عبدالرّحمٰن
عبدالرّحمٰن

@a6dulrahmann

18 تغريدة 35 قراءة Aug 07, 2020
بالرغم من أنها لم تكن المرة الأولىٰ، إلا أن بدني ما زال يقشعرُّ كلما رأيت هذا المنظر؛ رجلٌ علىٰ مقربة من السبعين زادهُ الله بسطةً في الهيئةِ والجمال، كان يتمرن بجانبي في النادي ويُهاتف صديقه بأعلى صوته عن إحدى الفتيات الجميلات التي شاهدها في مكانٍ ما! ما الذي يجري ياعالم؟
يتحدّث بصوتٍ حتىٰ وإن كنت أصم ستسمع مايقوله؛ شدّني أكثر عندما بدأ يصف هذه الفتاة على صديقهِ قائلًا بلهجتهِ النجديّة: "يا طر جيبي يوم تِقبل بعيونها الكحيلة .. وضحىٰ يامقبل؟ والله تسنها حدا بناتي وصارت أغلى"
نظرتُ إليه و قد جحظت عيناي استنكارًا، تقطّب الحاجبين، ازداد وجهي سوادا، ككل الأشياء من حولنا اليوم؛ فقلت بيني وبين نفسي: يارب الستر و حُسن الخاتمة، لا أريد في هٰذه الحياة سواها.
كان هذا أوّل يوم أراه في النادي؛ هذا الرجل صاحب الابتسامة التي لا تُفارق وجهه، ذو الملامح النورانيَّة التي يتضوَّعُ منها سيماءُ البهاء، لهُ سكسوكة ملكيّة قاتمة السّواد من أثر الصبغة؛ يفضح كبر سنه شَعره الأبيض الذي على فَوْدَيه وذراعيه؛ لكنه يعتقد أنه لازال شابا مراهقا..ياطر جيبي!
وسيم جدّا، مهيب الطلعة؛ تقول صادقًا حين تراه: وكأنَّ الدُّنيا جاءت جاثيةً عند قدميه، أكاد أجزم أنه لو خرج لمكانٍ عام؛ ستجد أعين الفتيات تلتففن من حوله في كل مكان، وكأنه شمسٌ مضيئة، تطوف مِن حولها الكواكب والأقمار؛ استغل مظهره واقتسم مع الشباب ملاحقة الفتيات .. تلك قسمة ضيزىٰ!
لٰكن كما تعلمون الكمال لله وحده؛ فمهما اكتمل هذا الإنسان، ستجد النقص إحدىٰ صفاته!
خرجت من النادي مُطأطئ الرأس وكان الحزن يعتريني حينها؛ تذكّرت زوجته كيفَ هو حالها "إن كانت على قيدِ الحياة" عندما تتوسّد صدره أثناء نومهم وتحكي له عمّا يجول بخاطرها وتُعبر عن حبها له؛ بينما قلبه وجسده مُتعلّق بذلك الفتاة الحمقاء!
كيفَ هو حال ابنه وهو يفتخر بهذا الأب؛ عندما يقوم بتصويره ويضع هذه الصورة علىٰ وسائل التواصل الاجتماعي ويكتب:
"يابوي لايلحقك شك ولاريب
انفض هجوسك وارفع الراس عالي
أنا شبابك لاغزىٰ راسك الشيب
وانا عضيدك لو تجور الليالي"
كيف هو حال بناته؛ عندما يضعنَ صورته في غُرَفهِنّ، وصورة عرض لشاشات هواتفهن، وعلى واتس أب، فضلًا عن سناب تشات وتويتر؛ معبّرين للناسِ عن فيض حنانه وعطفه عليهُن، بينما في الواقع الحب والحنان والعطف يذهب لفتاةٍ لاتربطهم فيها علاقة!
