صادق الخطَّابي
صادق الخطَّابي

@Sadiq_Kh

41 تغريدة 11 قراءة Dec 10, 2021
سأكتب هنا عن حقيقة أو قصة محزنة تقشعر لها الأبدان حدثت في قارة أفريقيا و الدول الفقيرة. الحقيقة أنني عجزت عن كيفية وصف الواقعة التي حصلت هناك و أشعر ان كلمة "قصة" ليست دقيقة و منصفة لمن ماتوا ضحية لما حصل و ما ستقرؤوه في هذا الـ #ثريد .
تخيل معي عزيزي القارئ ان يكون لديك في حقيبتك دواء بإمكانه ان ينقذ حياة الملايين من البشر، و لكن لأسباب مادية و بكل بساطة "عناد" قررت ان يموت الملايين بدون ان يحرك لك ساكن. هذا ما حدث للشعب الأفريقي، تحديدا في الدول الفقيرة هناك.
مقولة: "حالة وفاة واحدة تعتبر فاجعة، أما موت الملايين ليس إلا مجرد إحصائيات"
الـ"قصة" التي سأكتب عنها اليوم هي قصة عن تلك الإحصائيات.
هذا ما حصل في أفريقيا بسبب مرض الإيدز؛
مات الملايين من مرض الإيدز مع أن الدواء كان بحوزة شركات الصيدلة الكبيرة و تكلفة تصنيعه لم تكن كبيرة.
احصائية:
الأعلى؛*اعداد المصابين بالـHIV في قارة أفريقيا ، ١٩٩٨*
الأسفل؛*النقص في متوسط العمر المتوقع بسبب الـHIV في بعض الدول الأفريقية ، ٢٠١٠*
وصل النقص في متوسط الأعمار بسبب هذا المرض من ١٠ الى ٣٠ سنة!
أي انه اذا كان من المفترض ان يموت الشخص و عمره ٥٠، يموت بعمر ٢٠-٤٠ سنة.
الجنازات كانت قائمة بشكل غير متوقف، يوميا.
مجتمع الأيتام في تزايد مهولي.
باحات المنازل مليئة بالمقابر، و أغلبها إن لم تكن جميعها، حديثة.
في عام ١٩٩٦ م تغير كل شيء بالنسبة لمرضى الـHIV مع اكتشاف دواء مركب فعال كعلاج للفيروس (مكون من ثلاثة مضادات فيروسية قهقرية تسمى ARVs).
و فجأة لم يصبح الـHIV حكم بالموت بل مرض بالإمكان التعايش معه.
معلومة: الفيروس القهقري هو نوع من الفيروسات تدرج حمضها النووي في الحمض النووي للخلية المستضيفة لها و تغيره للأبد. لذلك الشفاء من فيروس نقص المناعة أمر شبه مستحيل (إلا لمدة قريبة تم اكتشاف طريقة من الممكن ان تكون أمل في الوصول الى علاج دائم)
تكلفة الدواء للمصاب بالمرض تقدر بـ ١٥ الف دولار بالسنة، اي 56,260 ريال سعودي.
لم يكن بمقدور سكان امريكا و الدول الأوروبية الّا الرضى لفهمهم طبيعة السوق و القوانين التجارية في بلدانهم و حضاراتهم، بكل بساطة الشركات لها سعرها بحسب طبيعة الانتاجية و الطلب.
لكن ماذا عن الدول الفقيرة الموبوءة بالمرض مقارنة بأمريكا و الدول الأوروبية، لم يكن بمقدورهم الا الموت.
فالدواء الذي يحتاجونه مصنع تحت براءة إختراع تمنع اي جهة اخرى (بالقانون) من تصنيع الدواء، بيعه، او استيراده ان لم يكن مصنع من الشركة المالكة لبراءة الإختراع.
مع العلم أن الدواء بالإمكان ان يصنع من شركات اخرى بسعر رخيص جدًا مقارنة بتلك الشركة المالكة للدواء؛ هذه الأدوية تسمى بـ الأدوية الجنيسة.
مثال: ديفلوكان (مركب الـ فلوكانوزول) دواء يستخدم لتقليل الآلام المصاحبة لأعراض مرض الإيدز. يباع الدواء المصنع من الشركة المالكة لبراءة الاختراع في افريقيا الجنوبية بمبلغ ٣٠ دولار للكبسولة. لكن قامت شركة في تايلاند بتصنيعه و بيعه بمبلغ ٥ سنت امريكي للكبسولة(و هذا يعتبر دواء جنيس).
السؤال: لماذا لا تتعامل الدول الأفريقية مع تايلاند بدلا من شركات الأدوية الكبرى المالكة لبراءات الإختراع؟ القانون يمنع ذلك.
سؤال آخر: كيف بإمكان تايلاند تصنيع الدواء و هو تحت براءة اختراع؟ من الممكن عدم وجود اتفاقيات بين تايلند مع تلك الجهات عكس الدول الأفريقية.
