ليَ صديق يحب المال حبًّا جمّا، ويأكل التُّراث أكلًا لمّا؛ ثريُّ الهيئة، يطفو علىٰ ملامحه البذخ، طويل القامة، كثير اللحم، ممتلئ الجسم، كسِّيب، يعرف من أين يأتي بالقرش، طلب لقائي البارحة عاجلا في منزله -ولاية ماساتشوستس-؛ ليطّلعني على مشروعه الجديد، أسماه "الذهب" صُدمت حينما رأيته!
اتصل عليّ قبلها قائلًا بصوتٍ متهدّجٍ: اتصلت لأشكي لك من فقرٍ وإملاق حل بي، قَد خسرت جميع ما أملك، وتجارتي السابقة لم تجدي نفعًا، أريدك أن تأتي لمنزلي عاجلًا لتطّلع علىٰ مشروعي الجديد، الذي سيجني لي الذهب بكلّ تأكيد، ولأستشيرك في بعضِ الأمور؛ فأنت أخي، أشدد بك أزري، وأشركك في أمري
صديقي هٰذا لم تقرَّ عينُه برؤية والديه؛ قَد وافتهم المنيّة بحادثٍ منذ أن كان في المهد، وهو الذّكر الوحيد في عائلتهِ بين كومة من الإناث، وهٰذا ماجعله يتّجه للتجارة بعمرٍ مبكّر -وتسعة أعشار الرّزق بالتجارة-؛ خشية منه أن يُنظر له ولأخواته بنظراتِ عطفٍ وشفقة!
تجارةٌ تقيه ذل المساعدة، وقبل أن يعلموا المشاهير بحاله؛ يجتمعون حوله وبكاميرات هواتفهم صوب عينيه ملوّحين، بقصدِ العون لاتجميع عدد مهول من المتابعين ..
لم أرَه من قبل أن يأتي إلينا الضيف الثقيل، الفيروس التاجي "كورونا"، وصلت منزله، استقبلني مُتأبّطًا كمّامته، بشكلٍ لم أعهده منه، صُعقت حينما رأيته؛ أصبح نحيلا كأنه تِمثال نُفخت فيه الروح، شحب لونُه شحوبًا، وبهت ضياؤه بهوتًا، أحداقه تميل إلىٰ الحُمرة وكأنه لم ينم منذ بضعة ليال!
رحّب بي بابتسامةٍ لم تكن صافِية، لقد خالَطَها بعضُ الألَم فلم تبدُ كما كانت دومًا، ابتسامة لا تستطيع أن ترىٰ مثلَها كثيرًا، كأنَّها ابتسامة مذنِب جنَىٰ علىٰ حبيبٍ له وهو نادِم علىٰ ذلك أشد ما يكون النَّدم!
اقتربتُ منه للمُصافحة، رفع يده وأزاح الكمامة عن وجهه المائل إلىٰ السواد بعد أن كان بياضُه يسر الناظرين، حاصرني بكلتا يديه، اقترب انفه نحو أنفي فقبّلني، قد التزم بطريقة سلامِ قبيلته التي ينتمي إليها رغم الظروف ..
دلفنا المنزل، أغلق الباب خلفي؛ اصطحبني لمكانٍ هادئ خلف منزله لاتسمع فيه سوىٰ أنفاسك، أخبرني أنه يعيش هنا وحيدا منذ أشهر؛ يُفكر بهذا المشروع، نُسارع خطواتنا، تسبقنا تارةً ونسبقها تارة أخرىٰ، رائحة لم أعرف مصدرها تعج بالمكان!
وصلنا، دخلنا حجرة عتيقة؛ أشبه ماتكون بالكهف، أقعدني علىٰ مقاعد جلديّة قديمة، فأسدل الستار عن صناديق موضوعة علىٰ الأرض، وقال: "هذا هو مشروعي" إنها مملوءَة بأنواعٍ من الحبوب! صُدمت مما رأيته، خُرسَ لساني عن الكلام. هل وصل لهذه المرحلة، هل وصل إلىٰ النهاية التي ليس بعدها إلا السقوط!
لفت انتباهي أيضًا تلك الصُّحبة من الكؤوس المتراصة بحرفيّة، لاتكاد تميّزها من أي بلدٍ صُنعت .. وقفت أمامها حينًا ابتسم بأسىٰ!
