فهد.
فهد.

@I0ll

11 تغريدة 50 قراءة Aug 01, 2020
النقاشات أصبحت صراخ وعويل، والمناظرات تبادل للتهم والشتائم، والنقد سخرية واستهزاء.. هذا قليل من كثير تسبب في تلويث جوّنا الثقافي اليوم. ولأنَّ الدوافع ليست سليمة تتحوّل الممارسات الطبيعية والمشروعة إلى عداء دائم يحاول جاهدًا محق نتاج الحقول المعرفية.
تأمل معي المشهد التالي الذي رواه الذهبي في سِيَره ج١٠ ص١٧: ”قال يونس الصّدفي: ما رأيتُ أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتّفق في مسألة؟“.
بل تعال لنتأمل مشهد آخر رواه الذهبي أيضًا في السير ج١٧ ص٢٧٠: ”قال عبد الغني: لما رددتُ على أبي عبد الله الحاكم (الأوهام التي في المدخل) بعثَ إليَّ يشكرني، ويدعو لي! فعلمتُ أنه رجل عاقل“. هؤلاء هم النُّقاد وأهل المناظرات، سلِمت صدورهم فأثمرت لقاءاتهم.
يكتب مالك بن نبي في الفصلِ المسمّى (في حديقة الثقافة) من كتابهِ «في مهبِّ المعركة»: ”من المُمكن أن يرى أحد القراء اعوجاجاً فيما أكتب، وأن يتفضل بتوجيه نقده لي، فمرحباً بهذا النقد وشكراً لصاحبه ما دام واضحاً في مبرراتهِ وبرهانه حتى أستفيد منه، لا مجرد قول تمليه وتصحبه العاطفة“.
ويُكمل رحمه الله:
”وفيما يخصني فإنني كنت دائما حريصا على أن أقدم للقارئ ما يمكن من الوضوح فيما أكتب، حتى أمكّنه من أداء واجب النقد، إن رأى لذلك مسوغا. ويبقى أن النقد يجب ألا يكون موقف عداء يتبادل فيه خصمان الشتم والضرب بالأقلام والجمل، بل موقفاً فكرياً يتبادل فيه اثنان آراءهما“.
نعم؛ هكذا يجب أن تكون المناظرات، ويكون النقد؛ مبرّر واضح وبرهان ناصع، حتى نصل إلى الغاية المرجوة وهي الحقيقة ولا غير الحقيقة. لا أنْ نتّخذ من طاولة المناظرة، أو أدوات النقد؛ وسائل لإطلاق التهم وكيل الشتائم، لبلوغ غاية دنيئة وهي الحطّ من قدر الخصم والسخرية من فِكره.
أين نقاد اليوم وأهل المناظرات من تلك الشروط التي تحدّث عنها الإمام محمد بن محمد بن محمد الغزالي في كتابه الإحياء -أنقلها بتصرّف عن الراضي من كتابه الحِجاج-، وهي شروط أخلاقية ضرورية لازمٌ توافرها قبل وأثناء (النقد) والمناظرة. منها:
• أن تكون المناظرة (والنقد) فعليّة وليست مجرد هوًى نفسي وميل ذاتي، وأن لا يوجد من الأعمالِ ما هو أرجح منها وأولى بالعناية، حتى لا تصير مجرّد ترف وزخرف لا ينبني عليه عمل يستفاد منه.
• أن تكون المناظرة في الأمورِ الواقعة أو القريبة الوقوع، وأن لا يتقصَّد المناظر (والناقد) الخوض في «الطُّبوليات» التي تجلب الشهرة ولا يُرجى نفع من ورائها، ويترك القضايا الحيوية التي تهمّ الناس.
• أن لا يهمّه أظهرَ الحق على يده أم على يد مناظره، وأن يرى في هذا المناظر معيناً مرافقاً لا خصماً مشاققاً، وأن يحرص على أن تسود بينهما المودة والعرفان بدل الخصومة والنكران. ثم تأمل قول الغزالي في سياق هذا الشرط:
”فانظر إلى مناظري (ونقَّاد) زمانك اليوم كيف يسودّ وجه أحدهم إذا اتضحَ الحق على لسانِ خصمه، وكيف يخجل به وكيف يجهد في مجاحدته بأقصى قدرته، وكيف يذم من أفحمه طول عمره“. يقول هذا في القرن الخامس الهجري! أصلح الله الحال.
انتهى.

جاري تحميل الاقتراحات...