أمضى سلاح في يد عدونا هو سلاح الكلمة الذي يحمله رجال من أنفسنا، ينبثُون في كل ناحية، ويعملون في كل ميدان، وينفثون سمُومهم بكل سبيل.
هناك فئة نالت توقير وتعظيم، وبلغوا منزلة القيادة الفكرية والثقافية، وذلك كله تدليس.
كان من سوالف الأقضية أن كتب الله علىّ يوما أن أقرأ إهداء لويس عوض إلى كريستوفر سكيف وذلك في عام 1947، وأنا أعلم خبء سكيف هذا منذ كان أستاذا في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأنه كان جاسوسا في وزارة الاستعمار، وأنه مبشرا ثقافيا شديد الصفاقة سيئ الأدب، ومن حينها أصبح لويس عوض مفضوحا.
حين قرأت ما كتبه لويس عوض أن الشعر العربي مات بموت أحمد شوقي، وأنه مات ميتة الأبد، توقفت دهشة، ولم يخامرني شك أن كاتب هذا الكلام داخل فيما يسمى الهذيان والوسوسة واختلاط العقل، وكنت إذا مر بي سحابة من الكدر، استخرجت كتاب لويس عوض لاشىء سوى الضحك، فصار اسم الكاتب جالبا للفرفشة.
كان لويس عوض يتقمص أحيانا قميصا من الرزانة والجد، ويركب أحيانا أخرى مركبا من التية والتعالم، وانطوت السنون على ذلك حتى بدأ يكتب في الصحفية الأدبية لجريدة الأهرام في سبتمبر عام 1964، وعزمت على أن أسقطه من حسابي بعد أن تحول من مفرّج كروب إلى مجلبة للغم.
أقبل علىّ إخواني يحُثونني على الكتابة في الرد على لويس عوض، فقلت لهم: إني لا أرى عاقلا يُؤخذ من قوله ويرد عليه، أنه يضحكني، وليس مفكرا يحركني، وتطوع الدكتور الشاعر عبده بدوي للرد عليه.
كاد الأمر يقف عند هذا الحد، ولكن علمت أن لويس عوض انتهي إلى أن يكون مستشارا ثقافيا للأهرام، وقد صار له شأن وسلطان، وأنه استوى على كرسي الأستاذية في أوساط الصحافة، وأن له أشياعا استغرّهم من كتاب وشعراء، كان بعضهم قليل المعرفة، أو حائر طريق، أو مستشعر ذلة بانتسابه إلى ثقافة قديمة.
ليس حسنا أن يعزل كاتب قلمه ! ولكن هكذا قدّر الله علىّ أن أفعل، فنحّيته عن أناملي، لكن أفرغ للقراءة والتفكّر، حتى تصرّم على ذلك أكثر من ثلاثة عشرة سنة.
( قلت: محمود شاكر وهو من هو توقف عن الكتابة 13 للقراءة!! يارت الكتّاب حاليا يقتدوا به ويتريثوا قبل التصنيف)
( قلت: محمود شاكر وهو من هو توقف عن الكتابة 13 للقراءة!! يارت الكتّاب حاليا يقتدوا به ويتريثوا قبل التصنيف)
أجدني مضطرا لالتماس معذرة القارئ المتعجل، لأني إنما أخاطب بهذه الكلمات أستاذا جامعيا، أو هذا هو المفروض( يقصد لويس عوض)، قبل الكلام عن المنهج لابد من الإبانة عن الأساس الذي لا يقوم المنهج إلا به، وهو تناول المادة، ومعالجة التطبيق،ويؤسفني أن أكتب هذا الكلام في مخاطبة أستاذا جامعيا
فإذا اتخذنا شيخ المعرّة ( أبو العلاء المعري ) مثلا موضحا، الدارس ينبغي أن يكون مطيقا لقراءة نصوصه جميعا نثر وشعر، وما فيها من ألفاظ قد اختزنت على مر الدهور، وتطورها ونمائها الفكري والعقلي، فهي رحلة طويلة في آداب اللغة، مع ارتباط الآداب بتاريخ الأمة وعاداتها وأخلاقها ودياناتها=
أما أن يقول الدارس إنها ليست من صميم اختصاصي ! فيستحق أن يطرح الناس ما يقوله، لأنه جهل أساس المنهج، ولهذا أخفى لويس عوض مادة الدراسة عن شيخ المعرة نفسه لختام المقالة الخامسة.
كلام لويس عوض على ما فيه من ركاكة وسقم، يدل على أنه لم يطلع على شىء قط مما كُتب عن المعري، إلا كتاب الدكتور طه حسين وحده.