في عام ٢٠٠٠ م مبيعات فلوكونازول وصلت الى مليار دولار في السنة الواحدة. بأسعار تصل الى ٤٠ دولار للكبسولة الواحدة.
مع العلم ان متوسط الرواتب في الأسبوع للفرد في أفريقيا الجنوبية يقدر بـ ٦٨ دولار فقط!
بعيدا عن الأسباب المادية، هنالك سبب آخر يجعل شركات الأدوية تتردد تخفف اسعار ادويتها لتجعلها مناسبة لسكان الدول الفقيرة و هو احتمالية ان يتطور المرض هناك و يصبح مضاد للعلاج. هذا يحصل بسبب عدم الإخلاص في اخذ العلاج و عدم اتباع البروتوكول العلاجي بشكل دقيق.
ملاحظة: لذلك دائما ما ترى تحذيرات و نصائح حول كيفية استخدام المضادات الحيوية و اهمية اكمالها و اتباع تعليمات الطبيب و عدم اخذ المضادات بدون وصفة، فإن لم تكمل المضاد الحيوي لن تموت جميع الباكتيريا و سينجوا بعض منها ممن يصبح لديه مناعة ضد المضاد و تتكاثر و يصبح المضاد بلا جدوى.
طبعا لا يوجد احد يريد ان يحصل هذا التغيير في الفيروس لانه من الممكن ان ينتقل الى أمريكا و الدول الأوروبية بنسخته الجديدة المضادة للدواء و يرجع الوباء و تزداد حالات الوفاة.
إحصائية: قدّر عدد المصابين بالفيروس نقص المناعة في الدول الفقيرة الأفريقية بـ ٢٠ الى ٣٠ مليون شخص في عام ٢٠٠٠ م!
طبعا مع تزايد الأزمة في الدول الأفريقية الموبوءة بالـHIV قل الإهتمام في الدول المتقدمة مثل أمريكا و الدول الأوروبية مع ظهور العلاج الفعال ضد الفيروس. و كلما طلبت الجهات الأفريقية من الشركة المالكة لبراءة الاختراع أن يتم استيراد الدواء الجنيس قوبلوا بالرفض القاطع.
و يأخذنا الكلام الى القوة القانونية لتلك الشركات الصيدلية الكبرى، فهي ام تحصل على تلك القوة الا عن طريق دعم الحكومة الأمريكية لها للمنافع المادية.
فكانت تلك الشركات و الحكومة الأمريكية اشبه بمنظمة واحدة تغض البصر عن التزايد في اعداد الوفيات في أفريقيا ترقبًا لحركة من جميع الدول و تجميع مبالغ تبرعات من المنظمات العالمية لشراء الدواء من الشركة الأصل بسعر عالي لمساعدة الدول الأفريقية.
طبعا هنا نبدأ ندخل في نظريات مؤامرة حول كيف ان شركات الصيدلة تدير الحكومة الأمريكية بشكل كبير و تتحكم في قراراتها، لكن هذا مو موضوعنا لأن الأغلب يعرف الشي هذا و من الأدلة وجود الأزمة الأفيونية في أمريكا (يبغاله ثريد كامل منفصل)
معلومة: براءة الاختراع تحديدا للأدوية تعطي مالكها احقية بالتفرد في تصنيع و بيع الدواء لمدة قدرها ٢٠ سنة.
طبعا الفساد موجود و لن يترك براءة اختراع مهمة ان تنتهي بعد ٢٠ سنة، تحديدا اذا عدد الاصابات بالمرض الذي يعالجه هذا الدواء زادت بعد انتهاء مدة براءة الاختراع.
مركب الـ(AZT) اكتشف عام ١٩٦٣ م. أول استخدام له ضد الـ HIV كان في عام ١٩٨٥ م ثم تم اصدار براءة اختراع للدواء، و كان تحت براءة اختراع الى عام ٢٠٠٥ م. لكن قبل عام ٢٠٠٥م قالت الشركة المصنعة له أن هذا الدواء ليس فعال بمفرده، يجب استخدامه مع دواء آخر اسمه لاميڤودين، تنتهي ملكيته ٢٠١٧!
هذا معناه انه بشكل مباشر او غير مباشر، دواء الـAZT كان مخبى تحت احتكارية الشركات الصيدلية الكبرى لمدة ٥٣ سنة!
بعد حسابة تكلفة تصنيع الدواء (الـARV) من قِبل علماء أدوية، اكتشفوا أن تصنيعه يكلف دولار واحد للحبة! إذا بدلا من الـ ١٥ الف دولار سنويا، بإمكان المريض ان يشتري الدواء ب ٤٠٠ دولار فقط!
قامت شركة هندية بتصنيع و عرض الدواء للبيع بقيمة ٣٥٠ دولار للشخص في السنة، و هنا بدأ الأمل ينبض في قلوب المصابين من الدول الفقيرة. المشكلة الوحيدة كانت هي براءة الإختراع و المشاكل القانونية التي ستتبع البدء ببيع الدواء.
