عبدالله الفيفي
عبدالله الفيفي

@EduFaifi

19 تغريدة 12 قراءة Aug 25, 2020
"أدب السجون"
قصص وروايات لأشخاص حول العالم عاشوا هذه التجربة لسنوات امتدت إلى 20 سنة.
بصرف النظر عن القضايا ومدى مشروعية الأحكام.
كيف كانوا يعيشون؟
كيف كانوا ينظرون إلى الحياة؟
ما الذي تغير في أعماقهم؟
كيف وجدوا الحياة بعد الخروج؟
أسئلة مثيرة تجعلني ألتهم هذه القصص بشراهة.
من القصص المؤثرة التي قرأتها:
ثلاثة سائحين سعوديين تعرضوا للسجن في سوريا قبل الثورة ولقضية اشتباه تهريب مخدرات.
امتدت فترة سجنهم لمدة 9 أشهر.
سأختصرها لكم في هذا الثريد بمشئة الله.
أعمارهم كانت في الثلاثينات إلا شخص واحد في الأربعين.
خرج اثنان قبل الآخر بمدة 3 أشهر.
القصة قرأتها في منشور قديم في الفيسبوك ولا أذكر الرابط، ولكني ما زلت أحفظ أبرز أحداثها، وقد كانت برواية (يوسف) أحد الأبطال الثلاثة، وهو الذي نشرها بقلمه وسرده الخاص.
التجربة ليست طويلة قياساً على غيرها ولكنها طويلة في حق هؤلاء الشباب الأبرياء كما يذكر الكاتب، والعهدة عليه.
السائح السعودي قبل الثورة السورية كان محل ترحيب كبير جداً من السلطات هناك، وكل التسهيلات تقدم له وتميّزه حتى المواطن وابن البلد، والسبب واضح، وهو أنّ اقتصاد سوريا كان يعتمد بشكل كبير على السياحة؛ فكان السعوديون يملؤون أرجاء سوريا في الصيف تلك الفترة وما قبلها.
يوجد تعليمات صارمة لرجال الأمن هناك ولكل الجهات الخدمية أنّ السعودي والخليجي بشكل عام يجب أن يحظى باستثناءات وتسهيلات، وأن لا يتعرّض لأي تعقيدات تمنع عودته.. يجب أن تبقى سوريا وجهة سياحية مرغوبة له دائماً وابداً.
ولذلك تمادى يوسف وأصحابه في خرق القوانين ووقعوا في غلطة لا تغتفر.
يقول يوسف بأنّهم وقعوا في غلطة تزوير شريحة ولكن لهدف شخصي بحت؛ فقد كانوا يريدون الاستفادة من الشريحة لأغراض التنقل والسياحة والتواصل مع الأهل فقط لا أكثر.
وهذه الممارسة معروفة في سوريا بأنّها حركة مرتبطة بالتهريب والمخدرات؛ مباشرة تم تحويل قضيتهم إلى الجهات المختصة بهذا المجال.
بدأ مسلسل طويل من الإجراءات والتحقيقات القاسية لاستنطاق الاعترافات، ولكنهم يصرّون دائماً وأبداً على براءتهم ونظافة أهدافهم رغم كل الضغط الذي واجهوه.
كان لا بد من القضاء في السجن بضعة أشهر قبل صدور البراءة النهائية واتضاح الحقيقة من كل الجوانب ولكن ما زالوا يعاملون كمتهمين.
يوسف ورفاقه أصبحوا ضيوفاً على سجون المخدرات البشعة في سوريا.
ركام من البشر في غرف مظلمة وكريهة وكئيبة، وروائح منتنة حيث لا تهوية ولا مراوح شفط، والجرذان والصراصير تسرح وتمرح في تلك القبور العقابية.
يا للمأساة!
أين المفر وكيف النجاة وما هو المصير؟
اسئلة كثيرة تعصف بعقولهم.
قبل أسبوعين كنت في بيتي شمال الرياض وسط عائلتي وبكامل حريتي أخرج وأعود متى ما أريد وآكل ما اشتهي وأرغب.
والآن أنا في قبر للمجرمين داخل سوريا مع أصدقائي الثلاثة.
لا نرى الشمس ولا نأكل غير كسرة خبز مع أجبان منوعة طوال اليوم.
كم سيمتد هذا العذاب من الوقت؟
هذه كانت تساؤلات يوسف!
يقول يوسف: أصعب عذاب نفسي واجهنا في بداية الأمر أنّ دورة المياه كانت بلا باب، وبلا مروحة شفط وغرفتنا ضيقة.
