مشاري الشثري
مشاري الشثري

@m_alshathri

10 تغريدة 88 قراءة Aug 07, 2020
ظلال "المظلومية" والشعور بـ "الاغتراب"!
يقول الغزالي:(استئناس العالم يزيد بكثرة شركائه إذا كان يقصد ذات العلم)
هذه اللفتة الغزالية جليلة المغزى،فهي تدلك على أن مقصد العالم إذا كان خالصا للعلم جلب له ذلك الشعور بالأنس بشركاء العلم..هذا الشعور الذي إذا تحلى به طلبة العلم آزر بعضهم بعضا فيمايكون سببا للرقي بالمجتمع العلمي
كما يدفعهم ذلك الشعور إلى أن يثمّن بعضهم لبعض ما يقوم به من جهود وإسهامات معرفية، مع لينِ جانبٍ، وحسنِ ظنٍّ، وتواضعٍ يحفزهم على التشارك في تتميم تلك الجهود واستدراك فائتها وتقبل بعضهم لنقد بعض باتزانٍ نفسي ومعرفي
في المقابل تجد من طلبة العلم من يهوى المباعدة عن مجتمعه العلمي، ويتكلّف الإجحاف بشركاء المعرفة، ويعشق العيش في ظلال "المظلومية"وملازمة شعور "الاغتراب"حتى لايطيب لواحدهم أيّ إسهام معرفي يقدمه مالم يشفعه بما يوحي باغترابه وصفاء مقاصده المعرفية في الوقت الذي انشغل فيه غيره بالصراعات
وهو إن تتبعت خطاباته العامة تجده مسكونًا في كثير منها بتلك الصراعات، من رأسه إلى أخمص قدميه، في الوقت الذي يلمز فيه غيره بذلك، ولكنه يتغافل عن واقعه ويعيش في عَمَايةٍ عن نفسه .. ولا أدري ما الذي يضطر بعضهم لمثل هذا، وما الذي يحفزهم لتكلّف هذه الحال والنفخ فيها والاقتيات عليها
وإذا انتُقِدَ، فبدل تقبّل النقد بنفس هادئة وروح "موضوعية" = يطغى عليه ذلك الشعور بالاغتراب، فيسبق إلى جوابه ما يوحي بغربته الموضوعية أمام تلك النقدات المؤدلجة، فيقرأ النقد على غير وجهه صيانةً لاغترابه على حساب المعرفة..ولا أضرّ على طالب العلم من سلطةهذا الشعور على مزاجه وتقريراته
ولربما صدر ذلك النقد من أناس يشاركونه ذاتَ الاشتغال المعرفي والهم الإصلاحي، فلا يهنأ له بال بتلك الشراكة حتى يفتعل ما يتمايز به ويُذْكي من نار مظلوميّته، فيظل في إسار ذلك الشعور الذي يمهّد له نقدَ غيره بما يتوهّمه من تشوّش أغراضهم وتحيزها في مقابل صفاء مقصده وموضوعيته
هذا الشعور إذا تمكّن من طالب العلم وتمادى به ألجأه إلى نقيض قصده، فبدل السعي في بث معارفه ومشاركةأهل تخصصه بما انتهى إليه علمه، تجده يتكلف ما يمد به بساط اغترابه، فلايشتغل إلا بتلك المناطق المعرفية التي توهمه بامتيازه ويستبقي بها مشروعية اغترابه، لا لمصلحة العلم بل لمصلحة اغترابه
ولا يقف الأثر السلبي لذلك الشعور عند هذا الحد، بل يتسع مداه حتى يكون جزءًا من هوية طالب العلم تنصبغ به آراؤه ومواقفه، حتى يكون سمته العام أن يرى الأشياء على غير ماهي عليه، ويعيش في صراعات مع نفسه والآخرين وهو يرى نفسه في معزل عنها، فما أشدّ عماية الإنسان عن نفسه التي بين جنبيه!
والله تعالى أعلم.

جاري تحميل الاقتراحات...