Nader Halawa
Nader Halawa

@nhalawa1

17 تغريدة 29 قراءة Aug 10, 2020
نيترات" السياسة والدين..
                نافذة "بيروت"المهشمة
فوق ركام بيروت ،يتصاعد لهب الغضب ممزوجا برائحة الموت ودخان الأسئلة،بينما تتواصل عمليات التنقيب بحثا عن أحياء وعن ضوء في آخر النفق،ولكل عملية تنقيب قواعد فليس التنقيب فوق سطح الأرض كالتنقيب باختراق طبقاتها وصولا إلى عمق الطبقة الأخيرة حيث تنجلي الحقيقة و تسفر الأسئلة عن إجاباتها1
فوق سطح الأرض تنتشر عادة الإجابات السهلة السطحية بينما تقبع الحقيقة ببشاعتها في أعماق سحيقة لا يرغب أحد حتى الآن في بلوغها ، وحين يكون السؤال عن سر الحريق الذي سبق الانفجار ، لا بد من التنقيب في طبقة أكثر عمقا فالحريق اشتعل قبل الانفجار بكثير،2
كان ذلك عام 1975 حين اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية ، لكن عند التنقيب في هذه الطبقة تظهر طبقة أخرى تضم المخزن الذي تم تكديس المتفجرات داخله ، فهي حقبة السبعينيات عنوان الاختيارات الخاطئة والمسارات الفاشلة التي أدت بالمنطقة كلها بعد ذلك إلى انفجارات متتالية مزقت الأوطان .
3
كانت "بيروت" ولا تزال تلك النافذة التاريخية العريقة التي تطل على البحر عبر زجاجها الملون الذي يخطف الأبصار بروعة تصميمه وأصالته ، لكن رقة ورهافة هذا الزجاج جعلته سهل الكسر ، وجعلت من "بيروت" المؤشر الواضح لحالة المنطقة كلها فدفعت بذلك الثمن الأفدح . 4
داخل إحدى طبقات التنقيب ستعثر على مخزن مرفأ بيروت المنكوب قبيل انفجاره بسنوات طويلة ، سترى كل المتفجرات مكدسة،بينها صور زعماء كل همهم الزعامة ،تسجيلات خطب عصماء تحض على الكراهية ، وسترى في أحد أركان المخزن شجرة أرز مهملة ذابلة ، تحاصرها رايات دول في المنطقة ودول خارجها ، 5
سترى وطنا تحول لأوطان ، ومقر حكومة داخله حكومات ، وستعثر بسهولة على قنابل طائفية مصنوعة من خلطة نيترات السياسة و الدين .
6
هذه المادة المتفجرة التي مزجت السياسة بالدين ستجدها في أعماق آخر طبقة تنقيب، فهناك تطل الحقيقة مجردة من الأوهام ، تتساقط "شماعات" الكارثة واحدة تلو الأخرى
فإذا قيل أن سبب الانفجار هو الإهمال فمن أين جاء الإهمال ؟ ،
من الحكومة
فكيف تشكلت الحكومة ؟
بالدستور الطائفي
7
فكيف نشأ الدستور الطائفي؟
باتفاق خارجي لإطفاءحرائق الفتنة الداخلية
فكيف اشتعلت الفتنة؟
بنزاع طائفي
فلماذاظهرت الطائفية أصلا؟
حين تساهل الجميع مع أول رجل دين تحدث في السياسة
هذه هي نقطة البداية التي عرفتها"بيروت" وعرفتهاعواصم المنطقة فتفاوتت أحجام الحرائق والانفجارات
فبخلطة نيترات "السياسة والدين" تساقطت أعمدة حضارات بلاد الرافدين وبلاد الشام وأرض "سبأ" ، وارتجت الأهرامات ، واحترقت الصومال واشتعل نفط ليبيا ، وسالت الدماء أنهارا في الجزائر .
9
لم يسلم بلد واحد من انفجارات خلطة نيترات السياسة و الدين ، فقد امتلأت مخازن بلدان المنطقة بهذه الخلطة الجهنمية لتنفجر واحدة تلو الأخرى مع أول حريق مفتعل ، وبعد كل انفجار تتطاير الاتهامات داخل سحابات الدخان الأسود ،دون أن يشير أحد إلى الجاني الأصلي الذي صنع هذه الخلطة وخزنها.
10
في سبعينيات القرن الماضي تواطأت حكومات إقليمية على استخدام الدين في السياسة تماشيا مع توجيهات البيت الأبيض الذي عثر في المنطقة العربية على المكونات اللازمة لتحجيم النفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط ، 11
كانت هذه المكونات عبارة عن تيارات دينية ولدت في النصف الأول من القرن العشرين ، وبدت قسمات السياسة واضحة في ملامح هذه التيارات فقد كان سبب نشأتها سياسيا بإمتياز وهو الرغبة في إحياء الخلافة التي سقطت في "اسطنبول"
12
لم تفوت الولايات المتحدة الفرصة الذهبية لإدارة الصراع مع الإتحاد السوفييتي في منطقة الشرق الأوسط إعتمادا على هذه المكونات التي هبطت بالدين من سمو روحانيته إلى قاع مستنقع السياسة ،
13 .
فأطلقت أكبر الأنظمة السياسية العربية العنان لهذه التيارات التي بدأت في تجهيز المخازن وتعبئتها بنيترات "السياسة والدين" لتسقط أمم عريقة تحت رحمة الإرهاب فكرا وفعلا ولا تزال .14
ورغم فداحة خسارة نافذة"بيروت"المهشمة ستظل هذه النافذة كما كانت طاقة نور لمنطقة اعتادت أعين ساكنيها على الظلام حتى ظنواأن النور لاوجود له،ستعيد بيروت تركيب زجاجها الملون على نافذتها الساحرة فقط حين تكتمل عمليات التنقيب فتتخلص من آفة تعددالانتماءات ومن التعلق بأوهام الحلول الخارجية
وحين تدرك المدينة أن الطوائف لا تبني دولا ، وأن الطائفية هي المعول الذي يهدم الأوطان ، وأن مزج الدين بالسياسة هو أساس الطائفية وسر أوجاع المنطقة كلها التي تظهر في "بيروت" أكثر من غيرها. 15

جاري تحميل الاقتراحات...