عندما قدم أفلاطون رؤيته عن الحب -بلسان سقراط في حوارية "المأدبة"- لم ير المحبوبة إلا على أنه نموذج يمثل "الجمال المطلق" في عالم المُثُل التي لا تنتمي إلى عالم الأرض الفاني وإنما عالم السماء الخالد...
بغض النظر على أنه رؤية تتعالى على المحبوب بشخصه وكأنه فقط عبارة عن "رمز" لعالم آخر هو عالم الجمال، إلا أن التجربة المعيشية بالحب في الواقع تتفق مع ذلك، لكن من حيث أن المحبوب من حيث أنه مُتعيّن وجوديا يعبر عن الوجود المطلق في عين المحب...
أساطين الحب، مثل قيس ليلى أو خسرو أو رميو أو فلتير، كان المحبوب بالنسبة لهم هو جماع جمال هذا الوجود المطلق، لذا لم يجدوا بأن من الجنون أن يبذلوا أنفسهم لأجل ذلك.
ولا عجب أن تقر بعض الأدبيات الإسلامية أن من يموت عشقا فإنه شهيد...
ولا عجب أن تقر بعض الأدبيات الإسلامية أن من يموت عشقا فإنه شهيد...
أفلاطون عندما تحدث عن الحب، فإنه كان يرى بأن النزعة المحمومة لامتلاك المحبوب هو دليل على نزوع الإنسان إلى امتلاك الخير، فالجمال هو الصورة المثلى لما هو خير، وليس لشكله (وإن كان جميلا حسيا، لكن لا يكفي) وإنما ما تعبر الروح فيه عن ذلك...
لكن أن نوحد بين الخير والجمال، لا يمكن له أن يكون إلا إن نبذنا ما قاله أفلاطون عن وجود عالمين (عالم الجزئيات وعالم الكليات)، لأنه يفصل بين نحن والآخر...
وهنا جاء أهمية الطرح الصوفي بالإسلام، رأت أن العشق هو ما يفضي إلى الجمال المطلق (العالم الإلهي)، لأن الجمال الفردي هو ذاته تمظهرات للجمال المطلق، وتجربتنا بالجزئي لا تعني انفصالنا عن الكلي، لأن ذواتنا ليس منفصلة عن العالم الذي نعيش به، وما يعبر عن تجارب أخرى مثل الميتافيزيقية...
لذا عمر الخيام (باختلاف تأويلات شعره، وإذ كان صوفيا)، لا يجد معرة في أن يتغنى بفتنة جمال النساء، وأن يتقد قلبه رغبةً بهن، لأنه يرى "رمزيا" أن نموذج الجمال يكمن في "النساء" والحب، وهو ما يشي حقا عن الجمال المطلق- عالم خلود الروح والحقيقة.
كذا فعل ابن الفارض بشعره، وهو زاهد العيش!
كذا فعل ابن الفارض بشعره، وهو زاهد العيش!
لذا الحب بغض النظر عن مآلاته وجوهره هو أن نؤكد على حضور الإلهي بالعالم، أن نجدد العهد كبشر فانين بذلك.
جاري تحميل الاقتراحات...