في ذلك الوقت كانت الحكومة الأمريكية غير مدركة بتكلفة صناعة دواء الARV الحقيقية، فهي لم تهتم. بالإضافة أن نشر التكلفة الحقيقية للدواء ستضعها في مشكلة أمام اعين الشعب و العالم. لكن الشركة الهندية فعلتها و أصبح الكل يعلم بتكلفة تصنيع الدواء.
*مقالة في النيويورك تايمز شرحت الفكرة*
استمرت الأزمة بسبب تلك القوانين التي تمنع استيراد الدواء..
الى أن قرر الطبيب/ بيتر موجينيي، مدير احدى اكبر منظمات ابحاث الإيدز في أفريقيا، بالتواصل مع الشركة الهندية و طلب منهم أن يزودوهم بالدواء.
بعيدًا عن أزمة أفريقيا، في تلك الأثناء، حصل هجوم ارهابي بايولوجي في أمريكا مما تسبب في تفشي مرض الأنثراكس (الجمرة الخبيثة). مما اضطرهم الى كسر براءة اختراع علاجه و هو مركب الـ سيبرو، عن طريق استعمال سبب قانوني و هو (أزمة صحية مجتمعية).
القوانين تغيرت مع أمريكا و لكن عندما كانت أفريقيا و لا زالت تمر بأزمة اسوأ بمراحل، لم يحصل نفس الاستثناء الذي حصل في أمريكا. مع ذلك أكدت الحكومة الأمريكية انه اذا تم التعامل مع براءة اختراع مرض الـHIV من قبل الدول الأخرى مثل ما تعاملوا هم مع ازمتهم سيتم فرض عقوبات صارمة.
وافق رئيس اوغاندا على مبادرة الطبيب بيتر و تم استيراد الدواء من الشركة الهندية، وواجه تهديدات أمريكا بلا مبالاة لينقذ شعبه و يتدارك الأزمة التي نتج عنها عشرات الآلاف ان لم تصل بالمئات من الوفيات.
بعد حركة اوغاندا الصارمة ضد أمريكا قامت دول أخرى في أفريقيا بالمثل، فأستخدم قانون الـ (أزمة الصحية المجتمعية) كسبب يتيح لهم استيراد الدواء من الشركات المنتجة لها بأقل الأسعار.
و طبعا اللي حصل في أفريقيا من لا مبالاة تجاه براءة الاختراع بعد حادثة الأنثراكس في أمريكا و شجاعة اوغاندا، احست شركات الأدوية بخطر انتقال هذه المشكلة الى السوق الغربي و انخفاض اسعار المبيعات هناك ايضا مما سيسبب في انخفاض كبير في الأرباح.
في بداية ٢٠٠٣م قام الرئيس الأمريكي اثناء القائه خطاب تضمن اعلان الحرب على العراق، بالإعلان عن الدعم الذي سيقدموه لأفريقيا (مبلغ ١٥ مليار دولار) جزء من برنامج تحت مسمى "خطة الرئيس الطارئة لإغاثة الإيدز”
youtu.be
بعد خطاب الرئيس الأمريكي و التلميح بأن الأدوية ستكون عن طريق الشركة الهندية (اي الأدوية الجنيسة)، كانت مفاجأة لشركات الأدوية. لكن شركات الأدوية لم تسكت!
ارتفع عدد الأشخاص المستخدمين للعلاج و بدأت تتحسن الأوضاع في الدول الأفريقية من ناحية جودة الحياة للمصابين بالمرض و المفاجئ ان هؤلاء المصابين من الدول الفقيرة كانوا ملتزمين بالبروتوكول العلاجي اكثر من سكان الدول الغنية، عكس ما قيل عنهم سابقا.
الأدوية الجنيسة لمرض نقص المناعة انقذت الملايين من المصابين بالمرض من الموت المحتم.
للأسف شركات الأدوية اجبرت الدول المصنعة للدواء الجنيس بأن تلتزم بالقوانين الخاصة بالملكية الفكرية عن طريق "منظمة التجارة العالمية" و عمل حِلف يجبر تلك الدول بالابتعاد عن تصنيع تلك الأدوية.
قدّر عدد الضحايا في أفريقيا و الدول الفقيرة المتضررة من فيروس نقص المناعة من ماتوا بسبب غلاء الدواء و عدم توفره لهم ب ١٠ ملايين شخص!
و ما زالت شركات الأدوية تتلاعب بحياة الناس لجني الأرباح..
*يموت الناس "فقط" للحصول على الأدوية ذات الأسعار المبالغ فيها*
في الختام:
الحمدلله على نعمة الدواء و حكومتنا الكريمة التي تعالج بالمجان حتى اثناء الأزمات و الجائحة التي نمر بها حاليا.
و اعذروني على الإطالة، كان بالإمكان ان يكون الثريد اطول لأن القصة لم و لن تنتهي دام الجشع هو من يحرك الشركات الكبرى المسيطرة على سوق الدواء.

جاري تحميل الاقتراحات...