في بدايةِ هذا الشهر، انتقلت برفقةِ اثنين من الزملاء إلىٰ پاكستان، إقليم الپنجاب؛ لإكمال مشروع الماجستير الميداني، فاستقبلنا هناك رجُل ماتُريدهُ من سوءٍ تجدهُ فيه، لو اطّلعت عليه لوليت منه فرارًا، ولِمُلئت منه رعبا؛ دميم ماتُدخلهُ البيت، ولو لم تُمنع من التطيُّر لتطيّرت عند رؤيته
م.رضا خان، يحمل البكالوريوس والماجستير والدكتوراة في الفيزياء النووية فضلًا عن الهندسة؛ كان المشروع أمَّه وأباه، مستقرَّه ومأواه. ينادونه رضا، علىٰ نقيضِ اسمه؛ فهو لايرضى بأيِّ شيءٍ، لا تعرف له حِرفة بعينها، فأنَّىٰ له وهو يمتِهُن كلَّ حِرفةٍ!
في جبهته مِثلُ غرَّة الحصان، شرِّيرًا بالفطرة. آثار سكاكين، وبقايا جراحات توغَّلت في حاجبه حتىٰ قسمته نصفين. رجل عملاق كأنه مئذنة مسجد، هامته تلامس السحاب، وكانت الجبال الراسيات تصل إلىٰ مستوى ركبتيه، ذو شنبٍ أبيض كثيف، ولحية خالية من شعرٍ إلاّ قليلًا في خضمِّ النمو
لو دقّق النظر بك عزيزي القارئ لقلت له: أنا المتَّهم، أعترف بجريمتي؛ حتّىٰ وإن لم تصنع شيء، إنه موَقَّر المجلِس، مَهيب الحَضرَة، لدرجة أن كلام زبانيته بالإيماء والإشارة؛ من فرطِ هيبته لديهم .. يروّع يا إخوة
دلف غرفة التحكم لتوجيهنا، وعلىٰ ظهره حقيبةٌ تحوي من الأوراق والمستندات الكثير، ووضع الملفات أرضا فترانا مُشفقين مما فيها ونقول ياويلتنا؛ فحسرَ عن ساعديه، وأخذ يملي بالأوراق بين يديه، ولو حضر أبو حنيفة لمدَّ رجليه
فإذا به قبالي يُحاضر، أو لعله كان يُناظر، يقول ويُعيد، ثم ينقض ما قال ويزيد، ولقد أفدت مما قال، وإن كان قوله قد طال، وجل وقت حديثه كُنت أتأمل في هيكله، ولم أفهم شيء أصلا! فأحس بهذيان رفيقي خالد وقال You! فأجابه بـ: سم! يحسبه ولد عمّه في الديرة على هذا الرد 😑
سُرعان مابدلها بمصطلح ردٍّ مناسب بالإنجليزية، فأمره أن يعيد ماقال، ويسأل عن معناها؛ فأخذتُ أنا وحاشيتي بشرح هذه الكلمة مع ابتسامات طفيفة تعترينا لتلطيف الجو خوفًا منه؛ وصلهُ المعنىٰ، فأصبح يُرددها صبح ومساء!
قسّم لنا أيام العمل لنصفين، النصف الأول سيكون العمل تحت الأرض، والنصف الآخر فوقه، والبداية في الأسفل؛ فعند دخولنا أخبرنا أن الخطأ هنا يكلف نفس بشرية! وسيذهب بك إلى الحياة البرزخية؛ فدعوت الله أن يكون بمعيّتنا، وبدأنا العمل .. لم يستجيب الله دُعائي
التفتُّ لرفيقي الآخر فيصل فإذا به يسدُّ مناخره بأصبعيه؛ تأفُّفًا من رائحة المواد الكيميائية، يعدَّل وضع ربطة جزمته، ينفض حلَّته بأطراف أنامله، ثم قال: أنا وش جابني معكم بهالقرف! فعرفت أن أبو خان سيقتلنا، لا اليورانيوم المخصّب ..
وفيصل هٰذا مدنيُّ الطباع مُدمن كافيين، لايحب العمل الميداني؛ أتاه خبر ذهابنا وهو مستلقِ في أحد كافيهات تركي الأول بكمّامته، ونظّارته الشمسية؛ كأنه لص، فأصابه وابل من حزن لأنه سيفتقد البستاشيو والسبانيش لاتيه! وتصويرها عبر سناب تشات
صعدنا للأعلىٰ بعد إنجاز مهمتنا؛ وكان م.رضا يَضَعُ ساقًا على ساق، رافعًا رأسه كأنه صقر يجمع كل حواسه في عينية المركزتين على فريسة شهية يَتَهَيَّأ للانقضاض عليها، فأمرنا أن نخلع مانرتدي كما خُلقنا أول مرة؛ لتعقيم أجسادنا في المكينة! وإن لم يتم التعقيم التأثير سيكون مسرطن!
