ترقّب الإنجليز مجيء ذلك الحارس الأسطوري، وتخيّله عشّاقُ "مانشستر" لابسًا قميصَ الفريق، منافحًا عن مرماهم ببسالته المعروفة، وحماسه المتّقد.
وفي زحمةٍ من صخب ذلك الجو، فجّر "روا" مفاجأةً ثقيلة، طغت على كلّ صخبٍ قبلها .. حين أعلن -وهو في أَوْجِ عطائه- اعتزالَه كرةَ القدم، وتبرّعه بكافّة ممتلكاته، وانتقالَ سكنِه إلى قريةٍ ريفيّة صغيرة، يعيش فيها ما بقي من أيّام حياته!
ألهبَ ذلك الخبر الصحفَ الرياضية، ودوَّت أسئلةٌ في مجالس مانشستر، مستغربةً متعجّبة:
كيف لمثل هذا أن يكون؟ لماذا يترك امرؤٌ مجدًا له يراه يُصنَع أمامه؟ كيف يفرّط بالنجوميّة والعالميّة، ويتركها وراء ظهره ليعيش في قرية مُجْدِبةٍ مركونةٍ على هامش العالم؟!
أعلن "روا" بكلِّ وضوح: "إنّنا نقترب من عام (2000م) الذي ستقوم القيامةُ في لحظاته الأولى، أفيكون لنا -إن علمنا ذلك- أن نهرق وقتنا في اللهو واللعب؟!"
كان يعتقد بهذا، أنّ القيامة ستكون في ذلك العام، فأقعده ذلك التوهّم عن بناءِ "مجدٍ" وشهرةٍ وثروة، كانت -لولا توهّمه- تتهيّأ له، وتقترب منه.
تورّي الأوهام كذبة النفس الجبانة؛ فتثني عزمةَ صاحبها عن إدراك آماله وأحلامه.
وهي إذ تورّي .. تبعث صورةَ الندم، وتلوّح بالخسارة، وتوحي بالفقد، وتقترب أن تصوّر المجتمع ساخرًا بك، ضاحكًا عليك؛ فما تجد إلّا أن تعود بالرضا، وتقنع بالحال، وتقول: السلامةَ السلامة، ما لي وللأمجاد؟ اقعدي يا نفس حيثما أنتِ، فما خلقت لذاك.
وإن كانت الحياة مطبوعةً على الكَدَر؛ فإنّ كَدَرَ الإخفاق أَهْوَن على النفس من كَدَر الإحجام؛ إذ السلوان: أن تعرف النفس ألّا خلاص من المصير.
إذ حقيقة ما تصنع المحاولةُ المخفِقَة: هو استشراف المقدور في الألواح المسطورة، فإن فاتك تحقيق المراد، علمت أن المسطور هو ألّا تناله؛ فتطمئنّ وترتاح.
وإذا أنت لم تبذِلْ ولم تسعَ؛ أُضرمت فيك أسئلةُ اللوم، وتنكّرت لك ذرائع الإحجام، وأتت إليك الندامة بأسباب الحسرة والكآبة.
ألَا فأقبِلوا على أمانيّكم، وخذوها بكفّ العزم، واعتبروا بمن أُتْخِمَت الأرضُ بحسَراتهم وآلامهم
لا تكونوا في تعريف الأرض: آهةً مألوفة، فاتَ على صاحبها أمَلٌ لولا جُبْنُه وتردّدُه؛ لما فاته.
-تمّت-
جاري تحميل الاقتراحات...