•
مقدمة ابن خلدون كتاب عظيم القدر ولا تخفى أهميته، وفيه فصول مشهورة في التعليم وفيها قوانين وقواعد وإشارات جد مهمة تدل على عقل وافر واطلاع نبيه وملاحظة شديدة الفطنة، ومع هذا فينبغي التعامل مع ما يذكره ابن خلدون بالكثير من الروية والتأمل، فإن الكتاب فيه حس نقدي عال، وجرأة ظاهرة =
مقدمة ابن خلدون كتاب عظيم القدر ولا تخفى أهميته، وفيه فصول مشهورة في التعليم وفيها قوانين وقواعد وإشارات جد مهمة تدل على عقل وافر واطلاع نبيه وملاحظة شديدة الفطنة، ومع هذا فينبغي التعامل مع ما يذكره ابن خلدون بالكثير من الروية والتأمل، فإن الكتاب فيه حس نقدي عال، وجرأة ظاهرة =
▪︎
= وخوض في مجالات رحبة، وربما أسلمت هذه الجرأة ابن خلدون إلى نتائج ينازعه فيها أهل الاختصاص بشدة ولا يرتضون تقريره لها، وسأضرب لذلك بمثالين يحصل بهما التنبيه على ما وراءهما:
أما المثال الأول فهو ما وجهه ابن خلدون إلى المتون والمختصرات من نقد مشهور =
= وخوض في مجالات رحبة، وربما أسلمت هذه الجرأة ابن خلدون إلى نتائج ينازعه فيها أهل الاختصاص بشدة ولا يرتضون تقريره لها، وسأضرب لذلك بمثالين يحصل بهما التنبيه على ما وراءهما:
أما المثال الأول فهو ما وجهه ابن خلدون إلى المتون والمختصرات من نقد مشهور =
=
والمتون في أصل وضعها عمل إبداعي عال، له أثر عظيم النفع في ضبط أصول العلوم والبناء عليها. وعامة النقود الموجهة إليها تتوجه لسوء استخدامها لا إلى أصل فكرتها. وقد كتب جورج صليبا بحثا في (معالم الأصالةوالإبداع في الشروح والتعاليق العلمية المتأخرة (أعمال الخفري 956 هـ/1550م) نموذجا)
والمتون في أصل وضعها عمل إبداعي عال، له أثر عظيم النفع في ضبط أصول العلوم والبناء عليها. وعامة النقود الموجهة إليها تتوجه لسوء استخدامها لا إلى أصل فكرتها. وقد كتب جورج صليبا بحثا في (معالم الأصالةوالإبداع في الشروح والتعاليق العلمية المتأخرة (أعمال الخفري 956 هـ/1550م) نموذجا)
=
وذكر لي أحد فضلاء المغرب أن مستشرقة فرنسية قالت له في ضمن حديث عن إعجاز القرآن: لا تحدثني عن إعجاز القرآن فهذا مفروغ منه، ولكن حدثني عن إعجاز صنعة المتون والمنظومات في القراءات والفقه وغيرهما بهذا الضبط والدقة وإحاطة الألفاظ القليلة بالأحكام الكثيرة وبنائها على بعضها =
وذكر لي أحد فضلاء المغرب أن مستشرقة فرنسية قالت له في ضمن حديث عن إعجاز القرآن: لا تحدثني عن إعجاز القرآن فهذا مفروغ منه، ولكن حدثني عن إعجاز صنعة المتون والمنظومات في القراءات والفقه وغيرهما بهذا الضبط والدقة وإحاطة الألفاظ القليلة بالأحكام الكثيرة وبنائها على بعضها =
=
وهذه المتون التي ينتقدها ابن خلدون وتابعه على ذلك من تابعه، هي التي تخرج بها فحول العلماء الذين ملأوا الدنيا علمًا، وما فسدت الأحوال العلمية إلا بعد دعوات المتأخرين إلى هجرها، واستبدال الذي هو أدنى من مقررات مرتجلة ومذكرات هزيلة بالذي هو خير =
وهذه المتون التي ينتقدها ابن خلدون وتابعه على ذلك من تابعه، هي التي تخرج بها فحول العلماء الذين ملأوا الدنيا علمًا، وما فسدت الأحوال العلمية إلا بعد دعوات المتأخرين إلى هجرها، واستبدال الذي هو أدنى من مقررات مرتجلة ومذكرات هزيلة بالذي هو خير =
=
وأما المثال الثاني فما زعمه ابن خلدون من (أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم، لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية، إلا في القليل النادر). وراح يستدل بما يشعر بإسقاطه للصحابة والتابعين العرب من حسبانه، مع أن أولئك سادة العلماء، بل إن الكثير من مؤسسي العلوم =
