شاكر وحقى
شاكر وحقى

@688Mohamed

41 تغريدة 13 قراءة Aug 14, 2020
الحمد لله انتهيت من الفصل الأول من مذكرات ثروت عكاشة في حوالي 80 تغريدة، وإن شاء الله بداية من غدا أبدأ في الفصل الثاني.👇
بدأت عملي ملحقا حربيا بسفارتنا في برن، وقد أتيح لي خلال إقامتي القصيرة بسويسرا أن أشارك في مناورتين حربيتين، كما انحصر مجال عملي في الإشراف على توريد الأسلحة المتعاقد عليها.
بعد حصولي على دبلوم الصحافة عام 51 من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول، سجلت دكتوراه في نفس الجامعة تحت إشراف الأستاذ الدكتور إبراهيم عبده، وتقدمت إلى جامعة ناطقة بالفرنسية في سويسرا لتسجيل دكتوراه عن جبران خليل جبران.
أتاح لي عملي زيارة مناطق خلابة في الفردوس السويسري، وزيارة الأوبرا وغيرها من الأماكن التي ألتقيت فيها بحضارة أوربا، وفي مستهل نوفمبر 53 صدر قرر بتعيين الطيار عمر الجمال ملحقا جويا بسويسرا، وهو أقدم مني رتبة، فكان هذا غدر شائن وتناس لدوري من زملاء الثورة.
عبد الحكيم عامر وحده هو الذي استنكر هذا السلوك المعيب من زملائه، واتصل بي تليفونيا يعرض علىّ العمل ملحقا حربيا بباريس، وأنا لم أسع لذلك فقد كنت غاضبا من السلوك الصبياني لبعض أعضاء مجلس قيادة الثورة وطالبت بالعودة لمصر رسميا لكن بعد مكالمة عبد الحكيم وافقت على الذهاب لباريس.
ليس عاشق باريس هو من يحب الإقامة فيها، بل هو من لا يطيق فراقها.
ألفونس كار
كنت في سويسرا أقود سيارتي قيادة هادئة، وأسمح للمشاة أن يعبرون الطريق قبلي تأدبا، وحين فعلت نفس الأمر في باريس كنت أسمع ألفاظا نابية تنصب على رأسي، وبعدها بربع قرن أهدى لي أستاذي قاموسا من تأليفه يضم حوالي أربع آلاف عبارة سب صريحة عند الفرنسيين.
اختار لي أستاذي كتابا ممتلئ بالدعابة عن طباع وعادات الفرنسيين، وقمت بترجمته بعد ذلك، بعنوان فرنسا والفرنسيون على لسان الرائد طومسون.
ظن البعض أن عملي في باريس هو التجسس على الجالية المصرية، وقد كانت مهمتي تزويد القوات المسلحة بالسلاح والمعدات، ومتابعة نشاط إسرائيل، وقد استدعت فرنسا موشى ديان، وغالب الظن هو من أشار للقمع الوحشي في مراكش يوم عيد 4 أغسطس 54، وقد حصل ديان على وسام، بجانب تدريب البحرية الإسرائيلية.
في سبتمبر 1953 قال وزير خارجية فرنسا: إن الصليب لن ينحني أبدا أمام الهلال، فلنُعلنها حربا صليبية، وقد اقترحت أن تعلن مصر استعدادها لأى حكومة في مراكش يرأسها زعيم وطني إسلامي مغربي يحمل راية الجهاد، وإعلان أن الجلاوي بقبوله تدخل اليهود ضد مسلمي المغرب خارج عن الإسلام يُهدر دمه.
في أغسطس 54 اقترحت استغلال إذاعة صوت العرب لمساومة فرنسا على تحقيق أهدفنا الوطنية العربية، مع إسناد الإذاعة إلى إدارة فنية أنضج خبرة وأكثر اتزانا بدلا من الجهاز الديماجوجي المشرف عليها الذي له نهج يبعد عن الأثر المنشود الذي نبغيه.
في صيف 1955 عرض علىّ عبد الناصر منصب قائد سلاح الفرسان، فرفضت لأنه لا يوجد صلات بيني وبين المجموعة الموجودة، فالصلات كانت بيتي وبين مجموعة أودعت السجون أو شُردت، وعاتبني عبد الناصر على استقبالي لخالد محي الدين في باريس عام 54، فقلت له: لو عيّن خالد رئيسا للوزراء كنت ساستقبلك كذلك
في يناير 1956 نجح الحزب الاشتراكي في انتخابات فرنسا، في الوقت الذي قامت به الصحافة والإذاعة بشن حملات على مصر، وقامت الحكومة الفرنسية بتسليم إسرائيل طائرات المستير الحربية، وبعد شهرين طالب أحد النواب بمقابلتي واعترف أن بعض النواب الفرنسيين يريدون إشعال حرب صليبة ضد مصر.
عرض النائب عقد صفقات لبيع طائرات لمصر، فأرسلت للقاهرة مع ذكر بعض التهديدات التي لوح بها بعض المسئولين الفرنسيين باحتمال توقف فرنسا عن استيراد القطن المصري لالحاق خسارة بالاقتصاد المصري.
