السلام عليكم، كلّ عام وأنتم بخير، هل بدأتوا بإحدادِ سكاكينكم يا آكلي اللحوم؟
أمّا عيد الأضحىٰ بالنسبةِ لي، كنت ولا زلت الضحيّة التي يتقرّب بها أهلي إلىٰ الله حتّىٰ آخر أيام التشريق؛ ليست الإبل ولا البقر ولا الغنم
أمّا عيد الأضحىٰ بالنسبةِ لي، كنت ولا زلت الضحيّة التي يتقرّب بها أهلي إلىٰ الله حتّىٰ آخر أيام التشريق؛ ليست الإبل ولا البقر ولا الغنم
وصل محدثكم إلىٰ سنِّ ما قبل البلوغ، ولا يعرف حينها كيف يقوم بتذكيةِ بهائمِ الأنعام؛ كنت أهرب وأرفض خائفًا، ويوجد في ديننا الإسلامي مصطلح يُشير إلىٰ سبعة أمور يحرم علىٰ المسلم فعلها، وتُسمىٰ بالسبعِ الموبقات، أبي وجدّي أضافوا لها واحدة لتصبح ثمانية، وهي: عدم معرفتك بذبحِ الأضحية
حاولَوا معي في عيدين متتاليين ولم أستجب لمطالبهِم، طلَبُهم ما زال مستمرًّا، والإلحاحُ ما زال مُتواصلاً، ثم فار دم جدّي بالمحاولةِ الثالثة قائلًا: الثالثة ثابتة.. لقد كانت ثابتةً حقًّا
وحينما تبيّن لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود من فجرِ يوم العيد الأول، كُنا في بيتنا، فبدأوا قبل الصلاة يتهموني بالخوف ويظنون بي ظن السوء، حاولت أن امتنع بمبرراتي الخاصة؛ لكنَّ كلامي لم يَزِدْهُم إلا تصلُّبًا في الرأي، هكذا هم إذا وضعوا في رؤوسهم شيئًا، فلن يقبَلُوا بالتخلِّي عنه
ولأنَّ اعتذاراتي تذهبُ أدراجَ الرياح، ولأنَّ ما أقول لا يجدُ آذانًا واعية، ولأنَّ أعصابي لا تستطيعُ أن تتحمَّل المزيد، رأيت أن أخرُجَ من بيتنا، وهكذا خرجت دون أن تكون لي وجهةٌ محدَّدة .. أمزح، والله أبوي جرّني مع أذني ذاك اليوم غصب لساحةِ القتال
ثم قال جدّي لأبي: سنذبح أضحيتنا بأنفسنا ويجب أن تكون حاضرا ياعبدالرحمن لتتعلم وتُطبّق الدرس الآن؛ وسنترك لك كرامة الضيوف تتعامل معها بتوجيهنا.. كان ذٰلك الدرس أصعب من الهندسة والكيمياء
بدأ الدرس ..
أتىٰ أبي بقامتهِ المستقيمة، وبوجههِ الوضاء نورًا؛ فحسر عن ذِراعيه القويتَين، ومد إحدىٰ يديه على قرن الخروف، والأخرى أحكم بها قدمه الخلفية، فأضحىٰ الخروف يمشي على قائمتيه الأماميتين كأنه في سيرك .. سمعتُ حينها صوت المعلق الشهير فارس عوض @farisf9 قائلًا:
أمسك جدي هو الآخر بكبشٍ سمين بعد مساعدة الخادم، فلما أعجزه أن يفعل به مثل والدي، اكتفى بجره والخادم يدفعه دفعًا، كأنما يقتادان ثورًا. خرس لساني إلا عن الدعاء أن يكون الله بمعيّة الخرفان المسكينة
وجّهوا الأضاحي باتِّجاه القِبلة، ثمّ ضجع كل منهم على جانبها الأيسر؛ رَفْعوا رأسها بعد الاضجاع، أخذوا السكاكين، سمّوا الله، ومرَّروا على حَلْق الأُضحية وصولًا إلى عظام الرَّقبة، الدّماء أخذت بالجريان على الأرض، وجيراننا عن اليمين والشِّمال ودِماء أضاحيهم هي الأخرى تخرُج من منازلهم
لم أتحمّل المشهد، هذه الأشياء تجعلُني ضعيفًا، مهزومًا أمامَ جيشِ المشاعرِ الزاحف باتِّجاه شَخصي الضعيف. راودتني فكرة أن أدعوَ الله وأُلِحَّ في الدعاء وأن أبكي بين يديه؛ لقد كنتُ عصيَّ الدَّمع أمامَ أبي وجدّي، أتظاهَرُ بالتجلُّد والتماسُك، لكنَّ الأمرَ يختلفُ بداخلي
شهقاتٌ متواصلة، وبكاءٌ أكتمه بداخلي؛ عندما علمت أن دوري قد حان، مددت يدي بارتعاشٍ نحو الخروف، رحتُ أتحسَّسُه بأطراف أصابعي، وأنا لا أكادُ أُصدِّقُ ما أرى، وكأنَّني في حلمٍ، وجدت الخروف سمينًا مكتنزًا شحمًا ولحمًا ..
