في الوقت نفسه، كان لديه من القوة ما يمكّنه من زحزحة الصخرة العملاقة التي تسد مدخل الكهف،
ليطلق الخراف خارج الكهف في اليوم التالي، وبذلك سيتيح الفرصة لأوليس أيضا للهرب.وحين صرخ بوليفيموس واستنجد برفاقه في الجزيرة أن “لا أحد ألحق بي الأذي”، لم يجبه أحد. فإذا كان لا أحد يؤذيه، فلا شيء قد يفعلوه لمساعدته.
اعتاد أوليس الكذب، وأصبح سجية له، وكان يتفنن في اختلاق هوية أو قصة غير حقيقية بسهولة وبكثرة على مدار القصيدة. ولكن في هذه المرة، حين كان يبحر مبتعدا عن العملاق الأعمى، لم يتمالك نفسه بالتفاخر أمام بوليفيموس، فصرخ باسمه الحقيقي ليعرف أن من هزمه كان أوليس الشهير.
إلا أن أوليس لم يدرك أن بوليفيموس قد يكون له أصدقاء في منزلة أعلى، ولعلهم تحت قدميه. إذ كان بوليفيموس ابن بوسيدون إله البحار عند الإغريق. وإذا كنت تنوي أن تقطع البحار على سفينة لتصل إلى منزلك،فلتحذر كل الحذر من استفزاز بوسيدون رغم أن أوليس كانت تدعمه في معظم مغامراته الإلهة أثينا
الأوديسة والأدب العالمي
تُوصف الأوديسة بـ"الملحمة الملهمة لأجيال الكتاب على مر العصور". وتأثيرها بلغ الذروة في عصرنا، وامتد إلى مجالات بعيدة عن الأدب، مثل: الصناعة والتجارة.
وعلى المستوى الأدبي، استلهم الكتاب الأوديسة في إبداعات جديدة، مثل رواية جيمس جويس "يوليسيس"،
رواية نيكوس كازانتزاكيس الملحمية" الأوديسة: تكملة معاصرة"، ديوان" فجر الأوديسا" للشاعر المصري محمد البرقي. كما تأثر الشعر العربي الحديث بهذه الملحمة. وأعاد عدد من الأدباء، كتابة رواية الأوديسة نثراً، برؤى مختلفة.
وهناك اسماء كثيرة تطلق على هذه الملحمة عالمياً، مثل: أوديسوس وأوديسي ويوليسوس ويوليسيس وأوليسوس.
وتجدر الإشارة الى انه يوجد في الأوديسة أول رومانسية حب عرفها الأدب، وهي قصة بينلوبي الوفية. كذلك، دعم هوميروس مغزى الوفاء بكلب أوديسوس العجوز أرغوس، الوحيد الذي تعرف عليه وهو في أسمال الشحّاذ.
المصادر/
هوميروس _ الإلياذة / ترجمة دريني خشبة
الأوديسة / الكسندر بوب _ ويليام كوبر
الاوديسة هوميروس ، مع قصائد هوميروس القصيرة ./جورج تشابمان

جاري تحميل الاقتراحات...