وأما المثال الثاني فما زعمه ابن خلدون من (أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم، لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية، إلا في القليل النادر). وراح يستدل بما يشعر بإسقاطه للصحابة والتابعين العرب من حسبانه، مع أن أولئك سادة العلماء، بل إن الكثير من مؤسسي العلوم =
=
بل إن الكثير من مؤسسي العلوم وأصحاب المذاهب الكبيرة كانوا عربا. وكأنه قرر هذا الأمر لتطرد له تقريراته في البداوة والحضارة. ويرد على كلامه أيضا أمور منها:
١. أن الداخلين في الإسلام قد كثروا جدا ودانت له أمم وشعوب كثيرة، حتى كانت عدة العرب فيهم أقل، ومن الطبيعي أن يكثر العلماء =
بل إن الكثير من مؤسسي العلوم وأصحاب المذاهب الكبيرة كانوا عربا. وكأنه قرر هذا الأمر لتطرد له تقريراته في البداوة والحضارة. ويرد على كلامه أيضا أمور منها:
١. أن الداخلين في الإسلام قد كثروا جدا ودانت له أمم وشعوب كثيرة، حتى كانت عدة العرب فيهم أقل، ومن الطبيعي أن يكثر العلماء =
=
ومن الطبيعي أن يكثر العلماء في كل أمة تدخل في الإسلام. فقياس علماء العرب إلى علماء سائر الأمم إنما يكون بنسبة العرب إلى نسبة كل أمة. وإذا نظرنا بهذا المنظار فلا شك أن مؤسسي العلوم الإسلامية كانوا في الجملة من العرب لا العجم. وهناك قصة مكذوبة مشهورة تنسب إلى الزهري وعبدالملك =
ومن الطبيعي أن يكثر العلماء في كل أمة تدخل في الإسلام. فقياس علماء العرب إلى علماء سائر الأمم إنما يكون بنسبة العرب إلى نسبة كل أمة. وإذا نظرنا بهذا المنظار فلا شك أن مؤسسي العلوم الإسلامية كانوا في الجملة من العرب لا العجم. وهناك قصة مكذوبة مشهورة تنسب إلى الزهري وعبدالملك =
=
وعبدالملك بن مروان في أن أكثر العلماء من الموالي لا العرب وهي حكاية تالفة لا تساوي فلسًا.
٢. دفع أطروحة ابن خلدون علماء آخرون (كالدكتور ناجي معروف في كتابه (عروبة العلماء)) فذكروا أن الكثير ممن ينسبون إلى البلدان الأعجمية من العلماء هم من العرب المهاجرين وأبناء الفاتحين =
وعبدالملك بن مروان في أن أكثر العلماء من الموالي لا العرب وهي حكاية تالفة لا تساوي فلسًا.
٢. دفع أطروحة ابن خلدون علماء آخرون (كالدكتور ناجي معروف في كتابه (عروبة العلماء)) فذكروا أن الكثير ممن ينسبون إلى البلدان الأعجمية من العلماء هم من العرب المهاجرين وأبناء الفاتحين =
=
وأبناء الفاتحين الذين استوطنوا تلك البلاد. ولئن كان بعض ما يذكره هؤلاء فيه نظر وتردد، وكلامهم قيل في مقام الانتصار للعرب ضد من يعادونهم في زمانٍ ما، فإن الدعاوى تتقابل وتتطلب تحريرًا يبعد بنا عن إرسال الأحكام، كما فعل ابن خلدون أولاً. =
وأبناء الفاتحين الذين استوطنوا تلك البلاد. ولئن كان بعض ما يذكره هؤلاء فيه نظر وتردد، وكلامهم قيل في مقام الانتصار للعرب ضد من يعادونهم في زمانٍ ما، فإن الدعاوى تتقابل وتتطلب تحريرًا يبعد بنا عن إرسال الأحكام، كما فعل ابن خلدون أولاً. =
=
والعرب وغير العرب تجمعهم رابطة الإسلام، وأكرم الناس عند الله أتقاهم. ولكن المقام ههنا مقام تحرير لدعوى ابن خلدون، وتنبيه إلى أهمية التوثق والتثبت عند قراءة الكتب المؤثرة، فإن وهجها وسلطانها قد يبهر القارئ بحيث يقل احترازه. انتهى.
والعرب وغير العرب تجمعهم رابطة الإسلام، وأكرم الناس عند الله أتقاهم. ولكن المقام ههنا مقام تحرير لدعوى ابن خلدون، وتنبيه إلى أهمية التوثق والتثبت عند قراءة الكتب المؤثرة، فإن وهجها وسلطانها قد يبهر القارئ بحيث يقل احترازه. انتهى.
جاري تحميل الاقتراحات...