16 تغريدة 70 قراءة Aug 28, 2020
(الحرمان يجعلنا مُنشغلين ومَهجوسين بما ينقصنا)
في نقد الخطاب الفَوقي الذي يلوم الفقراء على فقرهم وسوء إدارتهم لحياتهم وسوء اتّخاذهم لقراراتهم.
استذكر خلاصة سلسلة دراسات هامّة في علم النفس السلوكي:
هاجس شحّ المال يعرقل الوظائف الذهنية
الفقر يستهلك ويستنزف النطاق الإدراكي للفقير
أحد الحقول العلمية يجمع بين علم النفس الإدراكي والسلوكيّ وعلم الاقتصاد: علم الاقتصاد السلوكي Behavioral Economics.
يبحث في سؤال مركزي: كيف تتحدّد خياراتنا؟ ولماذا يقوم النّاس بسلوكيات مُحدّدة؟
أجريت دراسات عدّة حول العوامل المُؤثّرة في آلية اتّخاذ القرار decision-making
بخصوص الفقر، تدور الدراسات حول مفهومين رئيسيين:
- الشعور الحرمان أو الندرة Scarcity
ويتحقّق هذا الشعور حين ندرك أنّنا: نملك أقلّ ممّا نحتاجه.
- النطاق الإدراكي Cognitive bandwidth
وهي السعة الذهنية التي يملكها المرء في لحظة اتّخاذ القرار.
(أشبه بالبطّارية الذهنية Battery)
عبر تحليل بحثي عميق، وتجارب عملية عديدة مُتعلّقة بأثر (الندرة/الشحّ) Scarcity بمستويات متعدّدة: المال، الموارد، الوقت.
وأثر هذا الشعور (بالحرمان) على آلية اتّخاذ البشر لقراراتهم اليومية.
ووجدت أنّ شعورنا بحرمان شيء أساسي مثل (المال/الوقت) يؤثّر بشكل جوهري وسلبي بطريقة تفكيرنا.
حين يكون النطاق الإدراكي لدينا مُستنزف أو مُستهلك (نتيجة الانشغال بهموم كبرى أو احتياجات أساسية):
- ذهن مُشتّت
- حسابات خاطئة
- تجاهل البدائل ووجهات النظر الأخرى
- نهتمّ أكثر بالمكاسب الفورية (وإن كانت أقلّ)
- لا نستطيع التفكير بالمكاسب المُؤجّلة أو طويلة المدى (وإن كانت أكبر)
قام مجموعة من الباحثين في جامعة هارفارد وماساتشوستس التقنية بتتبّع أثر الفقر على الحالة النفسية والإدراكية للفقراء.
بشكل عامّ نقص المال، يشكّل هاجس أساسي للفقراء، لدرجة أنّ تفكيرهم ينحصر ويتمركز حول جني المال (الآن وفورًا) ولو كان قليلًا.
دون القدرة على التفكير بخيارات أخرى.
ناهيك بالطبع عن أنّ النمط المعيشي للفقراء يتحدّد بعوامل موضوعية أخرى تؤثّر على السلامة الذهنية:
- الوظيفة ضمن قطاعات الأعمال البدنية المرهقة
- تدنّي جودة النوم (وقلّة ساعات النوم تناسبًا مع طول الوظيفة)
- تدنّي جودة الطعام (عدم احتوائه على الفيتامينات والعناصر الغذائية الكافية)
تكمن المشكلة الرئيسية بالنطاق الإدراكي Cognitive Bandwidth.
في حال كان الفرد مُستنزفًا طوال يومه، وباله مشغول بتحصيل أمور معيشية أساسية، فهذا يستنزف كامل النطاق الإدراكي لديه، وبالتالي لا يستطيع التفكير بأمور أو بدائل أخرى بشكلٍ سَوي أو سليم.
والعكس في حالة الرفاه المَعيشي.
أحد الدراسات التي تتبعّت الحالة الاقتصادية لمُزارعين في الهند، وجدت:
أنّ المُزارعين في فترة ما قبل الحصاد وتدهور أوضاعهم الاقتصادية، يتّخذون الكثير من القرارات الخاطئة والسيئة.
بينما يتّخذ المزارعون قرارات صائبة وأكثر عقلانية بعد الحصاد وجني الأموال.
أحد الدرسات سألت المزارعين عمّا إذا كان سيستخدمون السماد (متوفّر مجانًا) في الموسم الزراعي القادم.
+95% من المزارعين قالوا أنّهم سيستخدمون السماد. بينما استخدمه في الواقع 35% منهم تقريبًا (رغم توفّره).
لاحقًا، صُرف للمزارعين دعم مادي يسبق موسم التسميد، وارتفعت نسبة التسميد.
دراسات (الندرة) ممتعة رغم بداهة نتائجها.
في أحد الدراسات تمّ الإتيان بمجموعتين واحدة قبل موعد طعامها وأخرى بعد تناولها الطعام. المجموعة الأولى كانت تتضوّر جوعًا.
عند عرض مجموعة من الكلمات أمامهم لأجزاء 1/30 من الثانية، أبدت المجموعة الجائعة انتباه عالي للكلمات المتعلّقة بالطعام
الندرة بالطبع تشمل حالات عديدة:
مثلًا تحوّل العقل لوضعية النُدرة Scarcity mindset عند طالب امتحانه غدًا وتراكمت عليه مادّة كبيرة، يزيد من تشتّته ويزيد من قراراته الخاطئة وعدم تركيزه.
مثلًا دراسات أشارت إنّه سلوكيات المساعدة تقلّ كثيرًا عند الأشخاص المستعجلين (ندرة الوقت)
والفكرة عمومًا هي تحوّل الإدراك والذهن لوضعية مختلفة تمامًا تحت وطأة الحاجة والحرمان والنُدرة، وهي ما يُسمّيه الباحثون: عقلية النُدرة Scarcity mindset.
نفس الباحثين الرئيسيين كتبوا بهذا الكتاب بلغة سردية خلاصة أبحاثهم حول مسألة الندرة وتأثيرها على الإدراك والذهن واتّخاذ القرار.
الفقر لعنة، ولا يمكن للفقير أن يفكّر أبدًا بنفس رفاه الإنسان الغني والذي يمنحه الإمكانات الإدراكية للتفكير الاستراتيجي طويل المَدى.
بتذكّر مقطع عالق بذهني للثُوّار من رواية أستروفسكي (كيف سُقينا الفولاذ):
مَن تُخاطبون؟
هل من المعقول أن يفهموكم؟
لا ! ليس الشبعان بأخٍ للجائع.
The Psychological Lives of the Poor
scholar.harvard.edu
Poverty Impedes Cognitive Function
scholar.harvard.edu
Freeing Up Intelligence
scholar.harvard.edu
فرويد مرّة حكّى: تتعاظم هاجسية الدافع النفسيّ لدى المرء، كلّما تعرّض هذا الدافع للإحباط أكثر.
وبمعنى: نحن مَسكونون بالأشياء التي رغبنا بها بشدّة، وحُرِمنا منها.

جاري تحميل الاقتراحات...