طلب زميلي في باريس اللواء علي أبو نوار الملحق العسكري الأردني مقابلة عبد الناصر سرا للمطالبة بتحرك الجيش المصري في سيناء للضغط مع طرد جلوب البريطاني من الأردن، وقد رأى عبد الناصر التريث حتى جلاء الإنجليز، وفي فبراير 56 طُرد جلوب من الأردن.
كانت مصر وسوريا والسعودية تعهدت بدفع 12 مليون دينار للأردن بدلا من المعونة البريطانية، وحين عجزت مصر وسوريا عن توفير المبلغ في إبريل 57، عرضت السعودية وأمريكا دفع المبلغ على أن تقبل الأردن مبدأ أيزنهاور.
أصبح موقف الحكومة الاشتراكية بالغ الحرج، بسبب مشكلة الجزائر، وبعد دعم أمريكا لفرنسا، صدر بيان من بريطانيا يؤيد ضرب حركات الإرهاب في الجزائر، وذلك بعد تلقيت بريطانيا لطمة بسبب طرد جلوب من الأردن، وضاقوا ذرعا بمحولات مصر إسقاط حلف بغداد، مع صفقة الأسلحة المصرية من تشيكوسلوفاكيا
زار وزير خارجية فرنسا مصر ليوم واحد في مارس 54، وفي 29 يونيو صرح رئيس الحكومة الفرنسية أن مصر تعمل على تزعم كتلة جبارة من مئات الملايين من المسلمين، وهذا حبا في العظمة( يعرض بعبد الناصر )
ولم يكن خافيا أن مصر تمد الجزائر بالسلاح والعون السياسي.
فرنسا لم تكن لتُقدم على تزويد إسرائيل بالسلاح لو قامت مصر بالوساطة في ملف الجزائر، ورجعت مصر وقابلت عبد الناصر، الذي كان يريد تحرير الجزائر بأقل خسائر لكن فتحي الديب وعزت سليمان من المخابرات المصرية وغيرهم كانوا لا يثقون في عروض فرنسا، ويريدون مواصلة المعارك، لا المفاوضات.
بناء على توجيهات القاهرة قابلت في يوليو 56 الحبيب بورقيبة في باريس، وطلبت منه السمح بعودة المعارض صالح بن يوسف إلى تونس ( أغتيل بعد ذلك) لكنه انفجر غاضبا ورفض، وثار بسبب مقالة عنه في مجلة آخر ساعة، وحاولت أن أهدئ خاطره،وأمسكت حياء عن أن أذكره بما بذلته مصر في سبيل القضية التونسية
كانت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا قد أصدرت تصريحا ثلاثيا عام 1950 بعدم بيع السلاح للدول العربية أو إسرائيل إلا بعد موافقة اللجنة لتحقيق توازن، لكن فرنسا كانت تصدر سرا لإسرائيل وتزعم أن الشحنات تخص السويد.
فرنسا أغرت سوريا بتخفيض ثمن المعدات الحربية مقابل تخفيف لهجة إذاعة دمشق في معاداة سياسية فرنسا في شمال أفريقيا، ونجحت في اتمام صفقة دبابات فرنسية لمصر بصعوبة، وقد شهد لي الجانب الفرنسي بالشرف لأني لم اتقاض عمولات.
في يونيو 56 استدعاني عبد الناصر وقال لي أنه تقرر خروج الضباط الأحرار من الخدمة من القوات المسلحة، وترتب على هذا وعد بنقلي لوزارة الخارجية لأصبح سفيرا لمصر في فرنسا، وأخبرني بنيته تأميم قناة السويس.
عند تأميم قناة السويس، شنت فرنسا وبريطانيا حملة ضد مصر، وشاع نداء "ابدأوا بناصر أولا "، وبات لزاما علىّ رصد تحركات القوات المسلحة الفرنسية رغم مرضي، وقد أرسل لي عبد الحكيم عامر الطبيب اللواء حسن صبري.
كان لي صديق فرنسي يحتل مركزا مرموقا، أخبرني عن خطة ملغاه للهجوم على الإسكندرية، وقال لي تفاصيل الخطة الجديدة، وارسلتها إلى عبد الناصر عن طريق شخص أثق به.
بعد انتهاء العدوان الثلاثي وعودتي إلى مصر، قال لي عبد الناصر: لقد نفذنا من خرم إبرة بإذن الله، وأنا لم أكن أصدّق في مبدأ الأمر إمكان حدوث التواطؤ برغم ما أبلغتني، إذ كان حدوث هذا من المستبعد في تقديري.
وحينها قابلت حسنين هيكل وشد على يدىّ مشيدا بما بلغه على لسان عبد الناصر أني أرسلت له خطة العدوان، لكن بعد ذلك وفي مقالات هيكل وكتاب ملفات السويس قال إن التحرك العسكري الإسرائيلي جاء مفاجئا لعبد الناصر، ولم ير سببا واصخا يبرره، ويبدو أن الأستاذ هيكل اعتمد على مصادر أجنبية.