وهذا يعني أنّه يجب علينا التعايش والتأقلم مع أسرار قضاء الحاجة لبعضنا، سواءً المسموعة أو المشمومة.
يقول: كان الواحد فينا ينتظر البقية ينامون ثم يذهب ليقضي حاجته.
ولكن لسوء الحظ الغرفة بلا فرشة ولا أثاث مما يجعل الصوت يترجّح وينتج صدى يزيد من قوته.
حتى لو كانوا نائمين فأكيد أنّهم سوف يستيقظون على وقع الرعود والبروق ويسمعون كل شيء.
يقول كنا في البداية نتظاهر بالحشمة وعدم الاكتراث وكأنّ شيئاً لم يكن حتى صار الوضع طبيعي تماماً.
يقول: استسغنا الأصوات، وبقيت الريحة.
لقد وصلنا إلى درجة الاستفراغ لأنّ هذا شيء غير محتمل.
لا يوجد إنسان يستطيع تحمّل فضلات الآخرين.
يقول: هذا هو الجحيم الذي عانينا منه في الأسابيع الأولى، ولكن مع تطاول الوقت وزيادة الألم النفسي، صار وضعاً طبيعياً وأصبحنا كشخص واحد.
يقول: تحدثنا في كل شيء وتعرفنا على بعضنا أكثر من السابق رغم شدة صداقتنا.
وغالب حديثنا يدور حول وقت الخروج وكيف؟ ومتى؟ ومن هو الأول؟
ننام ونستيقظ ونكرر ذات البرنامج، وفي كل أسبوع يتم استدعاء أحدنا للتحقيق وننتظر الحكم النهائي.
وكل شخص يواجه محققاً مختلفاً وبعضهم لا يرحم.
كان الكابوس الحقيقي الذي أرّقنا وجثم على صدورنا هو: ماذا لو تمت إدانتنا فعلاً وأثبتت السلطات أننا متورطون في قضية التهريب، ثم حوكمنا بجزاءات تصل إلى سنوات طويلة؟!
يقول: هذا هو المشهد المرعب في نهاية القصة.
كل شيء يهون طالما أنّنا في مهلة التحقيق ولم يصدر الحكم النهائي بعد.
يقول: مضى حالنا على هذا الوضع أكثر من شهرين حتى أصابنا الاكتئاب والقلق والأرق وصار النوم متقطعاً والأحلام مرعبة والحياة قاتمة.
نريد رؤية السماء والشمس والقمر والناس!
لقد تأخرت قضيتنا ولا يوجد اي بادرة أمل.
هل ذهبنا إلى عالم النسيان؟
هل سنموت هنا؟
بصراحة لقد أصبح الموت أمنية.
أشياء كثيرة حدثت في تلك الغرفة طوال الشهور التي قضوها ولم يذكر إلا القليل منها.
سواءً أفعال أو أقوال أو بكاء أو جنون أو هذيان أو صراخ أو عويل.
وبعد 6 أشهر تم استدعاء صديقي يوسف، ولكن هذه المرة لم يعودا إليه.
هل ذهبا إلى سجن آخر أو غرفة أخرى؟
لا يعلم.. ولكنه سمع بإطلاق سراحهما.
نافذة أمل أشرقت في وجهه ولكنها تأخرت إلى ثلاثة أشهر أخرى قضاها لوحده في نفس الغرفة والأمل يحدوه إلى تحركات جديدة في قضيته بدعم ومساعدة صديقي الحبس بالأمس.
لقد تعب نفسياً وأنهكه السجن حتى تبلّدت مشاعره وفقد حماسه للحياة وحاول الانتحار مرتين.
وبعد ثلاثة أشهر تم استدعاؤه إلى القضاء.
يقول يوسف: المسار القضائي في سوريا قبل الثورة راقي جداً ومتطور بكل تفاصيله، والقضاة عبارة عن شباب أو فتيات قانون يتعاملون مع المتهم بكل احترام واحترافية.
البهذلة التي وجدوها سابقاً كانت بسبب أنّ قضيتهم لا تزال في مسار التحقيق، وهو معروف بوحشيته وسمعته السيئة هناك.
أخيراً صدر حكم البراءة ليوسف ثم اتجه مباشرة إلى مطعم شامي في الشارع المقابل للمحكمة بشيء من المال الذي كان يحتفظ به وأكل حتى شبع واتصل برفاقه.
خرج ولكنه كالعقير الذي نجا من تحت السيوف مثخناً بالجراح؛ فهو يحتاج إلى شهور طويلة حتى يستعيد الشعور بآدميته من جديد.
رتب @Rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...