وفي اليوم الثاني، عُدت للنادي بوقتي المعهود؛ وجدته وحيدًا، أقبل علي وكان حينها يجيل بعينيه الواسعتين نحوي، بادرني السلام بوجهه الوضّاء نورا مع ابتسامة طفيفة ترتسم عليه، قائلا: السلام عليكم ياولدي؛ رديت السلام وأسديت له ابتسامة بتراء تشيء بعدم القبول؛ قد اتخذت منه موقف قبل معرفته!
أخذ يحكي لي عن مواضيع عامّة بعدما تعرّفنا على بعضنا البعض، اتّضح لي أن الحزن لايعرف طريقًا إلى قلبه، ولا دمعة يومًا ربضت تحت جفنه، لا يُقلقه أيٌّ من الأمور؛ فكلُّ الأمور عنده صغائر، الضحكة مُبتغاه، والمزحة ضالَّته، والابتسامة قسمات وجهه ..
سابقًا كُنت أشعر أن لدي القدرة بمعرفة المرء الصالح من النظرة الأولى؛ وهذا مايخبرني به قلبي، ودائمًا يكون على صواب؛ لكن ماشاهدته من هذا الرجل ينم على أنه يعيش مراهقة متأخرة، ولا يمكن أن احتك معه أكثر من ذلك؛ إلا أن قلبي ارتاح له ولم ينفُر منه!
وأثناء ماكان يجري مسرعا جدا على السير، بسرعة 1 ونصف.. يضع كلتا يديه على السير فتشاهد اهتزاز ذراعيه؛ ينظُر لي ويحاول أن يجعلَ من نفسه شخصًا متماسكًا، قادرًا على تحمُّل الجري السريع.. خطوتان وينتهي أمرك ياعم!
يُخرج من جيب بنطاله الأسود حفنة من العلاجات؛ يأخذ العلاج ويضعه في بطن كَفِّه اليُمنى، يضعه في فمه، يحاول جاهدا أن يفتته بين أسنانه الهوليودية التي قام بتركيبها مؤخرا؛ يَنظر إلي ويَبتسم ويقول هذه حلويات يا ابني .. هه بل أنهُ دواء يجعلك تُكمل ماتبقى من حياتك ياعمي
توقّف قليلا، ثم جلس على كرسيٍّ يمحو في هدوء صورةَ زوجته من ذاكرته، وهو يتمتم مع نفسه: لقد مللتُ شكواها من ألمٍ في رُكبها كلما مشت، وجسمها صار كتلة شحم، وتُعاني من السُّكّري، والكولسترول، والروماتيزم، أليس من حقي أن أعيشَ شبابي المتبقي مع ثانية؟! هكذا تخيلت المشهد
عاد إلى السّير مجددا؛ وضع هاتفه الأندرويد أمام مُقلتيه، الذي قد وضع عليه الحامي كتابي الشكل، المخصص للآباء، أخذ يتأمل شاشته، ويدقق النظر بها، يعض على شفتيه؛ ويصدح قائلا؛ "إييييه سبحان من جمّلتس، وياهني من شرب من حليبتس أنا أشهد انه دواء شوف شوف يامهندز عبدالرحمن"
أوه تبًّا! هل سيجعلني أسلك دربه؛ درب الرغبات والشهوات، هل عندما رآني شابًّا ظنّ أن هذه الأمور تطيّب خاطري وتسعدني؟ لٰكن ماهذه الجرأة التي تجعلك تفعل هكذا مع شخصٍ لم تعرفه حق المعرفة، والأمر الآخر أين هي غيرتك على محبوبتك! وإن كان حب شهوة! فالغيرة فطرة
أصابني الذهول عندما رأيت هذه الفتاة التي قد تملّكت عقل هذا الرجل؛ ذهول كما يصيب جربوعا غائبًا في الحشائشِ ليلاً إذا ألقِي عليه الضوء الباهر فجأةً؛ لايكاد أن يتحرّك .. طلعت ناقة وضحى وبجانبها حليبها؛ أشار على الحليب، وقال:
"هذا حليب الوضح حالي وممتاز
ورغاته اللي تعتبر شي ثاني"

جاري تحميل الاقتراحات...