يزعم لويس عوض أن أسامة بن منقذ لقي بأنطاكية أبا العلاء المعري، رغم أن أسامة ولد عام 488 أى بعد موت أبي العلاء بنحو أربعين سنة، وهذا بلية من البلايا فأستاذ جامعي لا يقرأ إلا أسطرا ولا يرى نقد صاحب الكتاب. ( يقصد أن لويس عوض لم يقرأ عن المعري إلا كتاب طه حسين ولم يُحسن النقل عنه)
لويس عوض يريد أن يسلم له الناس أن أبا العلاء تعلم بأنطاكية وهو صبي !! وهذا لا يصح، فقد أخذ الروم أنطاكية قبل ميلاد أبي العلاء بأربع سنوات، ومات أبو العلاء قبل أن يدخلها المسلمون، فلا يتصور أن يكون بها خزائن كتب وتُقصد الاشتغال بالعلم =
ابن العديم استنكر أن تقصد أنطاكية للاشتغال بالعلم، ولو اطلع لويس عوض على ما كتبه بعض المحدثين في نقد الخبر لعلمه، فأنت بالخيار في وصف عمل لويس عوض وقوله: أن تصفه بأنه تنقُخ غث، أو بأنه علم مستحدث !!
ثم تجىء بليّة أكبر من أختها، فيقول لويس عوض أن أبا العلاء لقي راهبا قد درس الفلسفة، فأخذ عنه ما شككه في الديانات، ثم تاب، ولويس عوض أخذ هذا الكلام من كتاب الدكتور طه حسين الذي كتبه وهو دون الخامسة والعشرين منذ أكثر من خمسين سنة، ونشرت بعدها كتب كثيرة لم يطلع عليها طه حسين=
بين أيدينا الآن أكثر من ثلاثين كتابا ترجمت لأبي العلاء، وأى دارس جامعي مبتدئ مفروض فيه أن يضع هذا التراجم بين يديه، ويرتبها تاريخيا، ليعرف مصادر الأخبار، ما أجرأك على تاريخ الرومان واليونان يا دكتور ! ليس بمستغرب أن تكون على تاريخ أهل الإسلام أجرأ.
منهج لويس عوض هو التسرع والخطف، مع قلة الاحتفال بدلالة الألفاظ في اللغات، وطرح المبالاة بتمحيص التاريخ، وإغفال بعض الحقائق لحاجة في النفس، واستعانة بالوثائق التي يطيق لها نفس الشادى المبتدئ أن ينالها من قريب، وعدم التمييز بين الزيف والصحيح.
يعترف لويس عوض أنه من سن العشرين إلى الثانية والثلاثين ( أى اثنتا عشرة سنة) لم يقرأ حرفا واحد باللغة العربية، إلا عناوين الأخبار في الصحف لضرورة سياسية، فبأى عقل يا لويس تأتي فتلعب في آثار شيخ المعرة.
( وردةً كالدهان) معنى وردة: حمراء، وهي صفة. أما الوردة التي تشم في اسم، يقال أسد ورد أى أحمر اللون، فلفظ وردة مشترك بين الاسم والصفة، فما لهذا المأفون المتعالم يظن أنه كشف كشفا بذكر الوردة التي عند دانتي روز لمجرد اشتراك اللفظ بين اسم وصفة، من أين أديم شق وجه هذا الرجل؟
وتبلُغ ثخانة وجه لويس عوض حين يستدل بقصيدة سقط الزند على أن حلب كانت تغص بالصلبان:
صليت جمرة الهجير نهارا ** ثم باتت تغص بالصليان، والصِلّيان نبت تأكله الأبل، لكن لويس عوض ظن أن الكلمة هي جمع لكلمة صليب.
صليت جمرة الهجير نهارا ** ثم باتت تغص بالصليان، والصِلّيان نبت تأكله الأبل، لكن لويس عوض ظن أن الكلمة هي جمع لكلمة صليب.
بقيت مسألة، هي أن لويس عوض في ذاته، لا يهمني البتة مهما فعل، وسأكشفه للناس من الوجوه التي لا يملك معها حيلة أبدأ، لكن الذي يهمني هو صحيفة الأهرام، أتراها لا تعرف منزلتها في كل بلد من بلاد العرب، وهم مئة وعشرون مليون أو يزيدون، كيف يقولون إذا رأوا أكثر منبر سُلم لرجل لا يُحسن يقرأ
لويس عوض لا يكاد يرى ابن خلدون إلا مقرونا بأورسيوس، ولا المعري إلا مقرونا براهب دير الفاروس وبالصلبان التي غصت بها حلب، ولا وردة كالدهان إلا بروزا مستيكا، ولا عمر مكرم وعرابي وعبد الناصر إلا مقرونين بالمعلم يعقوب، ولا توفيق الحكيم ومحفوظ إلا مقرونين بعقائد الخلاص والفداء والخطيئة
ولتعلم صحيفة الأهرام أن هذا البلاء كله، استخرجته من أقل من عمود واحد من اثنين وسبعين عمودا نشرها في تسعة أعداد، وأنا التزمت غاية الحذر حتى لا أخرج عن حد الدراسة الأدبية، وإذا كانت سلامة عقول الناس لا قيمة لها، أفتاريخ الأمة، وتاريخ رجالها لا قيمة له أيضا؟!!
ليس من حق جريدة الأهرام أن تشوّه معارف الناس وعلومهم وتاريخهم، بفعل إنسان مشوّه القلم والعقل، وأن تطرح هذا الخبث على الناس باسم حرية الرأي، لأن حرية الرأى مكفولة لذوى العقول السليمة، لا لكل من كسر القيد وأفلت من وراء الأسوار.
جاري تحميل الاقتراحات...