توقّف كل منا مشدوهًا من الموقف. صوتٌ من الخلف قائلًا: أبك ياويلي ويلاه، وش بيقولون عني القبيلت؛ -لا القبيلة- وهذا يعني أن الخطب جلل! همّنا الوحيد أن أبناء جلدتنا لايعلمون؛ فأصبحنا كبعضِ الفتيات هُنا، يرتدون غطاء الوجه وفي الخارج لايعترفون به
أصبحنا نتلافت لبعضنا الآخر ونحن عُراة غير مكتسين، حفاة غير منتعلين، ويقول كلُّ منا للآخر: ركّز بشغلك، ياويلك تناظر! وبينما الأجانب، طز ماعلينا منهم كفّار أصلًا
انتهت المهمّة. العرَق من فرط الحياء كالسيلِ العرم؛ وعند العودة للراحة، استقبلتنا إحدى الفتيات العاملات مبتسمة - وهذا مايجبرها عملها لفعله- فوقعت عيني خالد عليها وبادلها الابتسامة مع إيماءة طفيفة بالرأس، يحسبها خقّت عليه! وحدث مالم يكن بالحُسبان
خالد هذا، لا أجد غرامًا بالنساء كما أجده عنده، أُولِعَ بها حتى شغلتهُ عن أعماله، لدرجة أنه أصبح يذهب في وقت كتابتنا البحث لردهة الفندق للنظر إليها .. وبّختهُ وأمرته بغض بصره فقال: والله أنها تطرح الطير من السماء! مسكين، لا يَملِك سوىٰ قلب ضعيف، افتتن من النظرة الأولى
اليوم التالي عُدنا بعد العمل إلى الفندق ونحن نلبس قناعًا أسود من الشمس والطين والعرق. وخالد يُجيل عينيه الواسعتين من خلف عويناته الشمسيَّة ذات الماركة العالميَّة، التي اشتراها مؤخرا لأجل سندريلا حقته لينعم بابتسامة بتراء منها
لم يجدها على طريقنا ولم ينعم بالنظر إليها.. وصلنا لنستحم ونتنظف، إن رائحتنا آنذاك "تطرح الطير من السماء" كقول خالد .. وأما هذا المدعو رفض الاستحمام وقرر أن يذهب للبحث عنها!
حاوَل إخفاء رائحة العرق المُنبعِثة مِن قمصانه بالعطور، فرشَّ فوقه رشاتٍ مُتتاليَة مِن كل الأنواع، وأول عطر الفِردوس، وآخِر عطرٍ النعيم، كان قد اشتراها من بائع أمام أحد المساجد، الزهيدة ثمنًا! عاد تخيّلوا الريحة كيف بتصير 😑
ذهب لكنه سُرعان ماعاد وقال: وجدتها تخدم النُّزلاء .. الله يلعنهم والله مايستاهلون تخدمهم، وماتستاهل تشتغل فيذا 😐 وخالد إلى حدٍّ كبير يُشبِهُ السيجارةَ التي أدمن احتضانَها وتقبيلَها؛ فهو قصيرٌ هزيلٌ شاحب
وقبل النوم، دخلت عليه؛ لأسأله عن الجزء المكلف بكتابته، فوجدته يُغني ويتمايل مع الغناء محرِّكًا رأسه، طلع يكتب قصائد غزل وساحب علينا؛ يترنَّم أحلامًا بعُشٍّ صغير يَجمعه وإيَّاها! ثم اقترب مني، وجلس على كرسي بجواري، مال إلى الوراء مستقيمًا في جلسته، فأخذ يحكي لي عنها وعن حبّه لها..
ذات السَحنة الحمراء، لها جدائلُ طويلة، تصل إلى الخصْر، ترتدي فستانًا أصفرَ اللون، اشتراه لها والدُها حين بدت عليها الأُنوثة، تُغطي رأسها بوشاح صغيرٍ مزخرف، فتبقى الجدائل مكشوفة، تحرِّكها الرياح من حينٍ إلى آخر. هكذا وصفها لي زير النساء وهي تشبهه أصلًا الكذاب
أتىٰ موعد عودتنا إلىٰ الوطن، علم بذلك فمضى لا يلوي على شيء، وقد اعتراه دُوار وقيء، فلفَّ ساقَيه بذراعَيه، ودفَن وجهه بين فخذيه؛ تحسّرًا لأنه لم يأخذ لها أية وسيلة اتصال
جاري تحميل الاقتراحات...