Nader Halawa
Nader Halawa

@nhalawa1

19 تغريدة 46 قراءة Aug 17, 2020
النهاية السعيدة..
تحت القبة "شيخ" !
يسيران معاً على إيقاع دفوف "الزفة" تصاحبهما الموسيقى الراقصة وفي عيونهما فرحة لا توصف ، في هذه اللحظة يعلم "المتفرجون" أن كلمة النهاية اقتربت فيستعدون لمغادرة قاعة السينما
.. هذا المشهد التقليدي في "الأفلام" المصرية جاء نتيجة اتفاق غير مكتوب بين "المتفرجين" و"صُنّاع الفيلم" 1
فالمطلوب من كل متفرج أن يتعاطف مع قصة الحب الملتهبة بين البطل والبطلة طوال أحداث الفيلم لتأتي النهاية السعيدة بمشهد الزفاف ، وهنا تنتهي مهمة "المتفرج" فلا يجب عليه أن يسأل أبدا عن مصير هذا الزواج 2
ولا ينبغي حتى أن يفكر في الجانب الأهم من أي علاقة عاطفية وهو استمراريتها ونجاحها ، فهل استمر الحب بين بطلي الفيلم ؟ ، وهل نجح البطل في العثور على عمل إضافي لينفق على أسرته الجديدة ؟ ، وهل تمكنت البطلة من مقاومة تحولها السريع إلى شجرة جميز متحركة ؟ ، 3
لا أحد يعرف ،ولا أحد عليه أن يسأل أصلا ، فالسيناريو ينتهي دائما عند "النهاية السعيدة" وفق ما تم الاتفاق عليه مع المتفرجين .4
هذا الاتفاق بين "المتفرج" و"صانع الفيلم" لا يقتصر على عالم السينما فقط ، فثمة اتفاق مشابه تعرفه انتخابات المجالس النيابية والتشريعية في مصر منذ زمن طويل ، وينص الاتفاق أيضا على أن المشهد الأخير في العملية الانتخابية هو مشهد "النهاية السعيدة" مع "زفة" فوز المرشح بالانتخابات 5
وليس على الناخب هنا أن يتوقع المزيد من تفاصيل السيناريو بعد لحظة استخراج المرشح لبطاقة العضوية في هذا المجلس الموقر أو ذاك . 6
انتخابات مجلس "الشيوخ" مؤخرا لم تخرج عن إطار هذا الاتفاق ، فعبارة "النهاية السعيدة" تظهر على الشاشة بعد "الزفة" مباشرة، لينصرف الناخبون إلى بيوتهم منتشين بفرحة فوز مرشحهم دون أن يشغل أحد منهم باله بما سيجري بعد ذلك إلا بعد سنوات مع ظهور "أفيشات" الانتخابات الجديدة .
7
ولا دهشة ولا استغراب في غياب أي معلومة واضحة بين الناخبين عن صلاحيات مجلس "الشيوخ" ودوره في حياتهم ،
8
فأنت لو سألت متفرجا داخل قاعة السينما عن تفاصيل حياة البطل والبطلة بعد مشهد النهاية السعيدة ، لن تجد عنده أي إجابة كما لن تجدها كذلك عند أبطال الفيلم نفسه ، ولا عند المرشحين أنفسهم بعد أن أصبحوا "شيوخا" في المجلس ،9
فكل "شيخ" منهم له طريقة لا تختلف عن طريقة زملائه في تحقيق النهاية السعيدة ، وهي كل وسيلة ممكنة تضعه فوق أي مقعد داخل المجلس ، ولأن هذا الهدف العظيم يستحق التضحيات فكل شيء مباح من أجل تحقيقه ، فعضوية المجلس ليست إلا تتويجا لمسيرة حياته وتكريما له وتشريفا لعائلته .10
المشكلة في سيناريوهات السينما و السياسة أن الوضع معكوس ، وأن المشهد الذي تظهر عليه كلمة "النهاية" يُفترض أن يكون "البداية" التي كان ينبغي أن يبدأ بها الفيلمين السينمائي و السياسي ،11
وإذا كان من حق "صُنّاع السينما" التحليق بأي "سيناريو" على أجنحة الخيال في إطار العمل الفني ، فليس من حق "صُنّاع السياسة" صياغة سيناريوهات من نفس هذا النوع الذي يعكس وضعي البداية و النهاية في إطار العمل الوطني .
12
كان من المفترض أن يكون مجلس "الشيوخ" مجلسا للحكماء والعقول النيرة من أصحاب الرأي و الخبرة في شتى المجالات ، ولسوء الحظ أن هذه النوعية من الشخصيات لا تجيد أداء الدور في مشهد "الزفة" ، ولا تؤمن أصلا بمشهد "النهاية السعيدة"13
وترى أن عضوية أي مجلس يمثل الناس هي مهمة عمل لتلبية طموحات الناس ، وليست رحلة استجمام لالتقاط الصور التذكارية ، ولهذا السبب لا يصل إلى هذا المجلس أو غيره إلا محترفو الانتخابات وعشاق الحصانة، و الباحثون عن الوجاهة الاجتماعية، والساعون إلى النفوذ،والمشتاقون إلى الاقتراب من السلطة14
لذلك لم يكن غريبا أن تشاهد بين جحافل المرشحين لمجلس "الشيوخ" وجوهاً سلفية كل علاقتها بالديموقراطية أنها حرام ، ووجوها أخرى مخلصة للكتالوج الانتخابي القديم على هدي الاتحاد الاشتراكي والحزب الوطني المنحل مع إضافة لمسات من المنهج الانتخابي للإخوان15
،فبجانب الولائم الانتخابية قام بعضهم بتحويل البطاقات الانتخابية إلى بطاقات تموين تجاوزت توزيع عبوات الزيت والسكر إلى تلبية كافة احتياجات البيت المصري !
16
هذه الحالة الانتخابية المزمنة قلبت الأوضاع وحولت الوسيلة إلى غاية فبدلا من أن يكون الفوز في الانتخابات وسيلة لتحقيق غاية عظيمة تتمثل في الدور الوطني الحيوي للمجلس ، أصبح الفوز بالانتخابات في حد ذاته غاية وأصبح الجلوس تحت القبة أقصى الأماني17
وهكذا تحولت المجالس النيابية والتشريعية إلى مؤسسات هيكلية على غرار المطارات الحربية الهيكلية التي يتم بناؤها في زمن الحروب لخداع العدو فلا هذه مطارات حقيقية ولا تلك مجالس حقيقية لكن الخداع موجود في دقة الشكل الخارجي بقبته العالية التي يجلس تحتها "الشيخ" .
18

جاري تحميل الاقتراحات...