قد سمعتوا يا إخوة بالسبعِ الموبقات التي ذكرتها في بدايةِ حكايتنا؟ إحداهما التولّي يوم الزحف وهو الفرار من ميدان المعركة أو الحرب .. نعم فعلتها هربتُ عندما أتى دوري إلى حضنِ جدّتي -رحمها الله- حيث أنهُ ممنوع الاقتراب مني حتىٰ وإن حضر أكبر رجال الدولة
ساعةٌ مرّت، وأخذوا الرّجال بتجهيزِ الكبدة كعادة كل أسرة في صباح هذا العيد، ورحت أطوي الأرض لهم حاملًا بيدي الخُبز، وعصير أقتنيته من طاولة طعام النساء .. سُرعان ماوبّخني جدّي هازئًا، يقول أمام جمع من أبناء العمومة: جاء الذّروق جاء، والذروق يعني: الخوّاف حسب المعجم الوسيط
بدَأت أتنفَّس بعُمْق؛ قد أثارت غضبي هذه الكلمة، ولم أأكل معهم ذلك الكبدة التي إلى يومكم هذا اشتهيها! لٰكن هه سأثبت لكم عكس ماتقولونه! وسأأتي بكبدةٍ أخرى من صنع يدي
خروف الضيوف المتروك لي لايزال في شبكهِ، فتلصّصت إلىٰ المطبخ وكلي غضب؛ وجدت السكين الذي استعملوه مؤخرًا فأخذته، حرصت على إحداده قبل شروعي في ذبح الأضحية بمفردي كما فعلوا؛ توجّهت إلى الشبك بجسمي النحيل متوكِّئا على سكّينتي
فأتى الفارس المغوار، والبطل الذي لا يشقُّ له غبار، تفحّصت الخروف دققت بملامحه، كانت سكّينتي تعكس أشعة الشمس آنذاك، يراها الخروف فيقترب مني طالبًا النجاة، أخذت نفسًا عميقا لدرجة أن ساكني الحي المجاور أحسّوا بنقصٍ في الأوكسجين ساعتَذاك؛ أما ساكني حيّنا فقد ارتدوا اسطوانات الأوكسجين
تقدّمت ففتحت باب الشبك، فإذا بالخروف يحك الأرض بحوافره، انطلق علي وهو ينظر للأسفل موجّها لي قرنُه الأسود، وبينما وهو يجري نحوي، إذ سَمِعت صوتًا يصدر منه كأصوات البشر، خُيّل إلي حينها أنهُ يقول: وين وديتو أخوووي؟ .. ههه صار كبدة ياحبيبي
تَملَّكني الخوف والرعب. ارْتَعَشت بقايا هيكلي النحيل، ثارَت زوبعة من القلق في داخلي، فرائصي ترتَعد، وجرمي النحيل عظامه تَصطكُّ بعضها ببعض. التفاتاتٌ متكررة يمينًا وشمالًا؛ أبحث عن مخبًا أنزوي به فلم أجد، فأخذت أجري، مهرولًا على أطراف الأصابع حافيًا إلى أمي
أركض وأنظر للخلف ولايزال يُطاردني، همَمتُ بالهرب، وما أنا لهُ بندٍّ ولا منافس،دقات القلب تسمع ضرباتها على بعد ستة أقدام، ركضت لحين ما أحسست بمرارة في الفمِ من فَرط العطش، وريق أبحث عن أثره بلساني دون جدوى؛ أما العرق، فعلى جبيني يتصبّب كأنه غديرٌ من الماء
وصلت إلى القسم النسائي، دخل خلفي فخَلَف عن ذلك صرخات من النساء ترجّ صرح المنزل، صرخات تَميد من هولِها الجبالُ كأنَّها صيحة الموت، فنطحَ تلك الطاولة التي وُضع عليها جميع أطعمة الإفطار التي أُعدّت للتو بقرونه السوداء، والحلا والعصائر وكل مؤونة صالحة للأكل؛ ولم يفطروا ذلك اليوم أبدا
وكل عيد أضحىٰ يتواصل معي جدّي وجدّتي وعمّي وعمتي وخالي وخالتي ومن في الأرضِ جميعًا؛ يُذكروني بهذه الحكاية حتى آخر أيام التشريق؛ لحين ما صار حزني بهذا العيد أكثر من هذه الأضاحي التي تقضي عمرها خائفة من الذئاب، في حين أن الراعي هو من يأكلها
حتّى قبل أن أشرع بكتابةِ هٰذه السلسلة، كنت أتوسّد كتف جدي؛ فسألني عن دراستي للماجستير فقلت له بِخُيَلاء: بعد أشهر سأتحصّل على رخصةٍ ما في تخصصي، لم يتحصّل عليها أي عربي إلى هذا الوقت فقال: يُبه.. لو يدرون عن سالفتَك بهاك العيد ماعطوك شِين.
جاري تحميل الاقتراحات...