فقال:
"أنا عند ظنّك قلت لا بلّه
اختلف فيك ظنّي نوبة ونوبة
قال والّي سواتك يدمح الزلّة
قلت والغلطة الي منك محسوبة
من بغاني علىٰ الشدة رفيقن له
لايقصر بماجوبي وماجوبه
الرفيق المهجّن علّته علة
لابس لي عباة الدين مقلوبة
رفقتن مالها مذهب ولا ملّة
يالله العفو والغفران والتوبة"
"أنا عند ظنّك قلت لا بلّه
اختلف فيك ظنّي نوبة ونوبة
قال والّي سواتك يدمح الزلّة
قلت والغلطة الي منك محسوبة
من بغاني علىٰ الشدة رفيقن له
لايقصر بماجوبي وماجوبه
الرفيق المهجّن علّته علة
لابس لي عباة الدين مقلوبة
رفقتن مالها مذهب ولا ملّة
يالله العفو والغفران والتوبة"
عبدالرحمن! أقسم لك أيضًا أن هذه الأشياء ستجني لي الذهب، سأستهدف بها فئة الشباب وفي المملكة أيضًا، واستأجرت مكانا لها مخصص .. أصبحوا الشباب بحاجةٍ لها في ظلّ هذه الظروف أكثر من أي وقت مضىٰ؛ سيتجرّعونها وهم يحضرون دروسهم عن بعد، وستعينهم بالحصولِ علىٰ أعلىٰ الدرجات!
جلسنا علىٰ الأرائك، مُتّكئين عليها مُتقابلين، فأخذ يُحدّثني عن أنواعها وتفاوت تأثيرها علىٰ المخ وإقناعي بتجربتها؛ لحين مابلغ بي الجهد مبلغًا وتصببت عرقًا برغم المكيف الذي يهدر طوال الوقت، فصبّ لي الكأس الأول ..
خُذ، أقسم لك أنك ستشعر وكأنك تطفو فوق دوائر مائيه كالتي تتكون حين يلقي شخص ما حجرا في بركة، أو نهر، أحسست بالانتعاش، كان الكأس دهاقا، بدأت أشرب علىٰ مضض، شعرت وكأنه من رحيق مختوم، مزاجه من تسنيم، انتشيت وتذكّرت تلك الأيّام عندما كنت أعزبا! فتح لي النوافذ الموصدة منذ زمن
خُذ وجرّب هذا النوع أيضا؛ تُقطف حبوبه بأيدي كرامٍ بررة؛ متاعًا لنا ولعقولنا، مَزيجها يصلح لعالم سريع الإيقاع، سريع التغيّر وأيضاً عالي النفقات كعالمنا هذا، إنه لايذهب إلىٰ المعدة بَل سيرتفع نحو عقلك، يبحث عن كل قطعة مظلمة فيه ليوقظها وينعشها .. جرّب ولن تندم!
امتدت يدي للإمساك به، ارتشفتُه جرعة واحدة، تنشأ ارتعاشة منبعها القلب، يبلغ مداها قوة مِعصمي، مرارتُه الحلوة بعثت بأسلاك جسدي المنهوك اغترابًا، عدت إلىٰ مكان جلوسي، ارتميت علىٰ الأريكة، زفرت زفراتٍ متتالية؛ فانشرح صدري، وانسلّت مني الهموم والغموم، شعرت بأني أحلّق في السماء
حسنًا توقّف، خذ هذا النوع ، سيجعل حياتك تسري كما لو كانت قصيدة حب غزلية؛ استنشقت رائحته، تسرَّبت حالة من الانتشاء إلى عظامي، ثوانٍ إلا وقد سلب ذاتي، جعلني أدور مثل مجذوب يهيم عشقا بفاتنة لن تأتي "الخيال يا لهُ من رواء كاذب للحالمين به!"
أخرج مافي جُعبة الصندوق الآخر؛ حبوب مطحونة قد صرّها في كيس، يغرف منها بملعقة صغيرة، يضعها على ميزان، يضبط الوزنية، يسكب ذرّتي الهايدروجين وذرّة الأوكسجين فوقها؛ سرعان ما تتلطف معه فتصير نسيمًا نستنشقه عبيرًا مُخمليًّا، تنتشي على أثره أجسادنا،تدعونا الرائحة لمزاج رائق لم نألفه قبل
أما هذا النوع المحبب لي؛ رغم أني أبيت علىٰ الطَّوىٰ منذ خسارتي بتجارتي، أسمع زقزقة عصافير بطني من الجوع، لكن بكأسٍ واحد أنسىٰ كلّ ذلك؛ سارت بي قدماي دون أن يتحكم بهما الدماغ وأنا أتجرّعه، خُيّل لي أني أُعانق هفيف النسيم، أتمايل معه بتؤده، بانسياب يشبه انسياب البط في الماء
كوبٌ يلحقه آخر؛ لحين ماسطعت الشمس في كبد السماء، الكؤوس التي تجرّعناها أكثر من عدد شربات الماء في يومين كاملين، سلّمت له عقلي وقررت أن أكون شريكًا له، فاتفقنا أن نجعل قائمة الطلبات بعد فتح المحل: اسبريسو، لاتيه، كابتشينو، والآن نبحث عن اسم ملائم لمحل القهوة .. إيش تنصحونا؟👀🏃🏻♂️
@Norah_Ill خلاص كشفتوني يعني 😭
جاري تحميل الاقتراحات...