سجلت رسالة الدكتوراه عن ابن قتيبة( محدث وفقية، من الجيل الذي يلي الشافعي وابن حنبل وابن راهويه)، ورجعت مصر بسبب قطع العلاقات إبان العدوان الثلاثي، وفي عام 60 كنت وزيرا للثقافة وطلبت إجازة شهرا لمناقشة الرسالة في جامعة باريس.
اختارتني اليونسكو علم 1968 نائبا لرئيس اللجنة الدولية لإنقاذ مدينة البندقية.
نمو الفكر والثقافة الإنسانية وليد نقاش عنيف، وهذا غير ما تأخذ به الدولة إملاء.
التعايش السلمي في الفكر والفن لونا من الهراء، فمحال أن يكون ثمة تعايش سلمي بين الأيديولوجيات، ومحال أن يكون هناك توحيد أفكار بقوة القانون.
لست أرى الحياة واقعية بحتة، فالخيال يشكّل جانبا كبيرا من حياتنا.
رجعت إلى مصر بعد العدوان الثلاثي، وحضرت اجتماع مع عبد الناصر في وجود خالد محي الدين، وطالبت أن نتبع النمط السويسري في الحياد، على أن نتفرغ لبناء بلادنا، لكن عبد الناصر كان يرى أن الحياد الايجابي أنسب لمصر.
( د.عبد العظيم أنيس كتب في الأهالي عام 1988 أن ثروت عكاشة ثوري رومانسي)
رفض عبد الناصر دكتاتورية البروليتاريا، وطرح قوى تحالف الشعب العاملة، وهذا تجلى في تغيّر البناء الاحتماعي، حيث صعدت إلى السطح طبقات بينما هوت إلى القاع طبقات أخرى، ونمت طبقة العمال نموا هائلا مع حركة التصنيع وإزاحة طبقة كبار الرأسماليين.
وتحرر الفلاحون فأصبحوا سادة الأرض التي كانوا يفلحونها بعد سقوط طبقة كبار ملاك الأرض إثر تطبيق قانون الإصلاح الزراعي، وعمّمت الثورة مجانية التعليم لتشمل الجامعي أيضا، بعد أن كان مقصورا على الابتدائي والثانوي فقط في عهد طه حسين في حكومة الوفد، فأصبحت الفرصة متاحة للجم الغفير.
بدأ التفكير في تطوير الأزهر وكان الهدف انفتاح جامعة الأزهر على المجتمع، فالغزالي والكندي وابن سينا جمعوا بين العلوم الدينية والطب والفلسفة، وكم لنا في السلف من أسوة، كذلك كفلت الدولة للمرأة كافة الحقوق حتي تصبح على قدم المساواة مع الرجل، وأرسلت الدولة قواعد العمل من أجل التنمية.
غير أن ما أثار في نفسي شيئا من الأسى؛ التدهور في الذوق العام مع امتداد التوسع العمراني، فالمباني تخضع لمقتضيات اقتصادية بحتة، لا يُلحظ فيها فن المعمار بأصوله وتقاليدية، فالهدف إنجاز أكبر عدد من المباني بأقل تكلفة في أقصر وقت، أى تغليب الكم على الكيف.
الاستثناء كان عبد اللطيف البغدادي الذي يملك سعة في الخيال وذوق جمالي استطاع أن ينجز مشروعا عظيما هو شق كورنيش النيل، واقتطع جزءا من السفارة البريطانية، وسبب الانهيار العام في الذوق صعود طبقة كانت حبيسة لم تكن على صلة بالحضارة وشاركت في فرض ذوقها وهذا ثمن تدفعه كل الثورات.
ثورة كرومويل بإنجلترا عام 1640 أتت على العديد من التحف واللوحات المصورة والتماثيل بالكنائس، والثورة الفرنسية عام 1789 هدمت العديد من الكنائس من ذوات الذوق الرفيع، ودمرت التحف، واضطهدت الكتاب والفنانين، وشايعت الدماء في تصميم ملابس الثورة الفرنسية، وثورة روسيا 1917 اضطهدت الأدباء.
كانت الناس تلتف حول عبد الناصر، لكن جزعت لتحول الدولة لإقطاعيات يقف على كل منها عدد من رجال القوات المسلحة، أكثرهم لم يشارك في الثورة لكن القيادة توّسمت فيهم الكفاية، منهم من قام بواجبه على أفضل حال، ومنهم اقتنص المكاسب وضيّع على الثورة أهدافها.
دعمت أمريكا الملك سعود لاحلاله زعيما روحيا للعالم الإسلامي والعربي، ودعمت بورقيبة إذ كان أحد قادة حركات التحررية، أما إنجلترا فحاولت تقوية حلف بغداد بضم أمريكا، وفرنسا عوّلت على بورقيبة
وفي عام 57 حاولت فرنسا عودة علاقتها مع مصر وتغيّر الخطاب الإعلامي والمثقفين الفرنسيين.

جاري تحميل الاقتراحات...